تقارير

حروب شكلت ثقافة الغزيين ومدينتهم دمرها الغزاة عدة مرات

تاريخ الحروب على غزة بوابة بلاد الشام وحاميتها على مدار التاريخ..

قد يستغرب المرء للمزاج الحاد لسكان قطاع غزة وسرعة انفعالهم وتعاملهم مع الأمور بشكل يختلف عن الآخرين، إلا أن من يقرأ تاريخ هذه البقعة من الأرض والذي يعود إلى ما قبل 6 آلاف عام فإنه يدرك أن ذلك نتاج طبيعي لما تعرضوا له على مدار هذه السنوات والحقب التي مرت عليها.

ويخطئ من يظن أن الحرب التي تتعرض لها غزة منذ العاشر من أيار/ مايو الجاري هي الأولى من نوعها أو ستكون الأخيرة، فقد تعرضت قبل ذلك لعشرات الحروب ودمرت عدة مرات، فهذا قدرها كونها بوابة بلاد الشام وحاميتها على مدار التاريخ.

وأخذت هذه المدينة نصيبا من اسمها (غزة) فهي مدينة تاريخية قديمة من قواعد فلسطين الشهيرة، وتعد من أقدم المدن التي عرفها التاريخ، فقد صمدت لنوائب الزمان حتى إنه لم يبق فاتح من الفاتحين أو غازٍ من الغزاة إلا وكان له معها قصة إما أن يكون قد صرعها أو قد صرعته على طول المدى.

وقد عصيت غزة على "أبي زيد الهلالي" أحد أمراء بني هلال بن عامر وقائد الجيوش العربية في غزوة هجرة بني هلال بالقرن الخامس الهجري، فلم يستطع أن يحتلها واندحر عنها، وقال قولته المشهورة "غزة غزاها البين" وهي المقولة التي يرددها أهل غزة حتى يومنا هذا وهم على قناعة بأن أي غاز لا يمكنه أن يحتل مدينتهم.

وبحسب الدكتور غسان الشامي أستاذ التاريخ فإن غزة تقع على خط طول 34 درجة وخط عرض 31 درجة وهي عبارة عن شريط ساحلي صغير، مساحتها 365 كيلومترا مربعا، وقد بنيت على تلة ترتفع 45 متراً عن مستوى سطح البحر، وكان يحيط بها سور عظيم له عدة أبواب من جهاته الأربع، وتضم حاليا أعلى كثافة سكانية في العالم ويبلغ عدد سكانها 2.2 مليون نسمة.

 

 


وأوضح الشامي في حديثه لـ "عربي21" أن غزة كانت عبر التاريخ نقطة مواصلات ومحطة قوافل وبالتالي مركزاً تجارياً عالمياً، وتعتبر بوابة آسيا ومدخل أفريقيا بحكم الموقع الجغرافي بين مصر وبلاد الشام، وبين آسيا وإفريقيا.

وقال: "الموقع الجغرافي والاستراتيجي لغزة جعلها المحطة الأولى لقاطعي صحراء سيناء والذي كان يسمى قديما (طريق حورس) لاسيما للقادم من مصر والمغادر لها، لذا فقد كانت هدفا استراتيجيا للجيوش طوال مدة الصراعات الحضارية القديمة".

وأضاف: "في الفترة المسيحية المبكرة اشتهرت غزة بكثرة شهدائها الذين خاضوا صراعا مريرا مع الوثنية في المدينة، وقد ارتبط اسم المدينة باسم القديس هيلاريون الغزاوي الذي كان أول من أدخل نظام الرهبنة إلى فلسطين وبلاد الشام، حيث ينسب له تأسيس أقدم دير في فلسطين".

وأكد الشامي على أن غزة الخط الأمامي للدفاع عن فلسطين، بل وبلاد الشام حيث كان لموقعها المتقدم دور عظيم في الدفاع عن العمق المصري في شمالها الشرقي، وجعلها ميدان القتال لمعظم الإمبراطوريات في العالم القديم والحديث، وهي: الفرعونية، والآشورية، والفارسية، واليونانية، والرومانية ثم الصليبية، وفي الحرب العالمية الأولى وحتى بعد احتلالها من قبل البريطانيين والإسرائيليين.

وقال: "كان لغزة شأن عظيم مع كل من دخلها عبر التاريخ لا سميا المصريين القدماء والفراعنة، حيث عبرها الكثير من ملوك مصر الفراعنة، إما لفتحها أو للانطلاق منها لفتح بلاد الشام، واتخذها تحتمس قاعدة لهجومه".

وأضاف: "كانت غزة الموقع المتقدم للدفاع عن العمق المصري في شمالها الشرقي؛ ففي أيام الحرب جعلها المصريون قاعدة للجيش المصري، وفي أوقات السلم جعلوا منها المقر الرئيسي لممثل فرعون في بلاد الشام".

وشدد على أن غزة هي المفتاح الوحيد لجنوب فلسطين وشرق مصر لذلك فقد توالت عليها الغارات من الشمال والجنوب على حد سواء.

وقال الشامي: "العناصر الحياتية لغزة وعبقرية مكانها، هي التي أمدتها بأسباب البقاء والخلود فالموقع هيأ لها الأمن والأمان، وما يزال استراتيجيًا كبوابة بين قارتين وواحة صحراء وقاعدة عسكرية وسوق تجارية بين إقليمين متباينين، وهي الخط الساخن بين إمبراطورتين، وقد شكلت العمق الاستراتيجي للدفاع عن أهم شريان عالمي وهو قناة السويس".

وشدد على أن لموقع غزة الجيوسياسي أهمية كبرى لدى الفاتحين والغزاة على مدار التاريخ، وتعرضت لظروف استثنائية قاسية بسبب موقعها الذي منحها أهمية جغرافية وسياسية وجيبوليتكية، ما أدى إلى تعرضها لأن تكون ساحة حرب في كل زمان ومكان.

ومن جهتها أكدت نريمان خلة الباحثة والمختصة في تاريخ فلسطين على أن غزة لعبت دورا كبيرا أثناء الحرب العالمية الأولى وإرهاصاتها السابقة (1914- 1917) حيث كانت من خلال موقعها الاستراتيجي والجيوسياسي محور الارتكاز في التصدي للجيش البريطاني من قبل الجيش التركي المرابط في المدينة.

 

 


وقالت خلة لـ "عربي21": "إن احتلال مدينة غزة كان من أهم الأسباب التي أدت لاحتلال باقي المدن الفلسطينية حتى القدس"، مشيرة إلى دورها المركزي في التصدي وإعاقة تقدم القوات البريطانية المرابطة في الجهة الجنوبية حتى القنال (قناة السويس) مدة ثلاث سنوات (1914- 1917م)، وذلك بسبب الدفاع والاستبسال من قبل الجيش العثماني المنتشر عبر أرجاء المدينة شرقًا وغربًا وشمالًا وجنوبًا حتى حدود القنال.

وأضافت: "لقد سقطت باقي المدن الفلسطينية فور سقوط غزة مباشرة، حيث لم يواجه الجيش البريطاني أية مقاومة فيها حتى وصل إلى مدينة القدس دون أي رد أو مقاومة بل إنه وجد ترحيبًا".

وأكدت على أن غزة تعرضت لدمار كبير بسبب المعارك التي دارت فيها وحولها، وقد تهدم منها ما يزيد على ثلثها، ومن ثم هجرها أهلها منها.

وقالت خلة: "تحملت غزة كل نتائج الحرب بسبب صمودها في وجه الإنجليز الأمر الذي لم يحدث في أي مدينة أخرى من المدن والقرى التي تحيط بغزة أو الممتدة حتى القدس".

وشددت على أن غزة ومنذ بداية القرن الماضي وهي في حروب مستمرة لا سيما بعد وعد بلفور عام 1917م، والتي كانت قد خرجت من الحرب العالمية الثانية بعد أن دمرت بالكامل وقصفت كل أحيائها ومنازلها قبل الاحتلال البريطاني.

وقالت: "كانت غزة خلال الفترة (1914- 1917م) ساحة لعدة معارك بين الجيش التركي والجيش البريطاني والحلفاء، وبعد المعارك والمواجهات الطاحنة بين الطرفين كانت النتيجة هزيمة للجيش العثماني ونهاية عهد الدولة العثمانية وبداية عهد جديد وهو الاحتلال البريطاني على فلسطين، وقد كانت مدينة غزة هي المدخل والبداية لدخول القوات البريطانية وفرض سيطرتها على جميع أنحاء فلسطين".

وأضافت: "أدى إعلان الحرب على الدولة العثمانية إلى صدور قرار من جمال باشا قائد القوات التركية بإخلاء مدينة غزة من سكانها، لأنها ستصبح ساحة حرب، لذلك كان لهذه الحرب آثار كبيرة انعكست على المدينة فقد أحدث القرار نسفاً ديمغرافياً عدا عن الآثار الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والصحية التي نتجت عنه".

ويروي المسن جمعة سالم (82 عاما) أنه عايش خلال حياته 15 حربا وجولات صراع وهبات وانتفاضات.

وقال سالم لـ عربي21": "نحن نعيش في حروب منذ أن ولدت، فلا أذكر أنها مرت علينا سنوات بدون حروب أو عدوان إسرائيلي خلال حياتي".

وأضاف: "قدر غزة أن تكون دائما في قلب هذه الحروب وتدفع ثمنها لا سيما خلال العقود الثلاثة الأخيرة".

 

 


وأوضح أن أولى هذه الحروب التي عايشها كانت في عام 1948م، حيث كان فتى حينما احتلت العصابات الصهيونية فلسطين، مرورا بحرب عام 1967م التي أكملت فيها احتلال فلسطين وجنوب لبنان وغزة والضفة الغربية والقدس والجولان المحتل، وقبلها عدوان عام 1956م وبعدها حرب عام 1973م، وحرب الاستنزاف في سبعينيات القرن الماضي والفترة التي كانت فيها غزة مقرا للفدائيين.

وأشار إلى أن غزة كتبت تاريخا جديدا حينما فجرت انتفاضة عام 1987م والتي انتقلت شرارتها إلى كافة الأراضي الفلسطينية المحتلة وكانت واحدة من أعظم الهبات الجماهيرية والتي استمرت 7 سنوات كاملة بزخم كبير إلى أن تم إجهاضها بمشروع التسوية بين منظمة التحرير الفلسطينية والحكومة الإسرائيلية واتفاق إعلان المبادئ وقدوم السلطة الفلسطينية.

واعتبر أن انتفاضة الأقصى التي اندلعت عام 2000م، واحدة من كبرى الهبات الفلسطينية والتي سبقتها عدة هبات مثل هبة النفق عام 1996م، مشيرا إلى أنه كان هناك عدوان كبير عام 2006 بعد اختطاف المقاومة الفلسطينية الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط.

وأكد أنه بعد ذلك تعرضت غزة لعدة حروب في أعوام: 2008- 2009، والتي استمرت لمدة 21 يوما، و2012 والتي استمرت لمدة 8 أيام، وحرب عام 2014 التي استمرت لمدة 52 يوما، وهذه الحرب الحالية التي تدخل يومها الحادي عشر، مشيرا إلى وقوع عدة جولات تصعيد ليوم أو يومين والتي كانت بمثابة حرب مصغرة، إضافة إلى مسيرات العودة عام 2018.

واستدرك هذا المسن بالقول: "لا يعرف إن كانت هذه الحرب ستكون آخرها أم ستكون جولات وحروب أخرى".