قضايا وآراء

هل جاءت مبادرة ابن سلمان حول اليمن في الوقت الخطأ؟

1300x600
لا يُمحى من ذاكرتي منظر ولي العهد السعودي "محمد بن سلمان"، وهو واقف مختال بنفسه، في غرفة العمليات بوزارة الدفاع في المملكة، يعلن عن تحالف عربي بقيادة السعودية لإعادة الشرعية في اليمن، وإسقاط انقلاب الحوثيين الذين استولوا على الحكم، مُعلنا بدء العمليات العسكرية في اليمن تحت مسمى "عاصفة الحزم".

كان ذلك في الخامس والعشرين من شهر آذار/ مارس 2015، أي منذ ست سنوات. ورغم مرور كل هذه السنوات إلا أنني لا أستطع نسيان هذا المشهد، كما لا أستطيع نسيان المشهد اليومي للواء "أحمد عسيري" المتحدث العسكري باسم التحالف، وهو واقف بزهو يفتخر بالصواريخ السعودية التي تصل لعمق الأراضي اليمنية..

ومن الطريف أن بعض الدول التي انطوت تحت جناحي ذلك التحالف المزعوم لم تعلم به إلا بعد أن أعلن عنه ولي العهد السعودي، والبعض الآخر الأكثر حظوة قد علم به قبل سويعات قليلة من إعلانه!

إنها لمفارقة عجيبة حقا تدعو للسخرية والتهكم؛ أن السعودية التي قادت مع حليفتها الإمارات الثورات المضادة في الدول العربية التي شهدت ثورات، هي نفسها التي تدعم الشرعية في اليمن، وتحتضن رئيسها المنتخب "عبد ربه منصور هادي" في أراضيها، وتقود الحرب ضد الانقلابيين لإعادته إلى اليمن!!
السعودية التي قادت مع حليفتها الإمارات الثورات المضادة في الدول العربية التي شهدت ثورات، هي نفسها التي تدعم الشرعية في اليمن، وتحتضن رئيسها المنتخب "عبد ربه منصور هادي" في أراضيها، وتقود الحرب ضد الانقلابيين لإعادته إلى اليمن

الحقيقة التي يعلمها الجميع أن السعودية منفردة هي التي قررت الحرب على اليمن، دعك من موضوع الشرعية، إنها مزحة سخيفة لا تخيل على أحد. فلقد أراد ابن سلمان محاربة إيران على أرض اليمن، وتحقيق نصر خاطف يسوّق به نفسه لشعبه بأنه المُنقذ المُخلص. لقد كانت العمليات العسكرية داخل الأرض اليمنية، في البداية سعودية صرف، ثم لحقت بها الإمارات التي أرادت أن تكون في الظل، خلف الكواليس في تلك اللحظة، ليأتي دورها الذي خططت له في الجنوب، بعد اندلاع المعركة..

لقد ذهب طموح ولي العهد السعودي بعيدا، فهو يرى أن السعودية أحق في قيادة العالم العربي، بما تملكه من قوة اقتصادية هائلة وترسانة عسكرية ضخمة محفوظة في المخازن، وأنه حان الوقت للخروج خارج حدودها، ولكي يحقق ذلك الحلم أو لنقل الوهم، فإنه اختار بدء العمليات العسكرية ليلة انعقاد قمة عربية في شرم الشيخ، ليشهد العالم أجمع مدى قوة ونفوذ السعودية، القادرة على حشد الدول العربية تحت قيادتها، وليظهر في الصورة محمد بن سلمان، القائد الهمام والبطل الفذ الذي يقود الجيوش العربية!!

وهكذا لقد فُرضت على اليمن حرب ضروس من ذوي القربى من إخوة الدم والتراب منذ ستة أعوام، ولم تعد الشرعية ولن تجني منها سوى الخراب والدمار في البلاد، وقُتل الآلاف من الشعب اليمن. كما تفشت في البلاد الأوبئة وانتشرت الأمراض وخاصة وباء الكوليرا، بين الأطفال، وقتل الآلاف منهم، حسب تقرير منظمة الصحة العالمية، كما عمت المجاعة جنبات الوطن.
ذهب طموح ولي العهد السعودي بعيدا، فهو يرى أن السعودية أحق في قيادة العالم العربي، بما تملكه من قوة اقتصادية هائلة وترسانة عسكرية ضخمة محفوظة في المخازن، وأنه حان الوقت للخروج خارج حدودها

لقد عبرت الأمم المتحدة عن مأساة اليمن بأن البلد يشهد أسوأ أزمة إنسانية في العالم، وأوضحت في بيان لها مؤخرا أن حوالي 80 في المئة من اليمنيين يحتاجون للمساعدة، وان انعدام الأمن الغذائي في اليمن هو أسوأ مجاعة من صنع الإنسان شهدها العالم!!

وجاء دور دولة الإمارات الخبيث، فأجندتها مختلفة عن أجندة ابن سلمان، ولكنها متطابقة تماما مع المخطط الإقليمي لتفكيك الدولة اليمنية، لذلك اصطدم الحليفان اللدودان، وشعر ابن سلمان بالغدر، وأن الإمارات تطعنه من الخلف بمشاريعها في اليمن..
 
لا جدال في أن الإمارات لديها طموحات واسعة سياسية وجيوسياسية، خاصة في اليمن، لذلك عملت منذ البداية على فصل جنوبه عن شماله، واستطاعت تحقيق ذلك من خلال المجلس الانتقالي المسيطر على جنوب اليمن الخاضع لها. وبذلك أصبحت جزيرة سقطرى وعدن تحت سيطرة ذلك المجلس المزعوم، وانضمت لهما أخيرا مدينة "المخا" الواقعة في الساحل الغربي من محافظة "تعز"، بعد أن فصلها عن تعز وكيل الإمارات في اليمن العميد "طارق صالح"، الخميس الماضي، وبذلك يصبح الساحل الغربي لليمن تحت نفوذها، ويكون عملاؤها حراسا لباب المندب، أحد أهم الممرات البحرية في العالم، مما يمنحها التوسع البحري حتى القرن الأفريقي..
الإمارات لديها طموحات واسعة سياسية وجيوسياسية، خاصة في اليمن، لذلك عملت منذ البداية على فصل جنوبه عن شماله، واستطاعت تحقيق ذلك من خلال المجلس الانتقالي المسيطر على جنوب اليمن الخاضع لها

سعت دولة الإمارات، التي تعيث في الأرض فسادا، إلى إحداث فوضى في اليمن، وأقامت سجونا سرية تحت الأرض تمارس فيها أبشع أنواع التعذيب لأبناء الشعب اليمني، وقامت بعمليات اغتيال من خلال فرق الموت التي أعدتها لقتل مشايخ ووجهاء العشائر والشخصيات المنتمية لحزب الإصلاح، المحسوب على الإخوان المسلمين، عدوها اللدود الذي تريد أن تقضى عليه في جميع البلدان العربية..

في بداية الحرب صرح ولي العهد أكثر من مرة؛ أن اجتياح صنعاء وتحريرها من الحوثيين لن يستغرق سوى أيام معدودة، وبالقوات السعودية فقط. فقد أعماه طموحه من أن يتحسب لما يمكن أن يترتب على مغامرته العسكرية في اليمن، من تبعات وعواقب وخسائر وخيمة قد تصيبه، وهو ما جناه بالفعل في نهاية المطاف، بعد ست سنوات من المكابرة والعناد واستمراره في الحرب العبثية، رغم عدم قدرته على هزيمة مليشيا متمردة استطاعت أن تقلب الدفة وتغير المعادلة، وأن تنقل المعركة إلى داخل الأراضي السعودية، وأن ترسل صواريخها وطائراتها المسيرة إلى عمق أراضي المملكة، فلم تعد فقط نجران وجيزان والعسير وغيرها من مدن الحدود الجنوبية، بل باتت السعودية مهددة في قلبها وفي منشآتها الحيوية ومطاراتها أيضا. لقد استهدفت جماعة الحوثي مواقع حيوية وعسكرية، ونفطية داخل المملكة (شركة أرامكو ومصافيها وموانئها)، عصب الصناعة والدخل النفطي القومي السعودي في الرياض وجدة وأبها وجيزان والدمام ورأس تنورة، وأصبحت المدن السعودية هدفا سهلا لجماعة الحوثي..

حسب تقديرات "رويترز" فإن المملكة تنفق حوالى 175 مليون دولار شهريا للقصف في اليمن و500 مليون إضافية للتوغلات البرية، وهذه النفقات غير المتوقعة أجبرت الرياض على بيع 1.2 مليار دولار من حيازاتها البالغة 9.2 مليار دولار في الأسهم الأوروبية، كما كانت لها آثار غير مسبوقة على الاحتياطات الأجنبية السعودية..
 
باختصار استطاعت مليشيا متمردة مدعومة من إيران أن تكبد السعودية، رابع أكبر دولة في العالم إنفاقا على السلاح، خسائر فادحة، سواء عسكرية أو اقتصادية أو بشرية، والمخفي أضعاف ما هو معلن!! هذا بخلاف خسارتها الفادحة لسمعتها في العالم، والتي تلطخت بدماء اليمنيين، وبمقتل الكاتب الصحفي "جمال خاشقجي"، وهي ما لم يستطع ابن سلمان، غسلها بالمال..

وأمام الضغوط الدولية، ورحيل ترامب الذي كان يغض الطرف عن جرائم ابن سلمان في اليمن، وعزم بايدن على إنهاء الحرب في اليمن، وخوفا من فتح ملفات أخرى له تتعلق بمستقبل ولاية العهد، وخلافه، تقدم ولي العهد السعودي بمبادرة لإنهاء الحرب في اليمن، أطلق عليها "المبادرة السعودية للسلام في اليمن"، يستجدى بها الحوثيون لإنهاء الحرب، وهي في رأيي المتواضع لن تكون حلا لإنهاء الأزمة في اليمن، ربما تكون مدخلا للحل، لأنها ركزت على الجانب الإنساني للأزمة فقط، وفصلته عن الجوانب السياسية والسيادية التي قد تدخل في مفاوضات ربما تمتد لسنوات عديدة..

وعلى كلِ حال، لقد رفضها الحوثيون على الفور، رغم ما تحمله من بعض التنازلات الكبرى التي قدمتها السعودية، إلا أن الحوثيين يرون أن المبادرة لم تتعهد برفع كامل للحصار الذي تفرضه السعودية على مطار صنعاء الدولي وعلى ميناء الحديدة الذي يمر من خلاله هو وميناء الصليف 80 في المئة من وإرادات اليمن، بما في ذلك المواد الغذائية والوقود..

من الواضح أن مبادرة ابن سلمان جاءت في الوقت الخطأ كمحاولة بائسة لتقليل الخسائر، واعتراف صريح بالهزيمة في الحرب، لذلك عاد الحوار بالغارات الجوية والصاروخية بين الطرفين المتحاربين، قبل أن تكمل هذه المبادرة الـ24 ساعة من ميلادها، فقد ولدت ميتة.

فجماعة الحوثيين، بعد أن رفع بايدن اسمها من لائحة ما تُسمى بـ"لائحة المنظمات الإرهابية"، تتكلم وتتصرف من مركز قوة لا ضعف، وبدت في وضع المنتصر، والمنتصر هو الذي يملي شروطه قبل الذهاب إلى طاولة الحل السياسي، وليس المنهزم. الحوثيون الآن في حالة هجوم، فلماذا يوقفون إطلاق النار ويستسلمون؟! بل على الأرجح سيستمرون في هجومهم على مأرب، وباقي المناطق..

فأرض المعركة وما يحدث عليها هو الذي يفرض أو يحسم الحل السياسي، وليس العكس..

ما لم يدركه ابن سلمان، الذي تصور أن في يده قرار الحرب والسلم، أن اليمن اليوم غير اليمن قبل ست سنوات، وأن الحوثيين اليوم أصبحوا جزءا من تحالف إقليمي، إيران حاضرة فيه بقوة، وملفها النووي على طاولة المفاوضات المنتظرة والتي تسعى إليها الولايات المتحدة، وأنها تستغل أزمة اليمن كورقة تفاوض لتحسين موقفها والخروج بأكبر المكاسب، لهذا يصعب الخروج من الأزمة اليمنية بمبادرة سياسية أحادية الجانب، بينما يرفضها الطرف الآخر فلا بد من تفاهمات إقليمية بين اللاعبين المتصادمين: السعودية وإيران، وموافقة دولية، لوقف الحرب في اليمن. وأعتقد أنها لن توقف إلا بعد حسم المعركة في مأرب، والله أعلم..
 
لقد غرق ابن سلمان في وحل مستنقع اليمن، وكأن لسان حاله يقول الآن:

إني أغرق أغرق أغرق. 

إني لا أعرف فن العوم، 

ولو أني أعرف أن مستنقع اليمن عميق جدا ما أقدمت،

لو أني أعرف خاتمتي ما كنت بدأت!

مع الاعتذار لشاعرنا الراحل "نزار قباني"..


twitter.com/amiraaboelfetou