قضايا وآراء

انتصار غزة.. كيف نأتي بقيادة سياسية ثورية تليق بالمقاومة؟

1300x600

لوحظ أنه في أعقاب كل حروب العرب والفلسطينيين "الرسمية" مع العدو الصهيوني منذ 1948، التي غلبت عليها الهزائم والنكبات والنكسات؛ تم الخلوص إلى إجمال سياسي يكرّس الهزيمة ويمنح العدو الصهيوني نقطة أو نقاط تفوّق جديدة.

على سبيل المثال: اتفاقيات الهدنة مع دول الطوق 1949، حرية الملاحة الصهيونية في مضائق تيران بعد 1956، قرار 242 بعد 1967، قرار 338 واتفاقيات فك الاشتباك وكامب ديفد المصرية بعد 1973، والاعترافات الفلسطينية الكبرى بالعدو التي أفضت إلى مدريد فأوسلو وعقابيلها بعد 1982. وحتى في حرب 1973، التي قيل إن العرب حققوا فيها انتصارا جزئيا تبيّن أنه كان شكليا، ومعدّا سلفا، ومتّفقا عليه، ولذلك وجدنا المؤرخين والمراقبين يطلقون على تلك الحرب صفة "التحريكية". وقد غلب على تلك الخلاصات التراجعية ذهنية "إدارة الهزيمة". أما في عصر المقاومات الإسلامية في لبنان وفلسطين، فنحن هنا مع الصمود والنديّة والإمساك بزمام المبادرة أمام مسألة "إدارة الانتصار"! 

لطالما تساءل كثيرون: لماذا لم يتكلّل النضال الوطني الفلسطيني الطويل ـ رغم ملحميته وحجم المعاناة والتضحيات ـ بنتائج إيجابية تليق به؟

من بين عناصر الإجابة الأهم يبرز دور الآداء القيادي القاصر عن استجماع عناصر القوة، والمصاب بعلل القصور الذاتي المتعلقة بالاعتبارات الشخصية ذات الأهواء والرغبات، أو تلك المتعلقة بالجهل وسوء التقدير وفقدات البوصلة والاتجاه الصحيح. وإن أحوج ما يحتاجه الوضع الفلسطيني عموما، ثم هذا الوضع بعد انتصار غزة خصوصا، هو آداء قيادي يليق بهذه التضحيات والبطولات والإبداعات، وذلك بالعمل على ارتقاء الآداء والاجتهاد السياسي إلى مستوى الآداء الجهادي والنضالي على الأرض وفي الميدان.

إن الحصاد السياسي هو وجه العملة الثاني للزرع النضالي، كما اعتاد كثير من السياسيين الفلسطينيين تسجيله في محطة سابقة، ولأن البذور التي تم زرعها سابقا، لم تكن بذورا لثمار نافعة، فمن يزرع الشوك لا يجني العنب! وكان هذا الشوك متعلّقا بالاجتهادات البائسة التي عبثت بأهداف النضال الفلسطيني وحرفته عن وجهته الأساسية.

 

وهنا نعتقد أن المهمات السياسية الرئيسية التي ينبغي للقيادة السياسية الفلسطينية الثورية الجديدة أن تعمل على إنجازها تتمثّل في الآتي:

1 ـ تنظيف الطاولة بسحب جميع التنازلات السابقة التي قدمت باسم الشعب الفلسطيني من قبل منظمة التحرير، التي غدت فاقدة الفاعلية والصلاحية بمجرد توقيعها على اتفاق أوسلو. وكان أهم تلك التنازلات الكبرى: الاعتراف بحق الصهاينة في إقامة دولتهم على أرضنا، ثم الدخول معهم في مفاوضات عبثية تم فيها إراقة ماء الوجه، وتقديم سلسلة من التنازلات الكبرى، ومنها الموافقة على إقامة (دولة 67) التعاقدية التي بمقتضى قيامها سيتم إنهاء المطالب التاريخية، وفي التفاوض العرقوبي حول هذه الدولة قدمت التنازلات الخطيرة تباعا، وذلك قبل أن يتحقق شيء أصلا، فبالنسبة للقدس تمت الموافقة على منح الاحتلال كل الأحياء والعقارات التي شيّدها أو وضع يده عليها. والأماكن المقدسة جعلت لإدارة دولية.

أما عن اللاجئين فقد وقعت وثائق تنازلت عن حقهم في العودة (كوثيقة أبو مازن ـ بيلين، أو وثيقة جنيف) أما بالنسبة للاستيطان فقد وافق المفاوضون الفلسطينيون على مبدأ "تبادل الأراضي" الذي يعني الموافقة على كل السياسات الاستيطانية الاحتلالية بضم المستوطنات لكيان العدو. وهناك تنازلات سجلها ووثّقها كتاب وباحثون وشهود ومراقبون كثيرون. 

 

إن فعل المقاومة للشعوب التي تخضع للاستعمار، تصبح "قيمة" عليا، بدونها يصبح الشعب خانعا ومستسلما وخاضعا. إن الوظيفة الأهم لقيادة المرحلة هو اعتناقها الكامل للمقاومة، كقيمة عليا لشعب محتل، خاصة وأن المواجهة الأخيرة قدّمت البرهان الساطع والدليل الناطق على القيمة والجدوى والتأثير أو الجدارة التي يمكن للمقومة أن تؤديها،

 



2 ـ أوَّلية وأولوية المقاومة (المسلحة خصوصا): لقد أثبتت تجارب حروب غزة الأربعة، وبالنموذج المقاوم الجدي المتصاعد والمتطور، الذي كشفت عنه، بما لا يدع مجالا للشك حول جدارة وجدوى وأهمية وحيوية المقاومة المسلحة وقدرتها؛ ليس فقط في رد الاعتبار النفسي والمعنوي المكتوي بنار تاريخٍ من الهزائم العربية والفلسطينية (الرسمية)، وإنما في عملية نزع الحقوق واستعادتها، ووقف العدو عند حدّه وإلزامه، وطالما أثير نقاش في الساحة الفلسطينية حول مسألة المقاومة من منطلقات التكيف السياسي، فرفعت في مرحلة إلى درجة التقديس والتأليه وعبادة السلاح، ثمّ في مرحلة لاحقة قام هؤلاء الذين قدّسوها وعبدوها إلى نبذها واعتبارها "عنترة فارغة"، وعائقا أمام تحقيق ما يسمونه "المشروع الوطني" يقصدون به إقامة "دولة 67". ثم صاحب ذلك نقاش فكري وبرنامجي حول ماهية المقاومة وتعريفها، هل هي مجرد "وسيلة" أم هي" هدف وغاية" بحد ذاتها. 

وفي الحقيقة، إن فعل المقاومة للشعوب التي تخضع للاستعمار، تصبح "قيمة" عليا، بدونها يصبح الشعب خانعا ومستسلما وخاضعا. إن الوظيفة الأهم لقيادة المرحلة هو اعتناقها الكامل للمقاومة، كقيمة عليا لشعب محتل، خاصة وأن المواجهة الأخيرة قدّمت البرهان الساطع والدليل الناطق على القيمة والجدوى والتأثير أو الجدارة التي يمكن للمقومة أن تؤديها، خصوصا إذا ما تمت مقارنتها بنهج التفاوض العبثي الاستسلامي الخالي من أي فعل إرادي.

3 ـ وحدة الشعب تقتضي وحدة القيادة: كان من أكثر عناصر المواجهة الأخيرة بروزا ومغزى، وحدة حال النضال لجميع فلسطينيي فلسطين المحتلة من البحر إلى النهر، ويعود الفضل في ذلك، وبلا مواربة، إلى الشحنة الوطنية الهائلة التي أشعلها الأداء المقاوم غير المسبوق الذي مارسته "حماس" وفصائل المقاومة، حيث ألهب الشعور الوطني ثم القومي الإسلامي.. 

إن هذه التعبيرات الوطنية الإسلامية الجديدة تحتاج في واقع الأمر إلى قيادة سياسية جامعة، تكافئها وترتقي بالمناخ العام إلى مصاف الفعل المقاوم الجليل. وهذا يتطلب تقدم هذه القيادة للصفوف التي تفرزها الحالة الجهادية المقاوماتية، والتحرر من ربقة القيادات الرسمية التي لا تمت بصلة لا إلى المقاومة، ولا إلى آمال وطموحات ومعاناة شعبنا.

4 ـ إسقاط قيادة "أبو مازن"، ومعه السلطة التي يقودها، أو إعادة تشكيل وظيفتها، ونعتقد أن هذه ستكون أهم نتيجة "داخلية" للمواجهة الأخيرة. فهذه القيادة أنهت دورها التاريخي منذ مدة طويلة، وبلغت درجات من الضعف والوهن وقلة الحيلة والانفصال الكبير عن الواقع، واقع الشعب والقضية، التي أنكرت المقاومة وحاربتها ولاحقتها ونزعت الشرعية عنها واشمأزت منها وقذفتها بأبشع الألفاظ والتهم. وقيادة كهذه، لا ينبغي أن تتصدى لنتائج مقاومة باهرة كالتي أسفرت عنها المواجهة الأخيرة.. 

 

على الدبلوماسية الفلسطينية المقاومة أن تعيد التذكير والبرهنة والمحاججة، على أن هذه "إسرائيل"، ليست كما أراد الغرب المستكبر الظالم أن يفهمنا بانها تساوي الحقيقة السياسية المطلقة. وقد ظهرت على حقيقتها السافرة ـ وبلا بلاغة زائدة ـ كـ"بيت العنكبوت".

 



لقد كان أبو مازن في أحسن الأحوال؛ سياسي فلسطيني، له وجهة نظر في قضية فلسطين وفي طريقة حلها، وهي وجهة نظر كانت مجنّحة، ولا يصلح صاحبها ليجلس على مقود القيادة، أما وقد حدث ما حدث، وجرّب تطبيق وجهة نظره خلال الثلاثين عاما الماضية، منذ مهر بتوقيعه اتفاقية أوسلو سيئة الذكر، فعلى الجميع أن يواجهه بالحقيقة، حتى يتمكن من مواجهة نفسه بها، علّه يجري تقيما ومحاكاة للمسار البائس الذي توهم أنه سيثمر (دولة 67). 

وقد وصلنا وضعا لا مجال فيه لنسأله: كم تحتاج من السنين الإضافية لتختبر نظرياتك في "الاستسلام النموذجي" التي تظنّها تأتي بنتائج؟! فلقد أخذ هو وحركته (فتح) ما يكفي من الوقت والتجريب، ولا مجال ولا متسع للسير سنتيمترا واحدا في طريق الوهم الذي سار عليه. لقد كان شعبنا مؤدبا زيادة عن اللزوم معه ومع سلفه ومع حركة فتح، عندما تسامح معهم وهم يرتكبون المحرمات الوطنية!! وآن الأوان لوضع حد لهذا المسار الكارثي، ونرجو أن يكون بالتي هي أحسن، فإزالة عقبة "أبو مازن" وسلطته الوكيلة وتخليص القضية من هذه البقعة السوداء، هي من أولى أولويات القيادة الجديدة. 

5 ـ "إسرائيل ليست حقيقة سياسية مطلقة". يقول أنطونيو روبي، مسؤول العلاقات الخارجية في الحزب الشيوعي الإيطالي، في كتابه "مع عرفات في فلسطين"، الذي قام حزبه مع غيره من أحزاب اليسار الأوروبي بفتح الصلة والقنوات السريّة بين مسؤولي فتح ومنظمة التحرير وقيادات الأحزاب الصهيونية الحاكمة منذ سبعينات القرن العشرين.. يقول إن حزبه كان يبتدئ الحديث مع محاوريه الفلسطينيين من مسلّمة وجود إسرائيل غير القابلة للنقاش، وبعد هذه المسلّمة كان ينفتح الحديث على مواضيع التسوية والحلول السلمية والاتصالات وغير ذلك.

اليوم، يؤدي نضالنا المجيد، إلى انكشاف وجه "إسرائيل" القبيح، وانتشار منظمة BDS، وأذرعها في العالم، وما تفعله هي وغيرها من مهمة نزع الشرعية عن كيان العدو، ويقف على رأس نازعي شرعيتهم كبار رجال الدين والأكاديميا والسياسة في العالم الغربي، ومنهم من اليهود أساسا، خاصةً في أمريكا، كحال اليهودي التقدمي بيرني ساندرز ورفاقه في هذا المجال.

نعم، على الدبلوماسية الفلسطينية المقاومة أن تعيد التذكير والبرهنة والمحاججة، على أن هذه "إسرائيل"، ليست كما أراد الغرب المستكبر الظالم أن يفهمنا بانها تساوي الحقيقة السياسية المطلقة. وقد ظهرت على حقيقتها السافرة ـ وبلا بلاغة زائدة ـ كـ"بيت العنكبوت". وعلينا في هذا المناخ العالمي التحوّلي أن نكرّس حجمنا ودعايتنا وخطنا السياسي، ونسقط الأوهام والأساطير التي اعتنقتها مع الأسف القيادة الفلسطينية الرسمية واهتدت بهداها.