صحافة دولية

FP: استراتيجية الصين تقوم على التعلم من أخطاء أمريكا

تدرك الصين أنها تسير على خط دقيق في محاولة لكسب النفوذ مع الابتعاد عن الخصومات الوطنية المعقدة والصراعات الطائفية في المنطقة

نشرت مجلة "فورين بوليسي" مقالا للباحث المتخصص بالدراسات الصينية في جامعة أكسفورد آيك فريمان قال فيه؛ إن أمريكا كانت على مدى 12 عاما تحاول فك ارتباطها بالشرق الأوسط.


وقد استجابت القوى الإقليمية، بما في ذلك إيران وإسرائيل وروسيا والسعودية وتركيا، بالبحث عن حلفاء جدد والتنافس بشكل أكثر شراسة بعضها مع بعض.


وبعيدا عن العناوين الرئيسية، فقد كانت الصين هي الفائز الأكبر في الشرق الأوسط ما بعد أمريكا كما يقول فريمان. وكانت بكين أصلا أكبر مشتر لنفط المنطقة وأصبحت الآن، وبدون ضجة، القوة الخارجية الوحيدة التي لها علاقات سياسية وتجارية قوية مع كل دولة رئيسية هناك.


وبالنسبة لواشنطن، فهذا يعني أن الشرق الأوسط يعاود الظهور كساحة لتنافس القوى العظمى. ولا يهدد نفوذ الصين المتزايد في الشرق الأوسط أي مصالح حيوية لأمريكا بشكل مباشر بعد.


ومع ذلك، فإن تعمق تحالف الصين مع إيران والروابط الودية مع المليشيات الشيعية المعادية لأمريكا أمر مقلق، ويشكل مخاطر على المدى الطويل على القوات الأمريكية والشراكات والوصول التجاري.

 

ومن هنا يقول الكاتب؛ إن على إدارة بايدن فرض ثمن على الصين وإيران لمنع شراكتهما الاستراتيجية الناشئة من النمو بدون رادع. ويجب أن تدرك أيضا أن معظم حلفائها وشركائها في الشرق الأوسط -بما في ذلك إسرائيل ودول الخليج- مصممون على عدم الانحياز إلى أي طرف في التنافس الجيوسياسي بين أمريكا والصين.

 

ويعلق فريمان أن الصين بدأت في البحث عن مفهوم استراتيجي جديد للانخراط في الشرق الأوسط، بعد فترة وجيزة من إعلان إدارة أوباما عن "التحول نحو آسيا" في عام 2011.


وفي عام 2012، اقترح وانج جيسي، المعلق الصيني الأبرز في السياسة الخارجية، مفهوما أسماه "الزحف باتجاه الغرب"، حيث كتب: "بينما تعيد واشنطن التوازن نحو آسيا، أصبحت العلاقة بين أمريكا والصين مثيرة للجدل على نحو متزايد وتقوم على نتيجة صفرية".


ومع احتدام المنافسة البحرية في آسيا، توقع وانغ أن تصبح آسيا الوسطى والشرق الأوسط منفتحة مجددا على التعامل مع الصين.

 

وقال وانغ؛ إن الانسحاب الأمريكي الحتمي من الشرق الأوسط يمكن أن يؤدي إلى "استفادة الطرفين (أمريكا والصين)"؛ لأن أمريكا كانت "في أمس الحاجة إلى مساعدة الصين في تحقيق الاستقرار في أفغانستان وباكستان".


ونشر مقال وانغ قبل مؤتمر الحزب الثامن عشر للحزب الشيوعي الصيني مباشرة، عندما تمت ترقية شي جينبينغ إلى أعلى منصب، وكان سابقا للمنطق الاستراتيجي والشعارات ومفاهيم التمويل التي كان سيتم إضفاء الطابع المؤسسي عليها قريبا تحت اسم "حزام واحد، طريق واحد"، التي أطلق عليها لاحقا مبادرة الحزام والطريق. ومع ذلك، كانت ردود الفعل على تركيز وانغ الصريح على الشرق الأوسط قاسية وفورية.


وفي مقال رد عليه، جادل الباحث شيان شياو بأن الصين يجب أن تعطي الأولوية لجيرانها أولا وتتجنب نشر مواردها على مساحة واسعة. وبعد سطر أو سطرين من المديح الشخصي لوانغ، انطلق شيان في نقد حاد. وتساءل: "ماذا يهدف بشيطنة كلمة الغرب؟ فمن منظور البعد، أولا دول الجوار الغربي، تليها دول الشرق الأوسط البعيدة إلى حد ما، ثم الدول الأفريقية البعيدة." ذهب شيان إلى القول بأن وانغ كان يشجع الصين على التوسع بشكل مفرط والتحول إلى بالوعة استراتيجية، كما فعلت أمريكا ضمنيا في أفغانستان والعراق.


واحتج نقد آخر لاقتراح وانغ بأن "الزحف باتجاه الغرب" من شأنه أن يثير استعداء القوى العظمى الأخرى، فاحتج الباحث تشي شانغ، الذي كتب في "غلوبال تايمز" في عام 2013، بأن الاستراتيجية ستضر بالعلاقات مع روسيا والهند وأمريكا، وتقود الصين إلى الاستثمار في "المجالات الخطرة". لا ينبغي للصين أن "تتخذ خطوة كبيرة في ذلك، بل يجب أن تحكم على المخاطر الاستراتيجية وتضع خطة استراتيجية لفهم" زحفها باتجاه الغرب" بشكل كامل.


وباختصار، كان العديد من مفكري السياسة الخارجية الصينيين قلقين للغاية بشأن المخاطر التي قد تأتي بنتائج عكسية لمشروع صيني طموح، مثل مبادرة الحزام والطريق في الشرق الأوسط. وفهم الاستراتيجيون الصينيون منطق الاستفادة من القوة الاقتصادية للبلاد من أجل المنفعة السياسية، لكنهم كانوا يخشون التورط في شبكة من الخصومات القومية والطائفية في المنطقة. ويشير التاريخ، في الواقع، إلى أن تجنب مثل هذه النتيجة ليس بالمهمة السهلة.


لقد كان الشرق الأوسط مأزقا للعديد من الإمبراطوريات الخارجية على مر القرون، بما في ذلك أمريكا وبريطانيا وروسيا وفرنسا.


وتفسر هذه الاعتبارات سبب تعامل الصين مع مبادرة الحزام والطريق بشكل مختلف في الشرق الأوسط عن أي منطقة أخرى. في أفريقيا وآسيا الوسطى وجنوب شرق آسيا وأمريكا الجنوبية، عادة ما تروج الصين لعقد صفقاتها من خلال الضجة الإعلامية والصور والسجاد الأحمر. وعلى النقيض من ذلك، في الشرق الأوسط، تحاول بكين إبقاء صفقاتها بعيدة عن العناوين الرئيسية قدر الإمكان. ولم يُكتب سوى القليل، على سبيل المثال، عن كيفية استثمار صندوق الثروة السيادية في أبو ظبي في سنيس تايمز، شركة الذكاء الاصطناعي الصينية الشهيرة ببرامج التعرف على الوجه. لم يتم نشر معظم اتفاقيات الحزام والطريق بين الصين ودول الشرق الأوسط بالكامل باللغة الإنجليزية أو الماندرين أو اللغات المحلية. إن الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين الصين وإيران التي تبلغ قيمتها 400 مليار دولار معروفة للجمهور، فقط بسبب تسريبها.


وإذا كان هدف الصين هو تحقيق نفوذ دون التورط في الشرق الأوسط، فإن مبادرة الحزام والطريق تنجح ببراعة. وتشمل قائمة الدول التي تؤيد مبادرة الحزام والطريق والتزمت بشكل أو بآخر بالشراكة معها: مصر وإيران والعراق وقطر والسعودية وتركيا والإمارات. هذا وحده يجب أن يكون جرس إنذار لواشنطن. فلا تتفق هذه الدول على أي شيء تقريبا، لكنها جميعا تريد علاقات أوثق مع الصين.


وتشكل الشراكة الاستراتيجية بين الصين وإيران الإشكالية الأكبر التي تواجه المصالح الوطنية الأمريكية. وتنقسم السياسة الداخلية الإيرانية بين فصيل إصلاحي معتدل مؤيد للصين وفصيل متشدد موالٍ للصين، الذي تبنى بحماس مبادرة الحزام والطريق.

 

لقد ساعدت سياسة "الضغط الأقصى" لإدارة ترامب في التعامل مع إيران على تمكين المتشددين. لقد كانت العلاقات الصينية الإيرانية ودية منذ عقود، لكنها تحسنت بسرعة خلال رئاسة دونالد ترامب. حيث قامت الصين بمشتريات كبيرة من النفط الخام الإيراني وباعت إمدادات الاتصالات لإيران، في انتهاك للعقوبات، وتتفاوض حاليا على اتفاقية لميناء جاسك خارج مضيق هرمز. وكان من المفترض أن يجري البلدان تدريبات بحرية مشتركة في المحيط الهندي الأسبوع الماضي. (انسحبت الصين في اللحظة الأخيرة، مستشهدة بعطلة رأس السنة الجديدة). وسواء تحققت الأموال في الجدول الزمني الموعود أم لا، فإن توقع الدعم الصيني سيحث طهران على التفاوض على صفقة أكثر صعوبة في المفاوضات النووية مع إدارة بايدن.


وتنجذب الجماعات الشيعية في جميع أنحاء المنطقة إلى الصين لأسباب مماثلة، فهم يرونها ثقلا استراتيجيا موازنا لأمريكا. في العراق، كتب وزير الكهرباء في تشرين الأول/ أكتوبر 2019 أن "الصين هي خيارنا الأساسي كشريك استراتيجي على المدى الطويل". كما أشادت الجماعات الشيعية شبه العسكرية من العراق وسوريا (عصائب أهل الحق) إلى لبنان (حزب الله) مرارا بالصين، وطالبت بالاستثمارات الصينية باعتبارها توبيخا لأمريكا.


والمثير للدهشة أن هذا لم يثر أي رد فعل مناهض للصين في الدول السنية الرئيسية في المنطقة، فقد أطلقت السعودية برنامجا لتدريس اللغة الصينية كلغة ثالثة في جميع المدارس والجامعات. واستعانت السعودية والإمارات والكويت بشركة هواوي لبناء البنية التحتية للاتصالات جي فايف، متحدية الضغوط الأمريكية. وكانت الإمارات أول دولة أجنبية تمنح موافقة طارئة للقاح كوفيد-19 من سينوفارم الصينية، وغرد حاكم دبي الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم صورة لنفسه وهو يتلقى ظاهريا حقنة من ذلك اللقاح.


ومن اللافت للنظر أن الصين لم تدفع سوى ثمن دبلوماسي ضئيل في الشرق الأوسط لانتهاكاتها الجسيمة لحقوق الإنسان ضد الأقليات المسلمة فيها. وفي عام 2019، أشيد بزيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان لبكين، حيث وقع البلدان العديد من الصفقات التجارية الكبرى، وأشاد الزعيم الصاعد بسياسات الصين المحلية "لمكافحة الإرهاب"، وهو تأييد ضمني لحملة القمع ضد الإيغور.

 

وقبل بضع سنوات فقط، كانت تركيا مدافعا بارزا عن الإيغور، وهم شعب تركي لديه جالية كبيرة في إسطنبول. لكن في العام الماضي، التزم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الصمت بشأن هذه القضية، ويُزعم أن الشرطة التركية اعتقلت مئات اللاجئين الإيغور بأمر من الصين، فمع انزلاق الاقتصاد التركي بشكل أعمق في الأزمة، يعتمد أردوغان أكثر من أي وقت مضى على الاستثمار والتجارة الصينية.


حتى إسرائيل تقاوم الضغط الأمريكي للحد من تعاملها التجاري مع الصين، فميناء حيفا يخضع لعقد إيجار تشغيلي مع شركة صينية مملوكة للدولة لمدة 25 عاما. ورفضت الحكومة الإسرائيلية، هذا الشهر، طلبا أمريكيا لتفقد المنشأة. وتستثمر الصين أيضا مئات الملايين من الدولارات سنويا في قطاع التكنولوجيا الإسرائيلي، على الرغم من حملة إدارة ترامب التي استمرت لأشهر لإقناع إسرائيل بالانسحاب.


في الوقت الحالي، لا يهدد النفوذ الصيني المتنامي في الشرق الأوسط بشكل مباشر أي مصلحة أمريكية رئيسية. وبشكل ما، يصف هذا سمة عامة للمنطقة: أمريكا لديها مصالح وطنية في الشرق الأوسط اليوم أقل مما كانت عليه قبل عقد أو عقدين.


ومع ذلك، فإن أنشطة الصين تؤثر بشكل غير مباشر على مصالح متعددة بطرق تستحق الدراسة والرد عليها. فمحاولة إيران لامتلاك أسلحة نووية هي الأهم. من أجل الأمن القومي الأمريكي وبقاء حلفاء أمريكا، من المهم للغاية إعادة إيران إلى الامتثال لخطة العمل الشاملة المشتركة أو اتفاق نووي جديد قابل للتنفيذ. وبقدر ما تمنح شراكة الاستثمار الصينية الناشئة مع إيران للنظام نفوذا في هذه المفاوضات، أو أن مشتريات الصين من النفط الإيراني تكسب الوقت من أجل سباق تخصيب الوقود النووي، يجب على أمريكا أن تقاوم. ويمكن أن يشمل ذلك اعتراض السفن التي تحمل شحنات غير مشروعة وفرض عقوبات ثانوية.


ولأمريكا كما يقول الكاتب أيضا مصلحة بالغة الأهمية في منع الصين من إنشاء كتلة جيوسياسية استبدادية، أو أن تصبح مصدرة للأدوات الاستبدادية التقنية. ليس لدى واشنطن سوى القليل من الطرق النظيفة لمنع الانفراج التدريجي بين بكين وموسكو وطهران، لكن يمكنها بالتأكيد فرض تكاليف على الدول التي تحصل على أسلحة أو قدرات مراقبة من الصين، تماما كما فرضت عقوبات على تركيا لشرائها أنظمة أس -400 الروسية.


أخيرا، يقول الكاتب؛ إن لأمريكا مصلحة بالغة الأهمية في منع الصين من دعم حزب الله والفصائل الشيعية المعادية في العراق التي تهدد حلفاء أمريكا وأصولها في المنطقة.

 

لم تطلق الصين العنان لفيض الاستثمار في لبنان كما طلب حزب الله الصيف الماضي، لكن على أمريكا أن تواصل إبلاغ بكين بأنها ستدفع الثمن إذا دعمت حزب الله. وفي الحالات الحساسة من الناحية الجيوسياسية مثل لبنان، قد تحتاج واشنطن إلى الضغط على صندوق النقد الدولي لتخفيف القيود على القروض.


وتدرك الصين أنها تسير على خط دقيق، في محاولة لكسب النفوذ مع الابتعاد عن الخصومات الوطنية المعقدة والصراعات الطائفية في المنطقة. إن الوضع الراهن في الشرق الأوسط يعمل بشكل أساسي لصالح الصين.

 

تنفق أمريكا مبالغ طائلة لمحاربة الجماعات المتطرفة وحماية حرية الملاحة في المنطقة، وتستفيد الصين من استقرار أسعار النفط. ما تريده الصين هو الحفاظ على هذا الترتيب مع اكتساب القدرة تدريجيا على الضغط على الدول للانحياز لها.

 

على الرغم من عدم وجود تهديد مباشر للمصالح الأمريكية هنا، إلا أن قدرة الصين على جذب شركاء راغبين بهدوء في الشرق الأوسط أمر مثير للدهشة ويستحق مزيدا من التدقيق. على المدى الطويل، يجب ألا تكون أمريكا راضية عن ضمان نظام الأمن الإقليمي إذا كانت بكين ستكون المستفيد الرئيسي منها.