كتاب عربي 21

لماذا يحتقر الحاكم العربي شعبه؟

1300x600
لا تقدم الورقة إجابة عن السؤال، بل تحاول فهم ما جرى ويجري لعل أن يجد أحدهم طريقا إلى حل جذري ذات يوم. فقد أثارت التهاني التي يوجهها تونسيون للشعب الجزائري بذكرى ثورته في نفسي السؤال التالي: هل أن من حكم الجزائر باسم الثورة قد حكم بما يليق بمليون شهيد؟ أليس الثمن الذي دفع من أجل الاستقلال والسيادة أكثر من المكانة التي يحظى بها المواطن الجزائري في دولته بعد نصف قرن من الدولة الوطنية المستقلة ذات السيادة؟

لقد أظهر الحكام العرب في مختلف الأقطار تمايزا في الخطاب والشعارات ومارسوا السلطة بطرق مختلفة، ولكن ما الفرق بين نظام جمهوري وآخر ملكي في الممارسة السياسية وفي النتائج الحاصلة على الأرض؟ لقد عايش الحكام العرب أزهى ممارسات الديمقراطية الغربية في النصف الثاني من القرن العشرين، ولكنهم لم يقلدوها وبقوا أسرى الموروث السلطاني العربي. هل يكفي التبرير بالهيمنة الغربية على العالم؟ لماذا لا يحتمي الحكام بشعوبهم من هذه الهيمنة؟ الأسئلة أكثر من الأجوبة، ولكن سندفع هذه التأملات خطوة أخرى إلى العمق.

حاكم عربي واحد بخطابات متعددة

لم أجد فرقا بين عدي صدام حسين وبين محمد بن سلمان إلا في طريقة استعمال المنشار لذبح من يعارضهما، ومثلهما وجدت سيف الإسلام القذافي (ليبيا) وعلاء مبارك (مصر) وابن الرئيس اليمني (ماذا كان اسمه؟)، أما بشار الأسد فقد عدل دستور سوريا من أجله في ربع ساعة ليكون وريثا جمهوريا لدولة ليست مملكة، ولكنها واقعة في قبضة أسرة واحدة حتى صار المواطن العربي يدعو الله أن يكون حاكمه عقيما، لا بل إن فقد الحاكم لوريث ذكر قد أطمع زوجة الرئيس التونسي في الحكم.

إن نصف القرن العشرين الثاني وبداية القرن الواحد والعشرين هي حقبة احتقار الحكام العرب لشعوبهم؛ احتقارا أودى بمقدرات هذه الشعوب وسامها الخسف والذلة والهوان بين شعوب العالم. والأدهى أن ذلك كان يجري بموازاة تقدم الديمقراطيات بجوار الدول العربية وازدهار شعوب كثيرة، بما في ذلك الشعوب الأفريقية التي طالما نعتها العرب بالبدائية والتخلف.

إن الجامع بين سلوك هؤلاء الحكام هو الاستهانة بشعوبهم، بقطع النظر عن مستويات هذه الشعوب الفكرية، وعمق تعلمها ووجود نخب فكرية بينها تمكنها المساهمة في صنع القرار العقلاني النافع لإدارة الدول والنهوض بالشعوب من ميراث القرون البائسة. وإنها لمفارقة عجيبة، فبقدر ما كانت نخب هذه البلدان تتعلم وتتطور، كان حكامها يمارسون الحقرة والامتهان للنخب الناشئة وللشعوب الكادحة في ذات الوقت.

وما يزيد الأمر سوءا أن لهذه الدول مقدرات اقتصادية عظيمة تسمح ببناء التنمية والديمقراطية، ولكن النتيجة لا تختلف عن حال الشعب الجزائري الغني الذي لا ينتج غذاءه رغم ثرواته الباطنية ومجاله الجغرافي، وسمعته كشعب دفع مليون شهيد ليكون على خريطة العالم المتقدم.

كذبة التوازن الاستراتيجي مع العدو

هذه الجملة تحولت إلى نكتة لا تضحك القردة. خمس أنظمة عربية ذات نفس قومي عربي صدعت آذان شعوبها والعالم بخرافة التوازن الاستراتيجي مع العدو، فأجّلت الديمقراطية والتنمية باسم استكمال عملية التحرر الوطني (القومي)، فكل المقدرات مجيّرة للمعركة القومية، وبعد سبعين عاما أكل العدو الأرض كما يأكل فأر ذكي وصبور قطعة الجبن في الصور المتحركة، والشعوب التي آمنت بخطاب حكامها وصدّقته وانخرطت فيه بالدم والدموع وصبرت على مطالبها القطرية في التنمية والحرية؛ لم تفقد فلسطين فقط، بل فقدت أرضها التي تقيم عليها، وسكن العدو قصور حكامها يملي عليها، ومع الوقت صار هو مصدر الشرعية والسبب الوحيد للبقاء في الحكم، وما عمليات التطبيع الجارية إلا ملحق بائس لخرافة التوازن إياها. لقد انهارت الخرافة بمن زعمها وساقت معها الجميع.

كان يكفي أن يذكر الحاكم العربي تحرير فلسطين ليتوقف المواطن العربي عن كل مطلب خاص، والآن تصير هذه الكذبة الرسمية سببا لتخلي الشعوب العربية عن فلسطين. لقد فقدت ثقتها في كل خطاب قومي كاذب ومزيف. وإنه ليؤلمنا أن نكتب أن النظام السوري الذي زعم المواجهة وعاش بخطاب التوازن الاستراتيجي؛ قد قتل من شعبه أكثر مما قتل الصهاينة من العرب طيلة سبعين عاما باسم تحرير فلسطين. أما شعب مصر فقد انتهى يشرب مياه الصرف الصحي ويحرس حدود العدو كي لا تزعجه المقاومة الأخيرة المتبقية. وأما قيادة الشعب الفلسطيني فقد انتهت إلى دورية أمنية تنسق مع تساحال لقمع آخر مقاوم محتمل.

كذبة بناء الدولة دون الحرية والديمقراطية

من لم يشارك بحماس من حكام العرب في الكذبة الأولى ابتدع كذبة ثانية سماها بناء الدولة أولا إلى حين الوصول إلى بناء الديمقراطية والحرية، كأن المسارين متناقضان وليست الحرية شرطا لقيام الدولة. باسم بناء الدولة صادر حكام عرب حرية شعوبهم، ومنهم خاصة دول المغرب العربي التي حمتها الجغرافيا من أن تكون دول مواجهة للعدو، فبررت بغير الكذبة الأولى، ولكن بين الكذبتين رابط متين؛ هو أنه يمكن الكذب على الشعوب لأنها غبية أو جاهلة، أو بكل بساطة لا تستحق الاحترام ويمكن العبث بها طبقا لهوى الحكام.

لم تبن الديمقراطية ولا توسعت الحريات ولم تحدث التنمية، فلم تبن الدول نتيجة لذلك. رايات وأناشيد وطنية وألقاب سلطنة في غير موضعها، ومكانة ذليلة بين شعوب العالم؛ منطلقها الأول أن كل حاكم عربي وصل إلى سدة الحكم مارس احتقار الشعب ولم يره إلا قطيعا بلا عقل ولا طموح. ونظن أنه لم يحظ حاكم بحب شعبه مثلما حظي بورقيبة بحب التونسيين، لكنه جر شعبه إلى حفرة الدكتاتورية والفقر، وقمعه وأفقره حتى صار من أكبر الشعوب المهاجرة إلى كل مكان هربا من الدولة التي سامته الخسف.

دول ليست أكثر من أجهزة لتعذيب الشعوب وتجويعها ودفعها إلى الهجرة أو الانتحار أو ممارسة الإرهاب الانتقامي ضد العالم. إن مقادير الثروات المتاحة لحكام العرب والفقر الذي تعيشه شعوبها يكفي دليلا على فشل هؤلاء الحكام، والجزائر منطلق السؤال في هذه الورقة أكثر الأدلة وضوحا.

هل الشعوب العربية بريئة مما يجري؟

هذا السؤال يخدم من يحتقر الشعوب ويبرر لها بإلقاء المسؤولية عليها لتخفيف العبء على الحكام. إنه سؤال تبريري يهرب من مواجهة الحقيقة، فالشعوب العربية آمنت بكل الخطاب الجميل وسارت فيه مجاهدة. وأجزم أن كل جيل عايش انقلابا عسكريا منذ حسن البكر إلى ناصر إلى نميري إلى القذافي إلى ابن علي وسمع خطاب الإنقاذ الوطني؛ قد تحمس له وصبر عليه حتى يتحقق.

كان يطلب من الشعوب الحماس للتغيير فتتحمس وتأمل خيرا، ولكن بعد كل انقلاب أو ثورة مزعومة تتكشفت لها الخديعة، فتنكسر نفوسها وتتحول بالقوة والقهر إلى قطعان هائمة وراء عيش ذليل. لكنها رغم ذلك قاومت بصبر واستأنفت نضالاتها من تحت الركام، وليس الربيع العربي إلا محطة مقاومة من أجل الحريات والديمقراطية والتنمية، وإنهاء الحقرة الرسمية التي مورست عليها. الشعوب ليست مدانة، وإن كان كثير منها قد سلّم وخضع وبرر للدكتاتورية وارتزق من خدمتها.

في محطات كثيرة كان الحكام يبررون القهر بما يمارس عليهم من الخارج من ضغوطات سياسية، ولكن لا أحد منهم يجيب شعبه عن السؤال البسيط والواضح: لماذا لا تحتمي بشعبك من الضغوطات الخارجية؟ لقد كانت طاعة الشعوب لحكامها رسائل قوية مفادها نحن وراءكم من أجل الاستقلال فقاوموا بنا ولنا، ولكن الرسائل لم تكن تصل إلى سمع حكامها. هل كانت لذة السلطة وحدها كافية لتبرير كل هذا الدم والخسارات؟

نحتاج هنا إلى أكثر من علم الاجتماع والتاريخ، ربما نحتاج إلى أطباء نفسيين مقتدرين لنفهم هذا الكم من الظلم والقهر والخديعة، ربما سيساعدنا ذلك لفهم كيف يتحول حتى الرئيس المنتخب من أجل شعار "التطبيع خيانة عظمى"؛ إلى مطبع يقبّل كتف عدوه ويبرئه من جرائم احتلال بلده، ليضمن بقاءه في منصبه ويواصل (وهو الذي أتى إلى الحكم بالصندوق لا بانقلاب عسكري) البقاء في كرسييه بإسناد خارجي، يعادي شعبه ويواصل الاحتقار الديمقراطي.