قضايا وآراء

كذبتان قاتلتان في خُرج حمار

1300x600
الوطن البديل المحكي عنه في الأردن، والدولة الفلسطينية المحكي عنها في الضفة الغربية هما في العقلية الصهيونية خدعة متكاملة الأركان، وكلاهما كذبة. والممارسات على الأرض لا تؤشر على مشروع لدولة عربية لا في فلسطين ولا في الأردن، فلا دولة مزمعة للفلسطيني أو للأردني في الفكر والمخطط الصهيوني. فعندما تتطابق النظرية مع الواقع والكلام مع الممارسة والمكتوب مع المفعول، يزول الشك ويحضر اليقين، ويصبح الإنكار الرسمي أو النخبوي تواطؤا، وصمت الشعب طبطبة على الخيانة.

أمّا قاعدة استهداف الأردن ضمن هذه المصفوفة فلها محطات؛ أبرزها في مؤتمر سان ريمو لعام 1920.. فعندما اقتسم الإنجليز والفرنسيون المنطقة في هذا المؤتمر، كان ذلك بعناوين سوريا والعراق وفلسطين، بينما تمت الإشارة الى "أراضي شرق الأردن" واعتبرها المؤتمر جزءاً من فلسطين على أساس أنها جزء من الأراضي المقدسة وامتداد جغرافي وسكاني وتاريخي لفلسطين. ولا حاجة هنا للتذكير بأن صك الانتداب الذي فصّل تنفيذ وعد بلفور امتد إلى أراضي شرق الأردن، وأن النشيد الوطني "الإسرائيلي" رغم معاهدة وادي عربة، ما زال يُنشد بعبارة: الضفتان لنا.

فدولة فلسطين بقرار التقسيم دُفنت، والضفة الغربية ابتلعت، والشرقية تُبتلع. ونتجنى على المصطلحات عندما نقول "اتفاقية الدفاع مع أمريكا"، فالواقع أننا أمام إجراء أمريكي داخلي يُترجم ارتهان الدولة المفككة. فلا سيادة للنظام ولا للشعب على الدولة اليوم، والأردنيون يمرون بمرحلة يرزحون فيها تحت كل الضغوطات. فهل يعقل أن أمريكا بحاجة لهذا كي تقدم وطناً بديلا، أم أنها ممارسات لإخضاع الأردنيين بمكوناتهم لفكرة أنهم ليسوا بأصحاب الأرض، وبأنهم أمام خيار العبودية أو الرحيل لاجئين؟

من غير المنطق أن نفترض حتى على سبيل الجدل بأن المشروع الصهيوني جاء مكتفياً بفلسطين وجعل شرق الأردن وطناً للفلسطينيين، أو أن نفترض بأن إسرائيل تراجعت عن شمول الأردن بوعد بلفور تحت الضغط الدولي، لأن إسرائيل لو اكتفت باحتلال فلسطين فستسعى إلى حل استراتيجي تاريخي يؤمن لها البقاء والاستقرار. فهل الوطن البديل هو الحل التاريخي والذي يؤمن لها ذلك؟

الجواب هو، لا يمكن للعقل الصهيوني الذي يبحث عن ذلك أن يقبل بوضع ملايين الفلسطينيين في دولة محاددة له بطول يصل لأربعمائة كيلومتر وعلى مرمى نظرهم منازلهم ووطنهم وتاريخهم كله محتلاً، ولا أن ترهن أمنها ووجودها بنظام حليف عابر، ناهيك عن انعدام أدنى سبب لدى "إسرائيل" المتمتعة بالتفوق العسكري والسياسي للتنازل عن تمسكها بمشروعها بذات حجمه في وعد بلفور وبحصتها من سايكس بيكو، أمام انحطاط عربي يقوده حكام خونة.

حجَّمْنا نحن الشرق أردنيين مشكلتنا السياسية والمشروع الصهيوني بخدعة الوطن البديل. ومن هذه الدسيسة وتصديقنا لها انطلق المستعمر والكيان الصهوني وبنيا خطة الفتنة الملعونة، ونفذاها وما زالا ينفذانها على الأرض بواسطة النظام تارة والمتعاونين دائماً، وقوامها أن الأرض والدولة والمكاسب هي مُلكك يا أردني، وهذا الفلسطيني يسعى للاستيلاء عليها فهو عدوك والصهيوأمريكي مُنقذك! وترافقت هذه الدسيسة الفتنوية مع صنع اختلالات إدارية تمييزية بالدولة وثنائيات بين الشرق أردنيين أنفسهم، والتي تزرع الحقد والفرقة بين مختلف فئات الشعب.

وبهذا يكتمل المشهد ويتحقق الهدف المطلوب صهيونيا، وهو أن لا يتشكل في الدولة "الوديعة" شعب منتم لوطن أو لدولة وطن، ولا منتم لبعضه، وأن لا يلتئم المكونان الشقيقان، وأن ينسف ارتباط الأردني بالدولة لمستوى البحث عن مصالحه الشخصية وحاجاته الأمنية والمعيشية. ومع هذا الانحدار وفقدان الحس بالمواطنة ازدادت ضغوطات النظام - المتعاون - على السكان تحت وابل جشعه.

وبدلا من أن يتجه الأردنيون للبحث عن هويتهم ووطنهم ومواجهة التآمر بمصالحة وطنية وبمشروع تحرري إصلاحي، اتجهوا إلى تحالفات فيما بينهم تحت مسميات عشائر وأحزاب وحراكات هدفها تأمين الثقل أو الفزعة لحمايتهم الشخصية وتحقيق احتياجاتهم.. وبات هذا الشعب ينشد الشراكة في النيل من لحم الوطن ويناضل للفوز بمكاسب من الفساد الذي تُصَفى به الدولة الوديعة.

على الشرق أردنيين أن ينتبهوا من إحياء دسيسة الوطن البديل التي تنشط في هذه الأيام مستغلة عمل لجنة لإصلاح الخبيث. فاستهداف الأردن كدولة ووطن يتعمق في هذه المرحلة ويتسارع، واتفاقية الدفاع مع أمريكا إعلان احتلال، وليدركوا بأن استهداف الأوطان لا يكون إلا باستهداف شعوبها أولاً.

واستهداف الأردنيين والأردن جار في مسارين متلازمين هما:

الأول، هي الفتنة الساخنة بين مكوني الشعب الواحد الشرق والغرب أردني. والثاني، منع تشكيل معارضة ممأسسة كي لا تتشكل مرجعيىة شعبية وطنية في مواجهة سياسة النظام. وهما التحديان أمام الأردنيين.

أما عن الأول، فإن المكونين يمثلان للصهيوأمريكي وأعوانه في الأردن المحلَّ للعبة مركزية في هدم فكرة الشعب والدولة. ومن المؤكد أن المكونين لا يمكن أن يكونا إلا عاضدين لبعضهما أو مواجهين لبعضهما، ولا مكان أو إمكانية للحياد. وليعلم المكون الغرب أردني أن مصلحته هي مع المكون الشرق أردني وليس مع النظام وسياسته، وبأن أية عظمة يمن بها النظام عليه في هذه المرحلة اللعينة سوف تكون للاستخدام الجهنمي بالمجان. فمرحلة تحالف النظام مع مكون ضد مكون انتهت بانتهاء استخدام الشرق أردنيين ومع هيكلة الجيش والأمن والربط مع الأمريكي.

وليتعظ المكون الشرق أردني من نتيجة ماضيه مع النظام وسياسته، ومما يجري في الأردن، ويدرك بأنه اليوم محل الاستهداف الكبير بجره لفتنة ساخنة وصولا لرقبته ولرقبة الوطن. فمنفذو الأجندات الصهيونية ومسوقوها ينشطون اليوم بمنشورات التحريض ضد المكون الفلسطيني الشقيق والشريك بالوطن والقضية والعقيدة بأسخف الكلام وأحطه، وكأنهم يخاطبون شعباً جاهلا أو عشائر غبية دون أدنى احترام لعقل. هؤلاء هم طابور العدو المكشوف، يعلمون بتجريد الأردني من كل حق له ومن وطنه، ويسعون للفتنة الكبرى. والتعاطي معهم هو تعاط مع العدو الصهيوني.

وهذا ما يربطنا بالتحدي الثاني، ولنتكلم بصراحة، فيبدو أن مصطلح "النداء الأخير" لا وجود له في القاموس الأردني والعربي. فشعبنا المُجرد من كل مواصفات الشعب يُصر على أن يبقى مُتمسكا بحالة "المواطن المستقر"، رغم توقف الحاكم عن إمداد الحظيرة وعن حمايتها. فبقي الحاكم معبوده والمُخلِّصُ مرفوضاً والسياسة عُهراً، وأخذ هذا الشعب يتكيف مع كل مرحلة هوان وحرمان وصولا للتكيف مع العبودية. فما الوسيلة لوقف المسلسل قبل خاتمته؟

وبهذا، فإن قدرة النظام ومبرمجيه على تمرير النهج تعود إلى عدم إحساسهم بوجود شعب يعبر عن نفسه، وعدم وجود معارضة ممأسسة. فالنظام الشمولي لا يحتمل المعارضة ويأنس المعارضين، وهم في بلدي كباش تتناطح بلا قطيع خلفهم، ولا يمثل واحدهم سوى نفسه، وكلهم يخدمون النظام بسلوكهم. والتهمة لثقافة موروثة وأخرى مكتسبة ولأزمة نفسية وخلقية في غياب الوعي. والمُفارقة أن الأردن فيه من رموز المعارضة الواعية والصلبة من هم على مستوى الوطن العربي والعالم.

وبوصول هذا الشعب للدرك المشار إليه، فلا بد من بزوغ نخبة من الرجال الناكرين للوصولية والبطولات الفردية وتقديم الذات، والمتقين لله في هذا الوطن وهذا الشعب، لصنع معارضة سياسية ممأسسة من المكونين، تضع خلفها كل الأيديولوجيات والهويات الفرعية القاتلة وعلى رأسها العشائرية الفاضحة والجهوية والإقليمية التي تُشكل مقتلنا ومقتل قضيتنا، وبأن تفرض هذه المعارضة نفسها كمرجعية وطنية شعبية برنامجية ومقنعة للقطيع بأنه شعب له حقوق وسيادة ووطن، وقادر على أن يُخلّص نفسه ووطنه. فالمعارضة الممأسسة الشعبية هي المسموعة والمؤثرة داخلياً ودولياً وبالتالي في سلوك النظام.

وللحديث بقية..