أفكَار

رئيس جامعة الزيتونة: التطبيع تكريس للتمييز العنصري وللكراهية

عبد اللطيف البوعزيزي: التطبيع بالمفهوم المسوّق له اليوم هو مساهمة في إبادة الشعب الفلسطيني

 حفل تاريخ الجامعة الزيتونيّة وطلبتها بمحطّات تاريخيّة نضاليّة تجاه القضيّة الفلسطينيّة منذ الانتداب البريطاني لفلسطين، وفق ما ورد في ورقة بحثية بعنوان "جامع الزيتونة والقضيّة الفلسطينية" للجامعي د. منير رويس. فقد تم تأسيس "اللجنة العربيّة لهيئة المدرّسين" بجامعة الزيتونة على يد الشيخ الشاذلي بالقاضي، بتاريخ 2 كانون الأول (ديسمبر) 1947، ومهمّتها الدّفاع عن فلسطين وقامت بإصدار لوائح وإضرابات واعتصامات عامّة فضلا عن توعية الّناس بمخاطر الصّهيونيّة في الخطب الجمعيّة. وفي الخامس من نفس الشهر والسنة المذكورين، التأم اجتماع كبير بجامع الزيتونة حضره حوالي ستّة آلاف شخص ترأّسه الشيخ محمد الفاضل بن عاشور وعدد كبير من شيوخ الزيتونة وطلبتها، تناولوا فيه مخاطر الصّهيونيّة.

خلال الاعتداءات الصهيونية الأخيرة التي طالت المسجد الأقصى ومتساكني حي الشيخ جرّاح بالبلدة القديمة بمدينة القدس وما أعقبها من عدوان همجي على مدينة غزّة، لم تتأخّر جامعة الزيتونة وكادرها التدريسي عن التعبير عن تضامنها التام مع الفلسطينيين وإدانتها للعدوان على المقدّسات. فقد نظّمت جامعة الزيتونة التونسية يوما تضامنّيا حضره السفير الفلسطيني بتونس. 

وبهذه المناسبة تنفرد "عربي21" بإجراء هذا الحوار الحصري مع رئيس جامعة الزيتونة أ.د عبد اللطيف البوعزيزي عن أدوار الجامعة الزيتونية التاريخية والحضارية في إسناد القضيّة الفلسطينية وفي تنمية الوعي بخطورة الصهيونية وبفشل مسارات التطبيع مع الكيان الغاصب للأرض والعرض. كما تطرّق الحوار إلى جهود جامعة الزيتونة في تعرية الظاهرة الإرهابية التي تلبّست بالظاهرة الدينية وطقوسها.

والأستاذ الدكتور عبد اللطيف البوعزيزي، رئيس جامعة الزيتونة المنتخب منذ تشرين الثاني (نوفمبر) 2020، هو المدير السابق للمعهد العالي للحضارة الإسلامية بتونس وفي رصيده عشرات الكتب والبحوث لا سيّما في علوم الحديث والسيرة وعرف بمناصرته الثابتة للحق الفلسطيني.


س ـ الدكتور عبد اللطيف بوعزيزي من أعلام الجامعة التونسية ومفكر تونسي يتولى اليوم خطة رئيس أعرق جامعة في العالم العربي الإسلامي هي جامعة الزيتونة... ماذا يعني التَّطبيع من زاوية نظرك الفكرية؟


 ـ إذا كان التطبيع اصطلاحا سياسيا يُفيد معنى إعادة بناء العلاقات بين دولتين وأكثر على أساس أن تصبح علاقات طبيعية تمّ فيها تجاوز الخلافات والنزاعات وحالة القطيعة السابقة، فإنه في واقع القضية الفلسطينية يعني تزييف الحقيقة ومجانبة الحقّ، فهو محاولة للإيهام بأنّ ما ليس طبيعيا أصبح طبيعيا، وهذا منطق لا يستقيم، ولن تخترق روح التطبيع من امتلأت نفوسهم بالإيمان بالحقّ الذين لا يرضون بالعار وثقافة الانهزامية. فلا يعقل أن ندّعي أن ما جُبل على التَّضاد صار محلّا للتَّماهي والانسجام.

فأنّى لأصحاب الضمائر الحية في العالم قبول مشاهدة كيان غاشم يُبيد شعبا مسالما فيهدم منازلهم ويجرف أراضيهم ويجليهم من أحيائهم؟ ألا يخالف ذلك كل اتفاقيات ومواثيق حقوق الإنسان على مرأى ومسمع من العالم المتقدم الذي يتبنى تلك القيم وينتصر لها ويعاقب أنظمة بل ويُسقط أخرى انتصارا لها، أي لحقوق الإنسان في شموليتها وكونيتها؟

إن التطبيع بالمفهوم المسوّق له اليوم هو مساهمة في إبادة الشعب الفلسطيني وتكريس للتمييز العنصري ونشر للكراهية الدينية، فهو نصرة وشدّ ودعم لمن تلطخت أياديهم بالدم الفلسطيني.

لذلك نحن نؤمن أن رفض التطبيع هو أداة للتشهير بالجرائم والاعتداءات الصهيونية على إخواننا في فلسطين، وهو طريق لتحقيق السلام العادل والشامل في المنطقة تكون فيها فلسطين مستقلة وشعبها حر وعاصمته القدس الشريف.
  
س ـ هل تؤدّي المقاومة دورها في إعادة بناء الوعي؟

 
 ـ المقاومة هي استعصاء على الاستسلام.. هي مُمانعة واعية.. هي التي تحفظ للوعي الجمعي ثوابته ومقدّساته وتضخّ الدّماء المتدفّقة في قضيّته وتجعله يأبى النّسيان، فهي تبني الفكرة الهادفة لتحرير الوعي من مكبّلات الخنوع والمهانة وتحرير الأرض من براثن الصّهاينة. فالمقاومة فكرة وآلية وقدر في آن واحد.. إنها في تقديري درجة وعي متقدّمة.. 

س ـ أي دور للزيتونة في مواجهة دعوات التطبيع؟ وما مدى إسهامها في ثقافة الممانعة الحضارية في برامجها وندواتها؟


 ـ لا يخفى عليكم أنّ الزّيتونة مؤسّسة أكاديمية، لكن لها أيضا رسالة حضارية تتوارثها وهي الحفاظ على الهوية العربية الإسلامية والدفاع عن مقدساتنا الشريفة وحرماتها وفي مقدمتها مسرى رسولنا الأكرم صلى الله عليه وسلم أرض القدس والمسجد الأقصى، فهي تعيش قضايا عصرها ولا تنفصل عن محيطها وتتفاعل مع قضاياه المحلية والإقليمية والدولية من خلال موقعها العلمي ورمزيتها الاعتبارية في العالم الإسلامي برمّته، ومن ثمّ كانت ندواتها العلمية وأنشطتها الفكرية مغذّية لروح الممانعة الحضارية ورافضة للاستهانة بالثوابت الإسلامية ومحذّرة من مغبّة تدنيس المقدّسات والتفريط في مقومات الكرامة والرّضا بالمهانة التي من أبشع أشكالها التَّطبيع علنا أو الهرولة إليه خلف الكواليس. ولعلّ سرعة تعاطي المؤسّسة ـ بنخبها الأكاديمية وكتلتها الطلابية ـ مع الأحداث الأخيرة كشفت للمتابعين أنّ الزّيتونة كيان ينبض إسلاما وعروبة ونصرة لقضايا العدل.

س ـ هل من أدوار تتجاوز الوقفات والمسيرات الجزئية والتظاهرات الطلابية إلى ما هو أعمق وأليق بعراقة جامعة الزيتونة؟


 ـ كل التظاهرات والتعبيرات والمواقف المناصرة للحق الفلسطيني تُعد تحرّكات مهمّة على درب المقاومة والتصدي للظلم الإسرائيلي ولمن يتواطأ معه ويغطي عليه من القوى العظمى في العالم. وينضاف إلى ذلك تعميق الوعي بالقضية الفلسطينية عن طريق البحث العلمي من خلال إنجاز رسائل ماجستير وأطاريح دكتوراه في الغرض برحاب معاهد جامعة الزيتونة. 

فنحن جامعة للتعليم العالي ولا شك في أن خريجيها ممن تبوؤوا المناصب الرفيعة في الدولة وفي المنظمات الوطنية والدولية وحتى في الحياة السياسية والحزبية قد كانت لهم مواقف تعبر عن مبدئية الزيتونة في نصرة الحق الفلسطيني المسلوب. 

س ـ يرى البعض أن جامعة الزيتونة وكادرها التعليمي ظلّ حبيس الإطار المدرسي الضيق وأن الثورة لم تغيّر كثيرا فيما رسم للزيتونة منذ سنة 1958، فلماذا لا يتم استثمار القضية الفلسطينية في اتجاه فك هذه العزلة المضروبة؟


 ـ قبل الثورة وبعدها يظل الفكر الزيتوني حرا ومبدعا ومُجدّدا ومتفاعلا مع عصره ومتأصّلا في هويته الدينية العربية الإسلامية، وكل ما تغيّر بعد الثورة هو أنّه انكسر الطوق الذي كان يمنع الالتحاق بالزيتونة فارتفع عدد الأساتذة وعدد الطلبة بالشكل الذي يليق بعراقة جامعة الزيتونة وإشعاعها وأتبع ذلك تنوع في الشُعب والاختصاصات العلمية ومواد التدريس... وأقبل على الزيتونة طلبة من مختلف القارات وبأعداد معتبرة.

أمّا بشأن القضية الفلسطينية فإنّها تظل دائمة الحضور في مواد التاريخ وجغرافية العالم الإسلامي والرحلات والحركات العلمية وفي علوم الحديث والسيرة وفي تفسير القرآن... 

وعلاقة الزيتونة وثيقة بفلسطين فلها سفراء في جامعتنا وهم سفراء الزيتونة في القدس وبقية المدن الفلسطينية بعد تخرجهم وتوظفهم في القضاء والإفتاء والمؤسسات المسجدية والتعليم...
 
س ـ لماذا لا تدرّس القضيّة الفلسطيّنية كجزء من الرابطة الوطنية والهوية الإسلامية في معهد الحضارة طالما أنكم تدرسون الاستشراق والاستغراب والقومية وغيرها من المباحث؟ ولماذا لا يتم استثمار تنوع الجاليات الطلابية المنحدرة من مختلف جهات العالم في تكوين رأي عام جامعي معاد للصهيونية وداعم للقضية الفلسطينية؟


 ـ لقد ناصرت الزيتونة القضية الفلسطينية منذ وعد بلفور وحتى قبله، ومواقفها المشرفة مكتوبة بأسطر من ذهب في سجل التاريخ وفي ذاكرة النضال من أجل استقلال فلسطين من براثن الانتداب البريطاني وإحباط مشاريع الصهاينة وكف شرورهم عن الشعب الفلسطيني الأعزل.

فقد كان الشيخ عبد العزيز الثعالبي وراء انعقاد المؤتمر الإسلامي الأول بالقدس الشريف الذي انعقد ليلة الإسراء والمعراج في 27 رجب 1350هـ الموافق لـ7 ديسمبر 1931م ببيت المقدس للدفاع عن إسلاميته وعروبته مع تزايد التهديدات الصهيونية لفلسطين والقدس يومها. وقد وقف الزيتونيون في وجه الصهيونية العالمية منذ بدايات تجسيد مخططاتها على أرض فلسطين، منذ إعلان مخطط أرض الميعاد، ومنذ تحويل البراق إلى مبكى لليهود.

وفي يوم 1 كانون الثاني (يناير) 1931 تظاهر قرابة 400 طالب وشيخ زيتوني ضد عرض الشريط السينمائي الصهيوني "أرض الميعاد" بقاعة الكوليزي مما اضطر السلطات الاستعمارية الفرنسية إلى إلغاء العرض. وفي 31 كانون الأول (ديسمبر) 1937م احتجّ الزيتونيون بشدة ضد دخول باخرة يهودية اسمها "سارة 1" إلى ميناء حلق الوادي، وعلى متنها طلبة وضباط يهود. وفي عام 1945م كتبوا لائحة احتجاج على ممارسات الصهاينة ضد الفلسطينيين، وعلى تدنيسهم للمقدسات الإسلامية. وفي 29 نوفمبر 1947 دخل جامع الزيتونة وفروعه في إضراب عام بعد قرار تقسيم فلسطين الصادر عن "الجمعية العامة للأمم المتحدة".

وفي رحاب الزيتونة تأسست "لجنة الدفاع عن فلسطين" و"فرع المؤتمر الإسلامي بتونس لحماية القدس الشريف" و"لجنة إسعاف فلسطين الشهيدة"، ثم تطوع طلبة من الزيتونة مع شرائح مجتمعيّة أخرى للدفاع عن الأقصى.

فالزيتونيون محبّون بالفطرة لفلسطين ومجندون لخدمة قضيتها العادلة.

وملخص القول إنّ القضية الفلسطينية تجري في عروق الزيتونيين مجرى الدم، ولذلك فإنّ موقفها مبدئي يتجنّد له الجميع من تلقاء أنفسهم في مجمل الأحوال وبتنسيق مشترك كلما اقتضت الضرورات والظروف ذلك.   

س ـ قبل أيّام قليلة أثار بعض الجامعيين خطر تزايد أعداد المساجد في تونس، واعتبروا ذلك مدخلا للعنف ودعوا إلى مواجهته ببناء المسارح والمدارس، ما هو موقفك من مثل هذا الطرح؟


 ـ المساجد هي مؤثّر نفسي وسلوكي لا يمكن تجاهله في بناء شخصية المسلم. فإذا تبوأت المساجد مقامها وأدّت دورها بإجادة وريادة صلحت ممارسات النّاس وانتظمت أحوالهم وعمَّ الخير وشاعت الرّحمة، مما يُعلي شأن الدّين ويحقّق عزّة الوطن.

ولا ينكر عاقل أنّ المساجد والجوامع كانت دائما مراكز للثقافة العربية والإسلامية الحية، والحمد لله أنّه منذ أيام الإمام سحنون تمّت حماية مساجدنا من أن يجلس فيها للتربية والوعظ والتدريس من يحمل فكرا غاليا أو متطرفا، وذلك نهج يرعى سنده الزيتونيون منذ زمن بعيد.

ولا علاقة لديننا الإسلامي الحنيف بالإرهاب بل هو دين سلام وتقدم وتعايش سلمي مشترك وما من داع لأن أستدل على مثل هذا القول باستدعاء الكم الهائل من الآيات القرآنية ومن الأحاديث الداعمة له.

ولا يوجد في الواقع أي رابط بين بناء المساجد وبناء المسارح والمدارس في عصرنا الراهن... المساجد يبنيها أهل المبرات تحت إشراف الدولة وبترخيص منها استجابة لطلبات المتعبّدين في كل منطقة، أمّا بناء المسارح والمدارس فهو أمر موكول للدولة وللمستثمرين الخواص في جانب آخر.

وجامعة الزيتونة تساهم في إحياء المساجد واستعادة مكانتها والمحافظة عليها من خلال المعهد العالي للعلوم الإسلامية بالقيروان حيث لا نبخل عليه بما يستلزم، لأنّ نظاما تكوينيا راقيا لطلبته سيُعدُّ أئمة خطباء على درجة عالية من الإجادة والإتقان والإلمام، والمقدرة على حسن توجيه رواد بيوت الله نحو الفهم الصحيح لأمور دينهم، وتقويم دنياهم، وسينعكس ذلك آليا على المجتمع صلاحا وفلاحا في كلّ مناحي الحياة. إذ مهما جُرّد المسجد من وظائفه فإنه يظلّ محتفظا على الدوام بسلطة الخطاب الدّيني. لذلك علينا أن نقدّم خطابا جذّابا يرتقي بروّاد المساجد وقادرا على الاحتكاك بمشاغل النّاس والارتباط بواقعهم، بحيث تكون المساجد دائما متواكبة مع الجديد، وقادرة على الوفاء بما ينتظره المجتمع منها. 

وتبقى للمسارح دورها التثقيفي البارز والمُؤثر في المجتمع تربية وتوجيها وإصلاحا طالما كانت مضامينها هادفة راقية حاملة لرسالة نبيلة هي السمو بالذوق وتهذيبه والارتفاع بالوعي وتوجيهه.

ولعل الموقف من المساجد المشار إليه في السؤال مردّه جهل أصحابه بالدور الحقيقي للمسجد، ووظيفته التربوية ودوره الحضاري علاوة على كونه مكانا للعبادة، والتاريخ خير شاهد على ذلك.

س ـ كيف السبيل لرفع الالتباس المسوق في عمليّة الرّبط بين الطقوس الدينية والظاهرة الدينية بصفة عامة وبين الإرهاب المعولم؟


 ـ أريد في البدء التأكيد على أنّ العنف الفردي والمجتمعي هو ظاهرة عالمية مرتبطة بالبشرية منذ القديم وقد يمتد العنف إلى مجال التدين، فيُرتكب باسم الدين وإن كان الدين مبرأ منه. من هنا برز الحديث عن العنف المقدس أو المقدس العنيف. ولا ريب في أنّ الفصل بين الدين والتدين كان طرحا وجيها باعتبار أنّ تطبيق الدين يختلف باختلاف الأفراد والمجتمعات والفئات على صعيد الإيمان والفهم والممارسة. 

إنّ السلوكيات الدينية للأفراد تبقى رهينة فهمهم لنصوصهم الدينية وتوظيفها في واقعهم اليومي، من هنا كان لا بد من تثمين الوظائف الاجتماعية التي يؤديها الدين للمجتمع والأفراد ولو في عصر الثورات التكنولوجية.

غير أنّه في ظل نظام العولمة تتحرّك أحيانا بعض الدوائر السياسية واللوبيات النافذة في العالم من أجل تشويه بعض الديانات ذات القدرة على التمدد الجغرافي الواسع والسريع من قبيل الإسلام، وبهذا يتمّ ربط الإسلام مثلا بالإرهاب من خلال عمليات غسل الأدمغة وتكوين تنظيمات لا تمت أطروحاتها للإسلام الحقيقي بأي صلة. وتعمل الزيتونة منذ القديم وإلى اليوم والغد على مقاومة الفكر المتطرف والفهم المتعصب للدين عبر فهمها المقاصدي للإسلام وعن طريق تفسيرها الوسطي للقرآن والسنّة في ضوء ارتباطها بعالم المدينة المنورة وفهمه القويم الموروث عن كبار الصحابة رضوان الله عليهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
     
س ـ ما هي طبيعة العلاقة بين الهوية والتقدم؟


 ـ الهوية هي بطاقة تَجْمِيعِيَة لخاصيات كلّ أمّة تتميّز بها عمّن سواها، ولا شأن لها بإعاقة سيرورة التَّقدم كما يزعم البعض، فالهوية تنحت الشَّخصية على المستوى الدَّاخلي، ولعلّ الدّين واللّغة من مقوّماتها الأساسية، ومن ثم لم تعرف البشرية دينا يحضُّ على النُّهوض والرُّقي والسَّعي للمعالي والدَّعوة للتقدُّم مثل الإسلام. أمّا اللّغة فلا يوجد مثال قديم ولا بعيد على دول تقدمت ولا على أمم تميّزت بتخليها عن لغتها. وإنّما عقدة احتقار الذّات هي التي أفرزت المفاضلة بين الهوية والتقدّم كخيارين متباينين يقتضي التمسّك بأحدهما إهدار الآخر. فأي شكل من أشكال التّنكر للهوية الثّقافية يعني السّير بخطى حثيثة نحو طمس الذّات.

فالشعب الذي لا يكون مترسّخا في هويته الوطنية ينتهي إلى التلاشي والذوبان في الأمم القوية التي يتأثر بها، فالهوية الوطنية ليس لها من معنى مطابق على صعيد الواقع إلا الحرية والاستقلالية. 

ومن أهم أدوار جامعة الزيتونة نشر وغرس القيم الوطنية وحفظ خصائص هويتنا الحضارية ومبادئ ديننا الحنيف في سبيل مواجهة مخاطر العولمة والقيم الأجنبية السلبية، مع رفضنا للانغلاق وترك الاستفادة من فوائد التقدم والمشاركة في صنعه.