قضايا وآراء

كل ولي عهد حاكم هو مظلوم وظالم!

1300x600
إن القارئ الجيد للتاريخ ومقارنة الأحداث بعضها ببعض (على الطريقة الخلدونية) يدرك أنها كلها  متداخلة ومبنية في الأساس لدى معظم "الدهريين" من الناس على خدمة المصالح الفردية الأنانية تحت شعارات براقة وعناوين خداعة مغطاة بأغشية غير شفافة توحي للناظر في الظاهر بأنها تخدم المصالح العامة (الوطنية والقومية للدول والأمم والشعوب) ولكنها في حقيقة أمرها لا تخدم إلا مصالح أصحابها بكيفية مباشرة آنية أو غير مباشرة آنية ومن هنا نجد أن كل ولاية للعهد تدخل في هذا الإطار، وهي في الأصل نتيجة لحادثة بيولوجية غريزية نزوية دنيوية ليس لها أية علاقة بالبناء والإصلاح المعلن لخداع الَدهماء في عالم الملوك والأمراء... وهي أبعد ما تكون عن ذلك بطبعها لأنها لا تستند على أية أسس ومبادئ موضوعية تضمن الحد الأدنى من النجاح المأمول لخدمة الوطن والأمة ذلك أن المواهب والقدرات العقلية وحتى الجسمية للفرد المولود (الضحية الوارث للعرش) بكيفية قسرية أو قيصرية.. بموجب أوراق الحالة المدنية التي تكسبه الشرعية في الأنظمة الملكية.!!

ولذلك يحق القول إن كل ولي للعهد من هذه الناحية يكون مظلوما لأنه ليس هو الذي اختار والده الحاكم ومورثه القسري الظالم... وليس هو الذي اختار أيضا ترتيبه ضمن إخوته من أبناء أمه (الضرة) لأمهات أخوة آخرين له من المستحقين لوراثة الولاية التي هي في الحقيقة وسيلة وفي الوقت ذاته غاية للوالد المورث من المولود الوارث، الذي لم يختر على أساس قدراته الجسمية أو مواهبه العقلية ولا حتى ميوله الفطرية التي قد تكون بعيدة كل البعد عن السياسة والحكم والصرامة والحسم والقسوة والحلم..!؟

وهناك أمثلة حية وكثيرة من الواقع المعيش لكل حالة من هذه الحالات في عالمنا المعاصر لا يمكن أن تخفى على أي ملاحظ نبيه غير معوق الذهن أو كليل البصر ضمن سكان البلد والعشيرة في الأمة أو (في الحظيرة!؟) 

وليس للفرد الوارث لولاية العهد في غالب الأحيان حول ولا قوة (وهو في رحم أمه) ولكنه نظرا لكون شروط الولاية بالوراثة رست عليه دون إرادته ودون رغبته (في بعض الحالات النادرة؟!) وبالتالي دون قدراته الفطرية المطلوبة للولاية.. وهو معرض في هذه الحالة أحيانا للإكراه من ولي أمره واتهامه بالتقصير والعقوق إن رفض القيام بواجب البنوة نحو الأبوة في الطاعة والإحسان كما هي مشرعة في كتاب الله بالنسبة للمسلمين وولاة أمور المؤمنين..!؟

فيجد ولي العهد المسكين نفسه في هذه الحالة مكرها على العرش اللعين... ومن هنا فهو ضحية نزوة حاكم وشهوة ظالم في الحقيقة إما في الظاهر إن لم يرفض الولاية (ومن النادر أن يرفض لعدة اعتبارات...!؟) فإن أقل ما يقال عنه أنه ابن بار بوالده طائع لخالقه مغلوب على أمره وربما مظلوم في حق نفسه ولكنه في الظاهر غير ظالم لغيره!!

غير أنه إن قبل ولاية العرش وفتنة الحكم دون تحفظ ومراعاة وزر المسؤولية يوم الحساب (الدنيوي أو الأخروي أو كليهما معا) أو سعى إلى افتكاك ولاية العهد (من مستحقين آخرين) بالحيل والدسائس  والمؤامرات والخيانات والانقلابات والمبايعات الصورية...!!

ففي هذه الحالة يكون الساعي لها في ذاتها ولذاتها دون أن يكون أهلا لها من ناحية السجايا والمواهب والقدرات الفطرية النوعية اللازمة لإدارة شؤون البلاد وتحمل أوزار العباد.... يكون حينئذ ظالما لنفسه  وللرعية التي لم يكن لها الخيرة في مبايعته عن طواعية بعيدا عن سيف الحجاج والهتاف (بحياة طويل العمر وهبة العصر) وهز الأرداف أمام الكاميرات العفوية الظاهرة والخفية!!؟؟

فالرعية في هذه الحالة لم يكن لها الخيار أن تبايع من تختار لحكمها وبالتالي الحق في أن تقاومه أو تقومه إن خرج عن طاعتها وخط سيرها في الأحكتام إلى قانونها العرفي أو الوضعي أو السماوي الذي لا طاعة فيه لأي مخلوق فاسق أو مارق في معصية الخالق....!؟ 

بيد أننا نلاحظ في غالب أوضاعنا (الاستثنائية) في معظم أقطار وأنظمة أمتنا الإسلامية أن الحالة السائدة والغالبة هي النزعة الأنانية ذات التأثر بالنزوة أو النزغة الشيطانية (الإنسية) التي تجعل مورث العرش لولي عهده يفرض الولاية عليه طوعا أو كرها... لا لشيء إلا رغبة من ولي الأمر الهالك في تحدي الموت ذاته بضمان استمرار ظله أو ظلمه من بعده في الاستبداد والفساد والتحكم المتوارث في رقاب العباد ورهن مصير البلاد إلى يوم الميعاد!!؟؟ 

وهنا تحضرني قصة الفيلسوف الإنجليزي الساخر (برنارد شو) مع تلك الغانية الفاتنة التي عرضت عليه الزواج مبررة عرضها بقولها للفيلسوف إنها تريد أن تتزوج منه لينجبا مولودا محظوظا يرث عبقريته الفذة وجمالها الفتان فأجابها ببداهته وصراحته المعهودة: "إن ما أخشاه هو أن يرث هذا المولود البريء قبح  وجهي وغباء عقلك!!"...