آراء ثقافية

تفكيك "المثقف المزيف" عند باسكال بونيفاس

باسكال بونيفاس أكاديمي فرنسي صاحب كتاب "المثقفون المزيفون"- تويتر

تواجد في السياق الثقافي عبر التاريخ مثقّفون مزيّفون، وهم مثقّفو السلطة بشكلٍ عام، أي الذين يبدون آرائهم وتحليلاتهم وفقا للمصالح التي تفرضها السلطة، لا وفق توضيح الحقيقة للرأي العام. ألّف المفكر والأكاديمي الفرنسي باسكال بونيفاس، المولود بباريس عام 1956، كتابا عنّونه بـ "المثقفون المزيفون".

 

رفضت 14 دار نشر طباعة الكتاب إلى أن تمّ نشره بالفرنسية عام 2011، عن دار ج. سي. غاويزويتش بباريس، ومن ثمّ نُقل إلى العربية بواسطة المترجمة السورية روز مخلوف عام 2013 عن دار ورد للنشر والتوزيع بسوريا. 

تناول باسكال في كتابه تناقض الأخلاق، أو كما أسّماها الأخلاق الخادعة لدى سياسات الدول الغربية تجاه الدول الأُخرى، لا سيّما الدول العربية، بفضل وجود ثلّة من المثقفين الموزّعين بين السلك الأكاديميّ والصحافي والدبلوماسيّ، الذين بدوّرهم يقومون بخداع الرأي العام، عن طريق طرح آراء وتحليلات تخدم تلك القرارات، فمن هُم أبرز المزيّفين عند باسكال؟ وما هي آرائهم؟ 

الأخلاق الخادعة

تحدث باسكال عن أخلاق الغرب الخادعة، وازدواجيتها بشأن الكثير من المفارقات والسياسات. يشغل الرأي العام أي الجمهور الغربي مكانةً مهمّةً بشأن صُنع السياسات، منها اختيار ممثلي الأحزاب والمجالس والرؤساء، بين الأحزاب المختلفة من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار. يأتي هنا دور المُثقّفين الذين يعملون على بث الحقيقة وتحليها وتوضيحها لهذا الجمهور، لكن ما يحدث أن أصحاب الشركات وممثلي الأحزاب والسياسات يقومون بتوظيف هؤلاء المُثقّفين وجعلهم أداة ثقافية مُزيّفة تعمل على خداع الرأي العام وحشده في الاتجاه الذي يخدم مصالحهم. 

مثل العمل على شرعنة التدخل الأمريكي لإبادة نظام صدام حسين، بداعي أنّه نظام ديكتاتوري يَستبد شعبه. لكن، الاحتلال في أوجهه الحقيقية لم يكن لخلاص العراقيين من الاستبداد، أو خلاص الدول المجاورة من التوسع الصداميّ، بل بحجة مصالح استراتيجية نفعية لِشركات ورجال أعمال. أيضا إبان الحرب البادرة، استدعى الكاتب دعم الغرب لديكتاتوريين مثل بيونيشيه رئيس تشيلي بين عاميّ (1974-1990)، المعروف أنّه أحد جنرالات الولايات المتحدة الأمريكية في منطقة أمريكا اللاتينية. 

قبل أن ينتقل باسكال إلى فزاعة الإسلاموفوبيا في الغرب، ربط ربطا وثيقا بين خوف إسرائيل من العرب والمسلمين، وبين صعود موجات الكراهية بشأن الإسلام ومُعتنقيه حول العالم من خلال تركيز أحزاب اليمين على الخطاب الأكثر شعبويّة وعنصريّة تجاه الأقليات والعرب والمسلمين،  مُتمثلينَ في شعوب المنطقة العربية المجاورة لوجود الاحتلال الإسرائيلي، وفي الجماعات المسلحة مثل حزب الله وحركة حماس، القانطين في غزة ولبنان، على الحدود مع الاحتلال، وازداد ذلك القلق مع ضربات 11 أيلول/سبتمبر عام 2001 التي نفذتها القاعدة بمركز التجارة العالمي بنيويورك. 

في نيسان/إبريل من عام 2001، يتذكر باسكال أثناء عضويته في الحزب الاشتراكي الفرنسي، انتقاده لموقف الحزب بشأن تأييده لسياسات الاستيطان القمعية التي تنتهجها الحكومة الإسرائيلية بحق الفلسطينيين، لكن سُرعان ما اتُهم داخل الحزب بمعاداته للساميّة، وتعرّض للعقاب، حيث يُفسر أن الآلة الإعلامية كانت تسعى خلال ذلك الوقت لإبراز أصوات مؤيدة لإسرائيل من الأحزاب اليسارية والليبرالية، بعيدا عن اليمين المُتطرف المعروف بولائه وتأييده لسياسات إسرائيل. 

أيضا، رأى بيسكال أن مفاهيم مثل الإسلام اليساري، أي الراديكالي أو الإسلامي الفاشي، تعززت واتجهت إلى الصعود، بتعاون مُتقن وقوي بين قوى الغرب وإسرائيل، وذلك لصناعة عدو مشترك واحد، وهو الإسلام الذي يتولّى بدوّره الكثير من المقاومة والمجابهة سواء بشأن تحرير الأراضي الفلسطينية متمثلا في حزب الله وحركة حماس، أو في حركتيّ القاعدة وطالبان، المُجابهة بأشكال مُختلفة للإمبريالية الأمريكية والغربية، ضرب باسكال بالمفكر الفرنسي برنارد هنري ليفي مثالا على ذلك، بشأن وصف الثاني للإسلام أنّه صيغة ثالثة للشيُوعية والنازية في كتابه "النقاء الخطير". 

منذ سنواتٍ كثيرة، جمهورية فرنسا تُعيد تشكيل الخطابات المُعادية للمُسلمين الفرنسيين، في عام 2010 قالت السياسة الفرنسية ماري لوبان، أن صلاة المسلمين في شوارع فرنسا مثل وجود الاحتلال النازي إبان الحرب العالمية الثانية، أيضا بما أن الخطاب الأكثر تطرفا بشأن المُسلمين هو خطابٌ قوميّ يمينيّ، لذا تأتي بعض الحجج في شكلٍ حقوق المرأة ورفض ارتداء الحجاب داخل المُجتمع الفرنسي، ما يساعد على رفض الإسلام من الأوساط التقدمية، اليسارية منها والليبرالية. وهذا ما ذِيع مؤخرا بشأن الجدل الدائر حول قدسيات المُسلمين، ومبادئ الجمهورية الفرنسيّة، خصوصا بعد أن قام عبد الله أنزوروف، وهو لاجئ من أصل شيشاني، بقتل المعلم الفرنسي صامويل باتي، على خلفيّة عرض الثاني رسوما مسيئة لرسول الإسلام محمّد في تشرين أول/أكتوبر من عام 2020. 

نماذج من المثقف المزيّف

يطرح باسكال نموذجا للمثقف المزيف، وهو الصحفي والمخرج الجزائري الفرنسي محمد سيفاوي، المولود بالجزائر عام 1964، ليهاجر إلى فرنسا بعد تخرجه من كلية الفنون الجميلة، ويعمل هُناك كصحفيٍ ومُخرج. عمل سيفاوي على تشويه الحركات الإسلامية خاصةً الحركية منها، لاسيّما الإخوان المسلمين، بل وأيّد حرب إسرائيل على غزة عام 2010، وصف حركة حماس بالمنظمة الإرهابية التي يجب التخلّص منها، أما عن مقتل المئات من المدنيين أثناء هذه الحرب، فَرفض إدانة إسرائيل وإلصاق تهمة مجرمي الحرب بشأن قادة العمليات العسكرية حينها. لا يقتصر هجوم سيفاوي على حركة حماس فقط، بل يتوسّع أكثر بشأن الإسلاميين الحركيين حول العالم، خاصّة إسلاميّ الجزائر موطنه، حيث دائما ما يُستدعى من قِبل الصحافة والتلفزيون الأكثر محافظةً للهجوم على تلك الفئات الإسلامية، من خلال رصده وتحليلاته. 

يأتي باسكال بِنماذج أُخرى للمثقف المزيف منهم أستاذ العلاقات الدولية في جامعة باريس، فريدريك إنسل، وقد شغل من قبل وإلى الآن عدّة مناصب أكاديميّة أُخرى، وَصفه باسكال أنّه يُعرّف نفسه دائما بمناصب ودرجاتٍ لم يشغلها، بالإضافة إلى تأييده وبشدة لسياسات الاحتلال الإسرائيلي، تجاه العرب الفلسطينيين.

 

كذلك أيضا، كانت السياسية الفرنسية كارولين فوريست من ضمن قائمة باسكال للمثقّفين المزيفين، حيث تعمل كارولين كصحافيّة وناشطة في مجال الحقوق والحرّيات، وقد بدأت مشوارها أواخر السبعينات من القرن الماضي، ولمع نجمها في الحوارات والجدالات في التسعينيات. لكن ازداد صيت فوريست بعدما تحوّلت آرائها من نقد اللاهوت المسيحي المناهض للحرّيات ومبادئ الليبرالية إلى نقد الإسلام وممارساته ومبادئه كوّنها ضد حقوق وحرّيات الإنسان. 

أيضا ضمّ باسكال الكثير من الأعلام الدبلوماسية والثقافية إلى قائمة التزييف، كما الدبلوماسي الفرنسي فرانسوا هزبورغ، والمؤرخ الفرنسي أليكسندر أدلر، والباحثة تيريز دِلبش، والصحفي والممثل الفرنسي فيليب فال. وغيرهم. اجتمعوا جميعهم عند باسكال في التلاعب بالقيم والمبادئ، وتملّكتهم ازدواجية المعايير في التحليل والرأي في القضايا، بالإضافة إلى الهجوم على الإسلام خاصّة الأحزاب والجماعات الحركيّة منه، فضلا عن تأييدهم للاحتلال الإسرائيلي في سياساته الهمجية واللا قانونية بحق العرب والفلسطينيين.