كتاب عربي 21

خريف تطبيع دول الريع

1300x600
في خطاب ترامب إثر الإعلان عن قرار دولة البحرين اللحاق بالإمارات والتطبيع رسميا مع إسرائيل، قال من ضمن ما قاله: "حتى المحاربون العظام يتعبون من القتال".

عمن يتحدث الرئيس الأمريكي؟ الجيش البحريني الباسل الذي قضى عشرات الأعوام على الجبهة؟ أم جيش الإمارات الصامد الذي أتعب إسرائيل في مقاومة لا تنتهي؟

الحقيقة أن الطرفين، وستلحق بهما السعودية قريبا، كانا مجرد تعبير عن منظومة ريعية نفطية؛ لا تنتج إلا التواكل على منظومة أمنية أمريكية في المنطقة، وكانت إسرائيل أحد أهم أركانها. يذكر شوارزكوف في مذكراته عن حرب الخليج الأولى؛ التنسيق بين تل أبيب والرياض عبر القيادة الأمريكية، حتى طلب الملك عدم رد إسرائيل على الضربات الصاروخية العراقية، حتى لا يتم جلب التعاطف لصدام.

بل إن شراءات الأسلحة الضخمة السنوية لهذه الدول كانت لتمويل الصناعة العسكرية الأمريكية ضمن صفقة "الأمان مقابل النفط"، ولم تصلح ألبتة لبناء جيوش في هذه الدول، وأفضل الأمثلة عجزها، رغم أحدث الأسلحة، على إحداث تقدم أمام قوات الحوثيين ضعيفة التسلح بالمقارنة.

يبقى أن ما يحصل، وهو الانهيار التدريجي للصورة الوهمية لسياسة عربية مشتركة في دعم الحق الفلسطيني، إنما هو في الأصل تعبير عن انهيار النظام العربي الرسمي المتهالك، وبزوغ عصر جديد قادم لا محالة؛ نظام الشعوب وإرادتها المتماهية مع الحق الفلسطيني.

دولتا الإمارات والبحرين لا تمثلان خطرا حربيا على إسرائيل، ولن تسترجعا أرضا حتى يمنحاها "سلاما". هما فقط قطعتان من الخليج العربي وشبكته اللوجستية-الطاقية يمكن لإسرائيل تعرية علاقتها بهما، القائمة فعلا منذ عشرين سنة، للانطلاق عمليا في أحد أهم مشاريعها الإقليمية: أنبوب النفط "إيلات- عسقلان" (الذي سيربط بين البحر الأحمر والمتوسط) في إطار مشروع "إيست ميد" (EastMed)، الذي يجسم تحالفا إقليميا في شرق المتوسط للسيطرة على الاحتياطات البحرية للغاز (تحالف إسرائيل- مصر- اليونان). الأنبوب سيجعل إسرائيل القناة الرئيسية لشحنات النفط من دول الخليج إلى المتوسط، والسعودية ستكون مكونا أساسيا في هذا المشروع وفقا للتصور الإسرائيلي- الأمريكي.

التطبيع ليس هنا إلا حلقة أخرى لتعزيز الهيمنة الإسرائيلية في المنطقة، وليست مسألة إنشائيات. طبعا الخضوع الرمزي الإماراتي- البحريني للإرادة الإسرائيلية مهم من حيث تسجيل النقاط على الطرف الفلسطيني بهدف عزله عن محيطه العربي، دفعا له للتسليم في حقوقه الأساسية.

وهذا يحيلنا على جوهرية "التطبيع" في الاستراتيجية الإسرائيلية، بمعزل عن السياقات الخصوصية لكنْ زمن جيوسياسي. فمثلما أوضحت في مقال سابق (بالاسم المستعار الذي استعملته قبل الثورة: الطاهر الأسود)، السؤال الأساسي: هل نحن بصدد خطاب "سلام" استثنائي و"حالم" يدعو للتفاهم بمعزل عن أي رؤى سياسوية، أم إننا بصدد رؤية ثابتة تعتبر مطلبية "التطبيع" خطة سياسية وصيغة أساسية للتملص، تحديدا من أي إمكانية لإقامة "سلام عادل وشامل" في المنطقة؟

كان مطلب "التطبيع" قبل عقد اتفاقية "الحل النهائي" (أي حل القضية الفلسطينية) بشكل دائم في صدارة المطالب الإسرائيلية في أي مفاوضات مع الجانب العربي. سأكتفي هنا بعرض محطات محددة للتدليل على ذلك.

أولا، مثلما توضح إحدى وثائق الأرشيف السري الأمريكي، فخلال مفاوضات "كامب ديفيد" سنة 1978 كان من الواضح أن مطلب "التطبيع" مع الطرف المصري كان على رأس أولويات الجانب الإسرائيلي. والمطلب كان مرتبطا بفصل المفاوضات حول سيناء عن أي مطالب أخرى في علاقة بالقضية الفلسطينية. وبمعنى آخر، كان الإسرائيليون يرغبون في تطبيع العلاقات مع مصر من دون الالتزام بأي حل في علاقة بالصراع الأساسي في المنطقة، وهو احتلال الأراضي الفلسطينية.

ثانيا، سبق التحضير لـ"مؤتمر مدريد" بداية التسعينيات ورقة لإسحاق شامير عرفت باسم "خطة الأربع نقاط" (Shamir’s four-point plan). وكانت تلك الورقة المرجعية الرئيسية بالنسبة للإدارة الأمريكية في أثناء التحضير للمؤتمر. ومن بين الأربع نقاط تبين أن النقطة الثانية كانت على رأس أولويات الجانب الإسرائيلي، وتتعلق هذه النقطة بمطلب إسرائيلي يتمثل بتطبيع العلاقات مع مجمل الأطراف العربية، من خلال مفاوضات ثنائية مباشرة، قبل التوصل لأي حل سياسي نهائي في القضية الفلسطينية، وذلك "لبناء جو من الثقة".

ثالثا، في وثيقة اتفاقية "معاهدة السلام الأردنية الإسرائيلية" (المعروفة باتفاقية "وادي عربة") الموقعة سنة 1994، كان من بين البنود الأولى القسم المتعلق بشكل واضح بـ"التطبيع الثقافي"، بما في ذلك تغيير المناهج الدراسية الحكومية. وهو ما اشتمل على "الامتناع عن بث الدعايات المعادية" (في الأردن الذي قسم كبير من سكانه من أصول فلسطينية)، في وقت يستمر فيه احتلال الأراضي الفلسطينية والسياسات العدوانية والاستيطانية هناك.

هذا الثابت الإسرائيلي في علاقة بمحورية "التطبيع" هو ضمن إجماع إسرائيلي مستمر يقضي بمطلبية "التطبيع" قبل أي التزامات بالانسحاب، وهو ما يعني إفشالا لأي فرص جدية لـ"سلام عادل وشامل" في المنطقة، وفي المحصلة تأبيد وضع الاحتلال.

بالمناسبة، الموقف التونسي كما عبّر عنه بيان الخارجية منذ أسبوع، والداعم لمقترح البيان الفلسطيني المندد بالتطبيع في مضمونه (اعتبار مبادرة السلام العربية 2002 مرجعا وليس عمليات الصلح المنفردة) مقبول وحافظ على الحد الأدنى، رغم تأخر اتصالي كبير في صدور هذا التوضيح، مما سمح بترويج كذبة "تصويت تونس ضد القرار"، في حين لم يحصل أي تصويت أصلا. هناك الكثير لنقد قيس سعيد والسياسة الخارجية، ومنها طريقة التعيينات والتواصل حولها، وآخرها بيان الخارجية حول إعفاء مندوب تونس في الأمم المتحدة، لكن لا يشمل ذلك الموقف من التطبيع.. حتى الآن على الأقل.

twitter.com/t_kahlaoui