كتاب عربي 21

حول تصريحات "نجلاء المنقوش" بخصوص العلاقة مع تركيا

1300x600
الجدل الذي أثير حول تصريحات وزيرة الخارجية الليبية نجلاء المنقوش يصب في عمق إشكاليات المرحلة الانتقالية الجديدة التي ترسم ملامحها تداعيات العدوان على طرابلس؛ الذي نقل الأزمة الليبية إلى مرحلة متقدمة في التأزيم، وبالتالي فإن المدخل الصحيح لتقييم تصريحات الوزيرة ينبغي أن يأخذ في الحسبان حيثيات العدوان ونتائجه ويجعلها محددا رئيسا للحكم.

بداية ينبغي التأكيد على أن أول محدد من محددات السياسة الخارجية الليبية هو المسؤولية المناطة بالحكومة الحالية، وهي تهيئة الظروف لعقد الانتخابات العامة في أجل لا يتعدى ثمانية أشهر، وبالتالي هي ليست معنية بملفات كبرى وشديدة التعقيد كإدارة الصراع الاقليمي والدولي المعقد حول ليبيا، وأن الضامن في ترتيب الأوضاع دوليا هو الطرف الدولي الفاعل الذي نجح في دفع التسوية السياسية إلى الأمام ووفر ضمانات نجاحها.

ومن هذا المنطلق أكرر القول بأنه كلما نأت الحكومة بنفسها عن تشابكات العلاقات الإقليمية والدولية حول ليبيا؛ كلما استطاعت أن تركز أكثر على المهام الرئيسية والأساسية التي تتطلبها الوضعية الراهنة للبلاد وتقتضيها مهمة إجراء الانتخابات العامة في موعدها.
كلما نأت الحكومة بنفسها عن تشابكات العلاقات الإقليمية والدولية حول ليبيا؛ كلما استطاعت أن تركز أكثر على المهام الرئيسية والأساسية التي تتطلبها الوضعية الراهنة للبلاد وتقتضيها مهمة إجراء الانتخابات العامة في موعدها

إشكاليات السياسة الخارجية لحكومة الوحدة الوطنية

أنا مع التعامل الحذر مع الورقة التركية في هذه المرحلة الصعبة، ذلك أن الدور الطليعي لتركيا في ليبيا يشكل قلقا كبيرا لكل أو جل الأطراف الإقليمية والدولية المتورطة في المسألة الليبية وتجعل منه ذريعة للتشويش وإثارة النزاعات، ولهذا نوهت إلى أنه ليس من الحكمة إطلاق مسار تعاون استراتيجي لسنا في حاجة له بمعيار مهمة الحكومة والإطار الزمني المحدد لها، ويكفي أن نتعاون مع تركيا في ملف حيوي مثل الكهرباء.

محاولة الحكومة رسم مسار توازني في التعاطي مع الفرقاء الإقليميين والدوليين يربك الحكومة ويدخلها في تعقيدات ومشاكل هي في غنى عنها، فمغازلة الإمارات بزيارة خاصة يدفع إلى تمييز تركيا بشراكة واسعة، وهذا يتطلب إرضاء مصر عبر اتفاقيات وتوافقات ليس من مسؤوليات هذه الحكومة ويمكن أن تورطها وتورط السلطة المنتخبة، وبنفس المعيار يمكن الحكم على العلاقة مع روسيا وفرنسا.

أين يكمن ضعف موقف المنقوش من العلاقة مع تركيا؟

مما لا شك فيه أن الوزيرة تتعرض لضغوط تتعلق بتحديد الموقف من الاتفاقية الأمنية والعسكرية، والتي رتبت وجودا عسكريا تركياً على الأراضي الليبية، وتعاونا أمنيا وعسكريا مقلقا بالنسبة للأطراف الاقليمية العربية والأوروبية. ولقد كان ملف الوجود التركي في ليبيا من ضمن الملفات التي تناولها وزيرا الخارجية الأمريكي والإيطالي الأسبوع الماضي. وموقف إيطاليا رافض للاتفاقية.
الوزيرة تتعرض لضغوط تتعلق بتحديد الموقف من الاتفاقية الأمنية والعسكرية، والتي رتبت وجودا عسكريا تركياً على الأراضي الليبية، وتعاونا أمنيا وعسكريا مقلقا بالنسبة للأطراف الاقليمية العربية والأوروبية

لكن ينبغي أولا التنبيه إلى مصادمة المنقوش في تصريحها لموقف وتصريحات سابقة لرئيس الحكومة عبدالحميد دبيبة؛ الذي أكد في أكثر من مناسبة على الإبقاء على الاتفاقية مع تركيا وعدم المساس بها.

ثانيا، هناك فسحة من التأطير السياسي والدبلوماسي الذي لو انطلقت المنقوش منه لكانت في موقف أفضل داخليا وخارجيا في ما يتعلق بالعلاقة مع أنقرة، ذلك أن السياسة الخارجية لحكومة الوحدة الوطنية ينبغي أن تأخذ في الاعتبار ما وقع خلال فترة حكومة الوفاق عند رسم ملامح الموقف الليبي؛ من تعقيدات في الأزمة الليبية على الصعيد الخارجي.

المحدد المهم في هذا الصد هو حفتر الذي شكل تهديدا مباشرا للاستقرار وانقلب على الحكومة الشرعية وتحدى المجتمع الدولي بعدوانه على طرابلس، فيما وقفت كل الاطراف الاقليمية والدولية ومنها إيطاليا مكتوفة الايدي، ولم يحبط مخطط الانقلاب على الشرعية إلا تركيا.

حفتر يا سيدة نجلاء ما يزال خطرا على الاستقرار وخطرا حتى على حكومة الوحدة الوطنية، وبالتالي كان من المفترض مواجهة الطليان وغيرهم من المتحفظين على العلاقة مع تركيا بهذه الحقيقة، وهي استمرار التهديد من جانب حفتر وحلفائه، والذي مظهره عدم انصياعه لحكومة الوحدة الوطنية والتصرف بالاستقلالية تامة. وعلامة ذلك لقاءاته المفتوحة مع القبائل والمناورات العسكرية التي يجريها، والتحشيد والتعبئة التي ما تزال مستمرة على خطوط التماس مع القوات المنضوية تحت حكومة الوحدة الوطنية.
حفتر يا سيدة نجلاء ما يزال خطرا على الاستقرار وخطرا حتى على حكومة الوحدة الوطنية، وبالتالي كان من المفترض مواجهة الطليان وغيرهم من المتحفظين على العلاقة مع تركيا بهذه الحقيقة، وهي استمرار التهديد من جانب حفتر وحلفائه

الرد المنطقي والسياسي والدبلوماسي هو القول بأن الاتفاقية الأمنية والعسكرية مع تركيا جاءت ردا من الحكومة الشرعية على المنقلب عليها حفتر؛ الذي أدخل الروس والمرتزقة الأفارقة للبلاد، وأننا لن نكون في حاجة لتركيا إذا تم إخراج الروس وغيرهم من ليبيا، ولجم حفتر وحلفائه الإقليميين، وتوفير الضمانات لعدم تكرار العدوان على الشرعية.

كان من المنطقي جدا إحراج الطليان وغيرهم بصمتهم على العدوان على العاصمة وقلب الطاولة عليهم، وليس الشعور بالنقص ومجاراتهم في مطلبهم بإلغاء الاتفاقية الأمنية والعسكرية مع الأتراك. ومن هنا بدا ضعف موقف الوزيرة، وهو ما يفتح بابا للتشكيك في موقفها من تعقيدات الأزمة الليبية.