قضايا وآراء

قراءة بانقلاب تونس.. حتى لا نسقط في فخ الثنائيات المضلّلة من جديد

1300x600
قبل نحو ثماني سنوات، وبينما كان الانقلاب العسكري في مصر يشق طريقه فوق دماء الرافضين له، اختارت كثير من النخب تسطيح المشهد وحصره بصراع على السلطة بين العسكر والإخوان.. رغم أن ما يجري كان انقلابا دمويا على رئيس مدني منتخب ووأدا لتجربة ديمقراطية هشة، كان يمكن البناء عليها للوصول لدولة العدالة والحرية والكرامة، كما كان يريد ذلك شهداء ثورة الخامس والعشرين من يناير.

اليوم يتكرر للأسف ذات المشهد في تونس مهد الربيع العربي، وبطريقة ربما تكون أكثر فجاجة، فيحاول تصوير ما يجري بأنه مجرد صراع بين الرئيس قيس سعيّد وحركة النهضة "الإخوانية"، وبأن الرئيس الشجاع اختار اتخاذ قرارات جريئة لإنقاذ البلاد والعباد من براثن "الإخوانجية".. رغم أن ما يجري ببساطة هو انقلاب ينفذه الرئيس بدعم وتخطيط من جهات داخلية وخارجية.

ولتوضيح ذلك دعونا نعود للوراء قليلا لنركز على بعض البديهيات داخل المشهد التونسي، ونحاول فهم ما يجري دون الجنوح لاختزال القضايا المركبة في ثنائيات عبيطة.
اليوم يتكرر للأسف ذات المشهد في تونس مهد الربيع العربي، وبطريقة ربما تكون أكثر فجاجة، فيحاول تصوير ما يجري بأنه مجرد صراع بين الرئيس قيس سعيّد وحركة النهضة "الإخوانية"، وبأن الرئيس الشجاع اختار اتخاذ قرارات جريئة لإنقاذ البلاد والعباد من براثن "الإخوانجية"

أولا.. من اختار هشام المشيشي - المتهم اليوم بأنه كان رئيس وزراء ضعيفا وفاشلا ومحبا للفاسدين - على رأس السلطة التنفيذية هو الرئيس سعيّد نفسه.. والرجل كان إلى حد كبير شخصية مغمورة وليس له تجربة سياسية، ويصنّف بأنه مستقل.. وسبق أن اختاره سعيد مستشارا له للشؤون القانونية، ثم زج به وزيرا للداخلية في حكومة إلياس الفخفاخ الذي اختاره سعيّد أيضا.

لاحقا وعندما قام المشيشي بأول تعديل وزاري له على الحكومة التي قبلتها الأحزاب وعلى رأسها حركة النهضة على مضض، ومنحتها الثقة حتى لا يمنح رفضها المبرر للرئيس لحل البرلمان، قام الرئيس سعيّد برفض التعديل، في ظل اختيار المشيشي الإطاحة ببعض الوزراء المحسوبين على سعّيد.. ورغم التنازلات التي قدمها المشيشي لاحقا وإجراء تعديلات توافقية، فإن الرئيس أصر على رفضها وأصر على إبقاء الحكومة مقيدة وضعيفة، رغم حصولها على ثقة البرلمان؛ الذي يفترض أنه ممثل الشعب، وأن أعضاءه حصلوا على ثقة المواطن التونسي عبر انتخابات حرة ونزيهة - ضمن المعايير العربية - وعلما أيضا أن حركة النهضة، لا تشكل فيه الأغلبية وكل القرارات الفائزة فيه تكون بدعم وتأييد من قوى سياسية متنوعة.

ثانيا.. أن الرئيس الذي يستند في إجراءاته على المادة 80 من الدستور التونسي؛ هو الذي رفض مرارا وتكرارا المصادقة على قانون المحكمة الدستورية، الذي كان يمكن لها أن تكون مرجعا للخلاف بين السلطات والرئاسة والبرلمان والحكومة، وإليها يرجع أيضا البت في الخلافات حول تأويل النصوص الدستورية. فعلى ما يبدو فإن الرئيس سعيّد يصر بوصفه خبيرا دستوريا على احتكار تأويل النصوص، فهو القانوني الأوحد، ولا يمكن أن يكون في تونس من هو أعلم منه في دهاليز التأويلات الدستورية. ولقناعته بأن تشكيل المحكمة لن يصب في صالحه، اختار رفض المصادقة على قانونها ليساهم في الشلل السياسي الحاصل، الأمر الذي سيتسبب حتما في استياء شعبي يمكن توظيفه للانقضاض على السلطات لاحقا.. وهو ما حدث.
سعيّد يصر بوصفه خبيرا دستوريا على احتكار تأويل النصوص، فهو القانوني الأوحد، ولا يمكن أن يكون في تونس من هو أعلم منه في دهاليز التأويلات الدستورية. ولقناعته بأن تشكيل المحكمة لن يصب في صالحه، اختار رفض المصادقة على قانونها ليساهم في الشلل السياسي الحاصل

ثالثا.. أن المادة 80 التي استند عليها الرئيس في انقلابه السياسي، تلزمه أولا أن يستشير رئيس الحكومة ورئيس مجلس نواب الشعب، وإعلام رئيس المحكمة الدستورية، وإعلان التدابير في بيان إلى الشعب، الأمر الذي تم بطريقة مضللة، حيث إنه تواصل مع رئيسي السلطة التشريعية والتنفيذية وأعلمهما بعزمه على اتخاذ إجراءات استثنائية، دون أن يخبرهما بحقيقة ما ينوي القيام به.. وهو الانقلاب عليهما.

أيضا، فإن المادة 80 من الدستور التونسي تنص بشكل صريح على أنه لا يجوز لرئيس الجمهورية حل البرلمان، كما لا يجوز تقديم لائحة لوم ضد الحكومة، وأنه يجب أن "يعدّ البرلمان في حالة انعقاد دائم طوال هذه المدة"، لا أن يتم إغلاقه في وجه ممثلي الشعب بالدبابات.

رابعا.. أن الرئيس الذي يتحدث عن هيبة مؤسسات الدولة هو نفسه الذي صمت طويلا وبطريقة معيبة عن الإساءات و"التهريج"، الذي كانت تقوم به ممثلة "نظام ابن علي" في البرلمان عبير موسي، وصمت على تعطيلها عمل مؤسسات الدولة وعلى تحريضها عبر حملات كراهية وشيطنة فجة ضد طرف سياسي وصل للبرلمان عبر أصوات مواطنين تونسيين، وغض الطرف على تلقيها أموالا ودعما إعلاميا فاضحا من دولة مثلت رأس الحربة في الثورة المضادة على الربيع العربي؛ الذي كان له الفضل في إيصاله للسلطة أساسا، وهو الذي لم يكن يوما عضوا في حزب أو حركة سياسية أو نقابية، ولم يسجن يوما في عهد النظام الاستبدادي.

خامسا.. أن الرئيس سعيّد هو الذي رفض مرارا الحوار والجلوس مع أطراف المشهد السياسي، فهو بدأ بالترويج لنظرياته في الحكم وإدارة الدولة، وهي بالمناسبة تشبه إلى حد كبير نظريات القذافي والهراء الخاص باللجان الشعبية، لكنها مكتوبة بكلام منمّق ويستطيع الرجل أن يعبر عنها بعربية فصحى.
لو كان حقا ما يقوم به الرئيس هو إجراءات دستورية بهدف حماية البلاد، وأنها إجراءات مؤقتة، فما هو الداعي لاستهداف وسائل إعلام بعينها كانت منذ سنوات تغطي المشهد التونسي بطريقة مهنية وحيادية وموضوعية، ولا يوجد سبب حقيقي لإغلاقها إلا لكونها لا تعجب تيار الثورة المضادة

سادسا.. لو كان حقا ما يقوم به الرئيس هو إجراءات دستورية بهدف حماية البلاد، وأنها إجراءات مؤقتة، فما هو الداعي لاستهداف وسائل إعلام بعينها كانت منذ سنوات تغطي المشهد التونسي بطريقة مهنية وحيادية وموضوعية، ولا يوجد سبب حقيقي لإغلاقها إلا لكونها لا تعجب تيار الثورة المضادة في تونس، والداعي إلى إقصاء جذري وحتى "دموي" لكل صوت ينادي بالحرية العدالة والكرامة ويؤيد شعارات الربيع العربي؟

وأخيرا.. إذا أردت أن تؤيد الرئيس سعيّد، فأرجوك كن متصالحا مع نفسك على الأقل، وكُن شجاعا.. قُل إنك تؤيد الانقلابات وتؤيد إقصاء الآخر بأي طريقة كانت، ولا تريد له أي حضور في العملية السياسية. أما الاختباء وراء مصطلحات مقعرة ومحاولة التحايل لعدم تسمية الأمور بمسمياتها، فأنت وبدون أي مكياج، مجرد انقلابي مستتر لكنك تخجل التصريح بذلك.