آراء ثقافية

الروحانية الجديدة: هل تسرق منا رمضان؟

CC0
لطالما مثّل الصوم شعيرة روحيّة تمرّن الأفراد على كثير من القيم والمعاني وتقوي إيمانهم، ولطالما كان شهر رمضان محركاً للمشاريع الجماعية المتجاوزة للفرد والقادرة على تشكيل صورة للجماعة المؤمنة. لم تكن روحانيات رمضان منفصلة عن المشهد الجماعي بتواصل العائلة والصلاة مع الجموع وبثّ التراحم بين الناس، فالصوم في جوهره، كما تذكر الدكتورة هبة رؤوف عزت، "يروض الجسد الفردي كي يتواصل مع الجسد الجماعي بدرجة أعلى وأعمق".

نجد اليوم في ظل التغيرات الدينية التي تشهدها المنطقة العربية وبروز سؤال العلمانية، تأثر الروحانيات بقيم الحداثة التي تعتني بمشاعر الفرد وتجربته الشخصية. ساعد في هذا التغير حالة الاغتراب والتغريب التي عايشها الشباب بعد أحداث الربيع العربي. يتطلب المشهد اليوم محاولات جادة لفهم شريحة كبيرة من شبابنا الباحثين - بعد هزائم سياسية ونفسية - عن الحب والسلام الداخلي عبر شعائر رمضان أو حتى دروس اليوغا والتأمل. 

تحولات دينية أم روحانية؟

لا نملك تصورات واضحة للتحولات الدينية في سياق ما شهده الوطن العربي من أحداث سياسية وثورات شاركت في تغيير حياة الملايين. تتناول الدراسات المشهد الحالي من خلال طرفين اقترن ظهورهما مؤخراً، أحدهما يميني متطرف، وآخر معاصر حديث متجاوب مع قيم الحداثة والسوق. لا يزال الأخير في طور التشكل، وهو محط اهتمام وحماس بعض الباحثين الذين يرون فيه الأمل ويعدونه امتداداً للثورات العربية، كما نجد في دراسة بسمة المومني في كتابها "فجر العرب: شبابه وعائده الديموغرافي". 

يبدو على الباحثة معالم الحماس لتوجهات الشباب نحو التدين الحديث وبكونه لا يرى تناقضاً بين الهويتين الغربية والشرقية. وتشير إلى دراسة استطلاعية أعدها البارومتر العربي في 2010 تؤكد أن 61% من المشاركين أكدوا على قيم العلمانية وأن الدين مسألة شخصية. وهي مع ذلك ترى أن نسبة التدين بين الشباب العرب في ازدياد، ولكنه يبدو أكثر قرباً للتدين الفردي. هذا ما تؤكده أيضاً دراسة تحت عنوان "مأزق الشباب في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا"، التي تناولت تطلعات ما يقارب تسعة آلاف شاب من البحرين، مصر، الأردن، لبنان، المغرب، فلسطين، تونس، اليمن ومجموعة من اللاجئين السوريين المقيمين في لبنان، وعرضت آراءهم في قضايا متنوعة منها سياسية واجتماعية واقتصادية. 

وفيما يتعلق بشأن التدين ودوره في حياتهم اليومية، يخلص البحث إلى أن نسبة التدين ترتفع في الطبقات ذات المستوى المادي والتعليمي العالي، ولكن لا يمثّل هذا التدين أساساً للمواقف السياسية والأيدولوجية، إنما يعمل بشكل فردي كـ"قناة للروحانية". وتقارن هذه الخلاصة بين التدين الفردي للشباب العرب والتجربة الغربية لعصر "الفردانية التعبيرية" في الستينيات، عندما كانت الروحانية وسيلة لتحقيق انسجام الأفراد وتوازنهم في الواقع. ورغم أن مثل هذه المقارنات قد لا تكون دقيقة تماماً، إلا أنها الأقرب لتفسير مثل هذه الظواهر التي لا نستطيع إغفال تأثرها بالتجربة الدينية الغربية وقيم الحداثة.

إعادة النظر في الروحانيات

يقودنا التفكير بالدين كقناة للروحانية إلى رائد علم النفس الأمريكي، وليام جيمس، الذي أعاد تشكيل تصوره للدين عبر سلسلة محاضرات بدأها عام 1901، وطبعت تحت عنوان "تنويعات التجربة الدينية". يعرّف جيمس الدين باعتباره: "المشاعر التي يشعر بها الأفراد، والأفعال التي يقومون بها، والتجارب التي يختبرونها في عزلتهم على قدر ما يعون أنفسهم بوصفهم في علاقة مع ما يعتبرونه الإلهي، أياً كان". وهو يؤسس من خلال هذا التعريف لفردانية التجربة الدينية الخاضعة لشخصية الفرد ومشاعره بشكل رئيسي.

تفتح تصورات وليام جيمس للدين وكثير ممن تأثروا بها، الباب أمام التجارب الروحية المتنوعة. يقدم في هذا السياق أبراهام ماسلو، عالم النفس الأمريكي، تصورات مشابهة للدين الذي يظهر كجزء لا ينفصل عن التجربة الإنسانية بشكل عام. يربط ماسلو التجربة الدينية في كتابه "الأديان، القيم، وذروة التجربة"، بالوحي الشخصي وتمييز ذروة التجربة الروحية أو الصوفية لدى الإنسان الباحث والمدرك لحقيقته. من هذا المنطلق، تنفصل التجربة الدينية عن الأديان، وتتصل باستعداد الفرد لخوض تجربة تنويرية قد يكون مصدرها الموسيقى أو الأدب بغض النظر عن انتسابه للأديان. في هذا المعنى، يؤكد ماسلو، أن فنانا مبدعا بإحساس عال يصف نفسه بالـ"لا أدري"، يمكن أن يكون لديه العديد من التجارب الدينية التي اختبرت المقدس أو الروح.

شكلت مثل هذه التصورات ما يُعرف بالروحانية الجديدة التي ظهر ارتباطها بفكرة التحرر من الدين المؤسسي أو المنظمّ. تتحول التجربة الروحية إلى جوهر تدين الأفراد بينما تبدو الأديان مهددة لهذه التجربة ومحددة لها. كتب في هذا الصدد سام هاريس عام 2014 "الصحوة: نحو روحانية بلا دين"، في دعوة للاهتمام بالبعد الإنساني للعالم وتعزيز الروحانيات المتجاوزة للأديان. شارك هاريس تجربته في طقوس التأمل مع مدارس شرق آسيوية ودعا إلى تعلمها وممارستها. يعد مثل هذا الطرح نتيجة عن الحركة الروحية الغربية التي انتشرت منذ الستينيات ويعرف أفرادها أنفسهم بأنهم "روحانيون لكن ليسوا متدينين"، وهو الشعار الذي بدأنا نلاحظ تردده في الآونة الأخيرة بين الشباب العرب. 

مآلات الروحانية الجديدة

يطرح في هذا السياق فتحي المسكيني تصوره عما يسميه "الإيمان الحر أو ما بعد الملة"، ويدعو إلى نظرة كونية عالمية للدين منبعها التأمل الفلسفي والوجودي الذي يقود إلى الالتزام الأخلاقي. يفتح الإيمان الحر الباب، كما فعل جيمس، لتصور ديني يتجاوز الإلحاد والإيمان ويربطه بكينونة الروح. فعند مناقشته لمستقبل الدين، يعرض المسكيني الأطروحات الفلسفية لانتقال المسيحية "من السلطة إلى المحبة". فمنذ الثورة الفرنسية انتقلت أهمية المسيحية من الحدث نفسه إلى تحويل "المحبة" إلى أمل رومانسي يؤمن بالإنسان من خلال ثلاثية "الحرية والمساواة والأخوة". 

وبذلك يقدم المسكيني دعوته المتكررة نحو إسلام المحبة مقابل نبذ الإسلام السياسي والشريعة بمعناها السلطوي. تقدم هذه الأطروحة تصورا لمآلات التحول نحو الروحانية الحديثة أو ما بعد الحديثة، وتبنّي دين الإنسانية أو ما بعد الملة. وللتأكيد أن هذه الأطروحة، وإن كان الإسلام موضوعها، إلا أنها تعتمد بشكل رئيسي على التصور المسيحي وتاريخه لتقديم تصوراتها. وهي تنطلق من أزمة شهدها فلاسفة العالم الغربي وقدموا بدائل للدين عبر ذلك السياق. 

تقدم مثل هذه التصورات فكرة جيدة عن مستقبل لن تكون فيه شعائر الدين محصورة في روحانيات فردية فحسب، إنما ستكون أيضاً محط النقد والتجاوز. من هنا، يدعو التحول نحو الروحانية الجديدة إلى إعادة تعريف المقدس والديني أو السماوي بشكل يتناقض مع الارتباط بشريعة إلهية أو دين جماعي له ثقله السياسي. يظهر الدين كسلطة استبدادية قائمة على الطاعة والانقياد لا تفكر سوى بتعزيز هويتها وقوتها. وتبدو في المقابل التأملات الفردية والروحانيات منطلقاً نحو الخلاص الفردي والتحرر. الأمر الذي يمكننا إسقاطه على التوجهات المنتشرة مؤخرًا بالتعامل مع الصوم كطقس روحاني فرداني لا نبالغ إن قلنا إنه أصبح شبيها بممارسات اليوغا وما يُعرف برحلات البحث عن الذات.