كتاب عربي 21

بين زيارة البابا للعراق ووثيقة الأخوة: أي مستقبل لحوار الأديان؟

1300x600
في الرابع من شهر شباط/ فبراير، احتفل الفاتيكان والأزهر الشريف باليوم العالمي للأخوة الإنسانية، وهو اليوم الذي تم فيه توقيع وثيقة الأخوة الإنسانية بين بابا الفتايكان فرانسيس وإمام الأزهر الشريف الشيخ الدكتور أحمد الطيب، قبل سنتين في الإمارات العربية المتحدة. وقد تضمنت هذه الوثيقة المهمة الكثير من الأفكار والتوجيهات والأسس التي ينبغي العمل على أساسها لحماية حقوق الإنسان اليوم، وكيفية مواجهة التحديات المختلفة التي يعاني منها العالم.

وقد أدى انتشار فيروس كورونا خلال العام الماضي والتداعيات التي نجمت عنه إلى الحاجة لرؤية جديدة، سواء من قبل المؤسسات والمرجعيات الدينية أو كل السلطات الحاكمة أو المؤسسات الدولية، من أجل حماية التضامن الإنساني وتأمين الحاجات الأساسية للإنسان في عالم اليوم، ولا سيما على صعيد الصحة والسكن والعمل والمعيشة ومواجهة الفقر، إضافة لمواجهة التطرف والعنف والعنصرية التي تنتشر في عالم اليوم.
أدى انتشار فيروس كورونا خلال العام الماضي والتداعيات التي نجمت عنه إلى الحاجة لرؤية جديدة، سواء من قبل المؤسسات والمرجعيات الدينية أو كل السلطات الحاكمة أو المؤسسات الدولية، من أجل حماية التضامن الإنساني وتأمين الحاجات الأساسية للإنسان في عالم اليوم

كما أعلن الفاتيكان قبل أسابيع قليلة تأكيد موعد زيارة البابا فرانسيس للعراق في شهر آذار/ مارس المقبل، وذلك للاطلاع على أوضاع هذا البلد المدمر وزيارة مدينة الموصل وعقد لقاء مع المرجعيات الدينية الكبرى في العراق، وعلى رأسها المرجع الديني الأعلى للطائفة الشيعية أية الله العظمى السيد علي السيستاني في النجف الأشرف.

وتشكل هذه الزيارة وهذا اللقاء الهام فرصة أخرى من أجل تفعيل دور المرجعيات الدينية في العالم لإطلاق ديناميات عمل جديدة لحماية الإنسان والدفاع عن حقوقه الأساسية، وإعادة التركيز على أهمية الحوار المباشر بين القيادات الدينية كي تساهم في الوقوف بوجه كل الإساءات التي يتعرض لها الانسان في عالم اليوم، ولا سيما في بعض الدول العربية من ظروف قاسية بسبب الحروب والصراعات وعدم قيام دولة المواطنة، إضافة لتوجيه رسالة واضحة لكل قيادات العالم والمؤسسات الدولية بضرورة البحث عن أفق جديد للكون لإنقاذ البشرية من الأزمات التي تعاني منها اليوم.

وفي إطار إعادة تقييم دور حوار الأديان في عدد من دول المنطقة، أصدرت مؤسسة أديان في بيروت، بالتعاون مع معهد المواطنة وإدارة التنوع ومركز رشاد للحوكمة الثقافية، دراسة موسعة تحت عنوان: "الحوار بين الأديان في الشرق الأوسط: لبنان والأردن وتركيا والعراق". والهدف من هذه الدراسة تقييم تجربة المؤسسات الحوارية في هذه الدول خلال السنوات الأخيرة ودراسة العقبات والتحديات التي تواجه حوار الأديان اليوم. ومع أن هذه الدراسة لم تشمل كل دول المنطقة ولم تتناول كل التجارب الحوارية، فإنها تشكّل عيّنة مهمة لتقييم هذه التجارب الحوارية وتحديد آفاق المستقبل لحوار الأديان، على ضوء التحديات المستجدة في العالم.
رسالة واضحة لكل قيادات العالم والمؤسسات الدولية بضرورة البحث عن أفق جديد للكون لإنقاذ البشرية من الأزمات التي تعاني منها اليوم

وقد تضمنت الدراسة الموضوعات التالية:

أولا: الإطار النظري لتقييم الحوار بين الأديان، من خلال تعرف الحوار وتسمياته وتحديد نماذج من الحوار وغاياته والجمهور المستهدف واستراتيجيات العمل.

ثانيا: لمحة مقارنة إلى النتائج والتحديات، وعرض لنوعيات المنظمات التي اختيارها للدراسة وكيفية تطور الحوار في كل بلد والإطار السياسي للحوار ودور مؤسسات المجتمع المدني والمؤسسات الرسمية في الحوار، وعرض دور الشباب والنساء ورجال الدين في التجارب الحوارية، مع تحديد الاستراتيجيات التي تم اتباعها من كل منظمة.

ثالثا: جرى استعرض التجارب الحوارية بشكل مفصل في كل من لبنان والأردن والعراق وتركيا ومعوّقات الحوار والنتائج التي تم توصل إليها، مع عرض الخلاصات النهائية لكل بلد.

وتضمنت الدراسة دليلا لمؤسسات ومنظمات الحوار بين الأديان والمواقع الالكترونية والشخصيات الناشطة في الحوار، وفهارس وجداول تفصيلية حول تطور الحوار في الدول الأربع.

ومن أهم النتائج والتوصيات التي توصلت إليها الدراسة:

1- الحوار بين الأديان في الشرق الأوسط مجال ناشئ، ونموه مرتبط ارتباطا مباشرا بالديناميات السياسية والاجتماعية الكبرى التي تطبع المنطقة، ويدخل في ذلك نمو العنف باسم الدين.

2- يؤثر الإطار السياسي في كل دولة في تطور الحوار بين الأديان وفرصه بشكل كبير. ومع أن الديناميات الإقليمية والدولية تكتسي أهمية كبرى، فإن غالبية منظمات الحوار اعتبرت أن التحديات السياسية المحلية والوطنية أكثر المعضلات صعوبة في عملها.

3- مع أن أنشطة الحوار بين الأديان برعاية الحكومات وذات بعد عالمي، تركت أثرا كبيرا في إعادة رسم السرديات السياسية والدينية في المنطقة، فإن معظم مبادرات الحوار بين الأديان في الدول الأربع، لها طابع محلي وموجه إلى خدمة حاجات المجتمع الأساسية وتنبع من مؤسسات دينية.

4- هناك حساسية كبرى لدى منظمات عديدة تجاه مصالح وتأثيرات أجنبية قد تكون متخفية وراء أنشطة الحوار بين الأديان.

5- يختلف توزيع الغايات السياسية والاجتماعية والدينية لمنظمات الحوار بين الأديان في هذه الدول، إلا أن الدعم لأنشطة الحوار بين الأديان التي تقوّي قيم المواطنة يتنامى، على الرغم من اختلاف معنى هذه القيم في السياقات الوطنية.

6- سعت منظمات الحوار بين الأديان لجذب جماهير متنوعة في المنطقة، إلا أن مجال المشاركة والتواصل ما زال واسعا أمام الشباب والنساء والمحافظين الدينيين والجماعات التي تحمل معتقدات متطرفة.

7- اعتمدت غالبية منظمات الحوار بين الأديان استراتيجيات عمل تهدف إلى زيادة التوعية وبناء القدرات المحلية للعيش معا بسلام، واعتبرت استراتيجيات التعليم عنصرا أساسيا في هذه المهمة، التي من شأنها أن تعزز قدرات المنظمات المعنية بالحوار، للمساهمة في إصلاح التربية الدينية وتجديدها وفي إرساء التربية على التنوع في المنطقة.
هناك عدم تطابق بين ما يُطرح من مبادرات وبين الواقع السياسي والاجتماعي والحقوقي في العديد من الدول التي تدعم الحوار بين الأديان. وعلى ضوء ذلك نحتاج لإعادة تقييم جذرية لهذه التجارب ولتحديد مستقبل الحوار بين الأديان

هذه هي أبرز الخلاصات التي توصلت إليها هذه الدراسة المهمة حول حوار الأديان، وهي تكشف إلى جانب غيرها من الدراسات والأبحاث حول حوار الأديان إلى حجم العقبات والتحديات التي تواجهها هذه التجارب رغم الإنجازات التي تحققت.

ومن خلال المواكبة والمشاركة في العديد من هذه الأنشطة يكتشف المراقب: إن ما تطرحه مبادرات الحوار بين الأديان من أهداف وأفكار وطروحات لا يزال بعيدا عن أرض الواقع، وإن هناك عدم تطابق بين ما يُطرح من مبادرات وبين الواقع السياسي والاجتماعي والحقوقي في العديد من الدول التي تدعم الحوار بين الأديان. وعلى ضوء ذلك نحتاج لإعادة تقييم جذرية لهذه التجارب ولتحديد مستقبل الحوار بين الأديان، وقد يكون قيام دولة المواطنة الحقيقية وضمان حقوق الإنسان ومواجهة الظلم والقمع والعنف والعنصرية هو الهدف الأساسي لهذا الحوار اليوم.

وعلى أمل أن يشكل تفعيل وثيقة الأخوة الإنسانية، وزيارة بابا الفاتيكان إلى العرق فرصة جديدة في هذا المجال.

twitter.com/KassirKassem