كتاب عربي 21

تونس.. الانقلاب بابٌ نحو المجهول

1300x600

لا تزال وتيرة المغامرة الخطيرة التي أقدم عليها رئيس الجمهورية في تونس تتفاعل داخليا وخارجيا مصحوبة بتوجس كبير من تداعياتها على البلاد وعلى الجوار الإقليمي المباشر. فبعد مجموعة الإجراءات الاستثنائية التي اتخذها الرئيس والتي وصفها كبار أساتذة القانون الدستوري بأنها انقلاب مكتمل الأوصاف تقف البلاد في مفترق طرق يعمّق أزماتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية ويقذف بها إلى المجهول.
 
إن تعليق أشغال البرلمان واختطاف رئيس الحكومة وتجميد عمل نواب مجلس الشعب واختطاف بعضهم من منازلهم وغلق البرلمان بدبابات عسكرية وتجميع كل السلطات في يد رئيس الجمهورية ليس له وصف آخر غير كونه انقلابا على الشرعية وعلى الدستور وعلى إرادة الشعب. لكن ما هي مآلات هذه المغامرة الخطيرة؟ وما هي أهدافها الحقيقية؟ وكيف تحاول تجديد الاستبداد والعودة إلى مربّع ما قبل ثورة الحرية والكرامة التي انطلقت في 17 كانون الأول (ديسمبر) 2010؟

أمرٌ دُبّر بليل!

خارج إطار نظرية المؤامرة ـ لأنها لم تعد سرّا ـ فإن أغلب الفاعلين الدوليين والإقليميين كانوا ينتظرون بفارغ الصبر غلق ملف الثورات والربيع العربي إلى غير رجعة وإنهاء هذا الفاصل التاريخي والعودة إلى ما قبل الانفجار التونسي. كان الجميع يتحرك علنا من أجل إنهاء المسار الديمقراطي التونسي عبر تحريك الفواعل الداخلية من أحزاب ومنصات إعلامية وشخصيات نقابية وأمنية لتعفين الأجواء وتأزيم الأوضاع وإظهار الثورة وبالا على التونسيين.
 
لا يخفى على أحد اليوم تورط أطراف إقليمية عُرفت بدعمها للانقلابات وعلى رأسها دولة الإمارات العربية في المغامرة التي أقدم عليها رئيس الجمهورية خاصة مع تسريبات كثيرة تتحدث عن تواجد ضباط مصريين وإماراتيين في قصر قرطاج يوم الانقلاب. النظام الإقليمي العربي لم يكن يُخفي رغبته وسعيه إلى إنهاء التجربة التونسية متعللا كالعادة بالحرب على الإسلام السياسي وعلى حزب حركة النهضة التي لم تكن تملك من زمام السلطة شيئا.

 

إن وصول المساعدات الخليجية الفجائية وتهاطل التلاقيح وتوفر السلع والمواد الأولية فجأة يؤكد أن مخططا خطيرا معدّا مسبقا يستهدف المسار الديمقراطي في تونس لإلحاقها ببقية المشاهد العربية الكارثية.

 



هدف الانقلابات بما فيها الانقلاب المصري والحرب في ليبيا وسوريا واليمن لا يستهدف الإسلاميين ولا الإسلام السياسي بل يستهدف مناخ الحرية الذي قد يؤسس لدولة العدالة والقانون وهو ما ترفضه أنظمة الوكالة العربية. إن تثبيت دولة المؤسسات والقانون هو أخطر ما يخشاه النظام الرسمي العربي الموكّل بمنع هذه الشعوب من التحرر ومن استعادة سيادتها ووعيها وحقها في الحرية. 

قيس سعيّد رئيس تونس ليس إلا أصغر أجزاء اللعبة التونسية، وهو لم يكن ليتجرّأ على غلق البرلمان بمدرعات عسكرية دون ضوء أخضر خارجي ودون ضمانات بسلامته وسلامة من معه. نعم هو أصغر أجزاء الانقلاب لكنه في نفس الوقت شرطه الضروري الذي لا يمكن للانقلاب أن يكون بدونه. 

أكذوبة الحرب على الفساد 

منذ أشهر خرج رئيس الجمهورية بخطابات غريبة اللهجة حادة الألفاظ يتهمّ فيها كيانات غامضة بأنها تهدد الدولة من الداخل دون أن يسميها واتهم الجميع بالفساد وبأنه يعرفهم واحدا واحدا. في تلك الفترة لم يكن أحد يعيره اهتماما بعد أن تعوّد أهل تونس على خطبه الباهته وأوهامه الكثيرة ومنها اتهام مجهولين بمحاولة قتله بظرف مسموم قبل أن تتراجع الرئاسة عن الفضيحة.
 
كانت الخطابات الشعبوية المنددة بالفساد والفاسدين الوتر الحساس الذي عزف عليه رئيس الجمهورية طيلة أشهر ليوهم الناس بأنه البديل الأوحد بعد أن بالغ في ترذيل الأحزاب والسياسيين والنواب واتهامهم بأنهم سبب الأزمة التي تعصف بالبلاد. لكن الرئيس نسي أنه هو من عيّن رئيس الحكومة الفاسد الذي سقطت حكومته بسبب ملفات فساد ثم إنه هو من عيّن رئيس الحكومة الجديد الذي عزله في خرق واضح للدستور دون أن نعرف عن مصيره شيئا إلى حد كتابة هذه الأسطر.
 
لقد تحوّل الفساد في تونس من خطر تجب مواجهته جماعيا إلى سلاح فردي يستعمله كل متسلّق جديد لشيطنة خصومه السياسيين وهو ما فعله رئيس الجمهورية. صحيح أن الفساد في كل مكان لكنّه ليس من دور الرئيس توزيع لوائح الفاسدين واتهام الناس باطلا بل هو دور المؤسسة القضائية وليس من دوره أيضا توزيع صكوك الوطنية على المتسلقين الذين يحيطون به ويباركون مغامرته الانقلابية الخطيرة.
 
خذْ مثلا الاتحاد العام التونسي للشغل أو المركزية النقابية بما هو وكر أوكار الفساد فهل يستطيع الرئيس الاقتراب منه ومن أباطرة الفساد فيه؟ هل يستطيع الرئيس محاسبة العائلات الريعيّة التي ذكرها سفير الاتحاد الأوروبي في تونس واتهمها باحتكار الاقتصاد وثروات البلاد؟ هل يستطيع الرئيس محاربة اللوبيات والعصابات التي تتحكم في مسالك التوزيع وتضاعف أسعار السلع والمنتجات؟
 
طبعا هو لا يستطيع ذلك لكنه يوهم الناس بالقدرة على محاربتهم وهو الذي لم يُحاكم فاسدا واحدا منذ توليه السلطة لكنه تجرّا على مجلس الشعب وتجرّأ على نواب منتخبين.
 
المآلات الكارثية 

إن أخطر ما يهدد تونس اليوم هو انفتاحها على المجهول بعد أن أقدم الرئيس على تعليق عمل المؤسسات الدستورية وخلق حالة من الفراغ السياسي التي يحاول أن يملأها وحده. ثم إن وصول المساعدات الخليجية الفجائية وتهاطل التلاقيح وتوفر السلع والمراد الأولية فجأة يؤكد أن مخططا خطيرا معدّ مسبقا يستهدف المسار الديمقراطي في تونس لإلحاقها ببقية المشاهد العربية الكارثية.
 
ثم إنّ سعي الرئيس إلى تجميع كل السلطات في يده يؤشر على رغبة جامحة في إرساء نظام رئاسي مستبدّ يستنسخ النظام الذي ثار التونسيون وأسقطوه ذات يوم. إن مخاطر عودة الدكتاتورية في تونس صارت اليوم احتمالا واردا في صورة نجاح الرئيس في تنفيذ مشروعه الانقلابي بعد أن نال مباركة القوى الإقليمية التي زارته على عجل وزكّت الإجراءات التي قام بها. 

 

قيس سعيّد رئيس تونس ليس إلا أصغر أجزاء اللعبة التونسية، وهو لم يكن ليتجرّأ على غلق البرلمان بمدرعات عسكرية دون ضوء أخضر خارجي ودون ضمانات بسلامته وسلامة من معه. نعم هو أصغر أجزاء الانقلاب لكنه في نفس الوقت شرطه الضروري الذي لا يمكن للانقلاب أن يكون بدونه.

 



صحيح أن المنظومة الانقلابية بأذرعها الخارجية والداخلية قادرة على تمرير الانقلاب لكنها ستكون عاجزة عن تحمّل تبعاته الكارثية خاصة على المستويين الاقتصادي والاجتماعي. لن يسمح شعب تونس بالعودة إلى مربّع الاستبداد وسيفيق الحالمون من حلمهم سريعا ليكتشفوا بشاعة ما ارتكبه الرئيس في حق الثورة الفتية وفي حق مسارها الانتقالي وديمقراطيتها الناشئة.
 
إن السنوات العشر الماضية كانت درسا في الحرية ودرسا في المسؤولية ودرسا في التجربة الديمقراطية لكنها بكل خيباتها وبكل هزاتها وأزماتها تبقى أنصع الأطوار التي مرّت بها تونس وهي تتلمّس طريقا مليئا بالأشواك نحو دولة الحرية والكرامة الوطنية. بناء عليه فإن إحلال شروط العبودية والاستبداد محلّ شروط الحرية والاستقلال قسرا بالقوة المادية لن يكون ممكنا دون الانزلاق إلى ما انزلق إليه الآخرون في ليبيا وسوريا ومصر واليمن وهو الشرط الذي سيتحمّل المنقلبون تبعاته وعواقبه كاملة إن هو نجح لا سمح الله.