أفكَار

جامعة الزيتونة بين الارتهان للسياسي وأمل ردّ الاعتبار (2من2)

ندوة مشتركة بين جامعة الزيتونة والاتحاد العالمي لعلماء المسلمين حول تجديد الفقه الإسلامي عام 2012- (جامعة الزيتونة)

"جامعة الزيتونة"، هي أول جامعة أُنشئت في العالم الإسلامي، وهي من أقدم الجامعات في العالم، فقد انتظمت دروسها منذ 737م (120هـ)، بجامع الزيتونة بمدينة تونس لتكون منبر إشعاع ثقافي وديني في العالم العربي.

من الوجوه اللامعة لجامعة الزيتونة، التي تجاوز إشعاعها تونس إلى مختلف الأقطار العربية: الطاهر الحداد، وابن خلدون، والفقيه المفسّر والمحدّث محمد بن عرفة، وسالم بوحاجب، ومحمد النخلي، ومحمد الطاهر بن عاشور صاحب تفسير التحرير والتنوير، ومحمد الخضر حسين شيخ جامع الأزهر، ومحمد العزيز جعيط، والمصلح الزعيم عبد العزيز الثعالبي، وشاعر تونس أبو القاسم الشابي، والطاهر الحداد صاحب كتاب (امرأتنا في الشريعة والمجتمع).

ولأن التعليم هو أحد تجليات الإرادة السياسية، فإن جامعة الزيتونة، منذ استقلال تونس عام 1956، مثلت الواجهة العلمية للقيادة السياسية الجديدة، التي تزعمها الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة، والذي تمكن من تطويعها لتكون الذراع العلمية للتوجه التنويري والتحديثي الذي جاء به.

ومثله فعل خلفه الرئيس الراحل زين العابدين بن علي، عندما صعد إلى حكم البلاد خريف العام 1987، حين أعاد تقسيم جامعة الزيتونة وترتيب أقسامها لتكون جزءا من سياسات عامة يستطيع توجيهها والتحكم في مآلاتها.. 

يواصل الإعلامي والصحفي التونسي الحسين بن عمر، في الجزء الثاني والأخير من هذا التقرير الخاص بـ "عربي21"، تقليب تاريخ جامعة الزيتونة وما آلت إليه في عهد الثورة..  

ثورة شبابية تفتقد لبرامج سياسيّة

 

 
يرجع الدكتور فرج بالحاج، أستاذ التعليم العالي بجامعة الزيتونة، في تصريح لـ "عربي21"، أسباب تأخّر ردّ الاعتبار لجامعة الزيتونة إلى معطى رئيسي يتعلّق بطبيعة الثورة التونسية نفسها، التي لم تُسبق بثورة ثقافية ولم يقدها سياسيون لهم برامج وطموحات سياسية، ولا مثقفون لهم معارف ورؤى ووجهات نظر... وإنما قادها شباب أنهى دراسته واصطدم بمرارة الواقع الذي لم يجد فيه غير البطالة والتهميش. مضيفا أنّ أيّما ثورة اجتماعية، إذا لم تكن نتاج طبيعي لمسار فكري ومعرفي، فإنّه يصعب عليها بناء تصوّرات إصلاحيّة ومناهج تغيير كالتي تحتاجها الجامعة الزيتونية في أزمتها الرّاهنة. 

من جهته يوافق الدكتور عبد اللطيف البوعزيزي، أستاذ تعليم عال بجامعة الزيتونة، في تصريح لـ "عربي21"، الطّرح الذي انتهى إليه فرج بالحاج، حيث أكّد على أنّ عدم اقتران الثورة بمشروع إصلاحي واضح المعالم، .واقتصارها على الهبّة الشّعبية ضد الفساد الاقتصادي والاستبداد السياسي، هو الذي حال دون وعي النخبة المنتصرة للثورة بأهميّة معالجة الأسباب التي أدّت إلى تخلّف الجامعة عن لعب أدوارها الحضارية التي جعلت منها، عبر تاريخها الطويل، مؤصلة لمسائل الشريعة ومُنظرة لما يجدّ من قضايا، ودافعة للاستبداد والضيم على مختلف أنواعه.

 



في ذات السياق، أعرب البوعزيزي عن خيبة أمل النخبة العلمية، أساتذة جامعة الزيتونة على وجه الخصوص، في النخب الحاكمة ما بعد 14 جانفي 2011، بسبب فشلها في ردّ الاعتبار للصّرح الحضاري الكبير الذي تمثله جامعة الزيتونة، رغم كونها تُعدّ أحد الركائز الأربعة في البلاد التي تهتمّ بالشأن الديني.
 
الجامعة في مرمى التجاذبات السياسية

لم يخف عبد اللطيف البوعزيزي اتهامه لما أسماها بالأطراف السياسيّة المتحكّمة في جانب من المشهد السّياسي داخل البلاد، في إعاقة جامعة الزيتونة عن استعادة دورها الحضاري المنشود وبلوغ الدّرجة المرجوّة. مضيفا بالقول أنّ هذه الأطراف السياسية تُكنّ عداءا عميقا للزيتونة، وأنّها وظّفت جميع  الوسائل المشروعة وغير المشروعة بهدف تبخيس دور المؤسسة العلمي والحضاري والحدّ من جهودها ووضع العوائق والحواجز أمامها، والحطّ من رمزيتها التاريخية وإعاقتها عن الدّفع والانجاز والتفاعل الايجابي مع محيطها، فكان هذا التّيار شديد الحرص على تجاهل الجامعة وتقليص دورها حتى تظلّ بعيدة عن تحقيق النّهوض المطلوب والنّفع العام.

حديث البوعزيزي عن وجود أطراف سياسية متحكّمة في دوائر النفوذ السياسي، وتجدّف عكس تيّار تحديث جامعة الزيتونة، يؤكّده فرج بالحاج من خلال إقراره بوجود انقسام بيّن في المشهد السياسي إلى علمانيين بشقيهم اليساري والليبرالي، وإلى إسلاميين وعلى رأسهم حركة النهضة المشاركة في الحكم.

في هذا الإطار، يؤكّد فرج بالحاج على أنّ مشاريع الإصلاح الكبرى لا يمكن أن تبنى بنخبة منقسمة، تحرّكها الإيديولوجيا. مشيرا إلى عدم رغبة الأطراف العلمانيّة في إعادة الاعتبار لهذه الجامعة، لزعمها بأنّ جامعة الزيتونة تمثّل معقلا فكريا وسياسيا لطرف سياسي بعينه متمثل في حزب "حركة النهضة" ذات المرجعية الإسلامية. في نفس ذات السياق، يرى بالحاج أنّ "حزب "حركة النهضة"، وأمام كمّ الهرسلة الإيديولوجية المتواصلة، التي يتلقّاها من قبل خصومه الفكريين والسياسيين، صار يتحاشى الدفاع عن أي فكرة دينية حتّى لا يتّهم في مدنيّته، خاصّة في ظلّ وجود ظواهر مرضيّة في صفوف الأطراف العلمانيّة لا تتورّع عن إلصاق تهمة الإرهاب بكلّ من يخالفها الرأي".

 



من جهته يشير الدكتور محمّد الرزقي، أستاذ تعليم عال بجامعة الزيتونة، في تصريح لـ "عربي21"، إلى ما اعتبره عائقا إيديولوجيا كبيرا يحول دون تطوير الجامعة واستقلاليتها وردّ الاعتبار إليها. ويتمثل هذا العائق في ترويج فكرة مفادها أنّ جامعة الزيتونة باتت اليوم محسوبة على طرف سياسي بعينه، ألا وهو حزب حركة النهضة، رغم أن ذلك قد يكون مجرّد تخمينات. أي وكأنه كُتب على الجامعة أن تظلّ ضحية في السنين اللاحقة للاستقلال وهاهي إلى اليوم تدفع ضريبة التجاذب السياسي القائم في البلاد. في الوقت الذي تحتاج فيه الجامعة إلى تكاتف النخب الفكريّة والسياسيّة، على أمل الرقي بمضامينها التعليمية والنأي بها عن ساحة التجاذب السياسي الهدّام.

في هذا الإطار يشير الدكتور عماد السهيلي، أستاذ محاضر في علم الكلام وعلم المنطق بجامعة الزيتونة، في تصريح لـ "عربي21"، إلى أنّ "الجانب العلمي والأكاديمي تتجاذبه التيارات الفكرية والسياسية على حساب القيمة العلمية، ممّا يكبّل حرية العمل الأكاديمي وثرائه. صراعات سياسية ألقت بضلالها على مناخ البحث العلمي داخل الجامعة. حيث تقدمنا بمشاريع تطوير المناهج ولكن من المؤسف أن أذكر هنا أن الخلفيات السياسية هي من عطّلت هذه المشاريع الجديدة. وقد انحدر المستوى حد إصدار الجامعة لبيانات اصطفاف سياسي في الوقت الذي كان يفترض في مؤسسة أكاديمية بحثية تقديم دراسات علمية لا بيانات سياسية وجمعياتية فيما يتعلق بالقضايا المجتمعية المطروحة مثل مسألة الميراث. من جهة ثانية من المؤسف جدّا أن يكون المجلس العلمي لا صلة لأعضائه بالاختصاصات الدينية في جامعة الزيتونة بل هم مختصون في التراث ! ومن المؤسف جدّا أن تكون كلية الزيتونة هي الوحيدة التي تعرف نجاح بنسبة مائة بالمائة بل أنه تفطّنا إلى وجود أساتذة لا يقومون بإصلاح الامتحانات ويتم إسناد الأعداد خارج معايير الإصلاح العلمية المتعارف عليها وهو ما يمس من مصداقية الشهادة العلمية. ثمة رسائل ماجستير ورسائل دكتوراه هي دون المستوى العلمي المطلوب.كلّ هذا بفعل غلبة التسيّس على حساب سمعة الشهادة العلميّة. في مثل ظروف العمل هذه ومناخاته المعطّلة لا يمكن الحفاظ البتة على الحرية الأكاديمية التي ننشدها".

فضاء دراسي لا يليق بالجامعة

يشير الدكتور محمد الرزقي، أستاذ التعليم العالي ومدير دراسات سابق بجامعة الزيتونة، إلى ضيق الفضاء التعليمي المخصّص للجامعة، مشدّدا على أنّه فضاء لا يليق بالمرّة بجامعة في عراقة الزيتونة، التي تحوي أربع مؤسسات، ثلاث منها مؤسسات علمية: المعهد العالي لأصول الدّين ومعهد الحضارة الإسلامية ومعهد العلوم الإسلامية بالقيروان. مضيفا أنّ معهد الحضارة في وضعية متهالكة وجزء منه آيل للسقوط، وهو عبارة عن مدرسة ابتدائية. أمّا معهد أصول الدّين فهو يحوي فقط على ثلاثة مدرجات و22 قاعة لمجموع 800 طالب في صنف الإجازة وأكثر من ألف طالب دراسات عليا. في حين أنّ معهد العلوم الإسلامية بالقيروان هو مقر جمعية تبرّع بها رجل أعمال.

ويتساءل الرزقي باستغراب شديد أن كيف لميزانيّة جامعة في قيمة والزيتونة وعراقتها لا تتجاوز 900 ألف دينار، وكيف لا تتجاوز ميزانية معهد الحضارة مستوى 90 ألف دينار. وهو ما جعل أسطول التجهيز المسخّر على ذمّة الطّلبة، حافلات وغيرها، ضعيف جدّا ولا يشجّع على القيام بالأنشطة العلميّة اللازمة. هذا فضلا عن مقرّ الجامعة "المحاصر" في فضاء ضيق جدّا. 

ويتأسّف الرزقي عن عدم استثمار الفرصة الوحيدة التي أتيحت لتحسين الفضاء زمن وزارة الراحل المنصف بن سالم، وزير التعليم العالي والبحث العلمي سنة 2012، الذي أبدى استعدادا وتعاونا فعليا لتحسين مقر الجامعة إلا أن تسارع التوترات السياسية حينها حال دون تفعيل ذلك.

في ذات السياق يؤكّد الدكتور عماد السهيلي على أنّ ظروف العمل الحالية وما تتسم به فضاءات التدريس من إهمال وضعف بنية تحتيّة لا تشجّع لا الطالب ولا الأستاذ ولا الإداري على العمل والتميّز.

 



ويشير السهيلي بأسف كبير إلى ما أسماه بالإفشال المتعمّد لمشروع بناء مركّب جامعي جديد خاص بجامعة الزيتونة كان على وشك التحقق زمن رئاسة عبد الجليل سالم رئاسة الجامعة، والذي كان مبرمجا له أن ينجز بجهة مرناق وكان سيضمّ ستّ كليات كاملة، من بينها كلية خاصة بالفنون واللغات. وكان مبرمجا له بالقرب منه مبيتا للطلبة. وتم التبرّع بقطعة الأرض من قبل رجل أعمال كان متهما بالفساد في الفترة السابقة للثورة. ويضيف السهيلي أنّ المشروع قد تمّ إفشاله عبر عراقيل إدارية غير مبررة رغم تطوّع أحد رجال الأعمال بقطعة الأرض المخصصة لبناء المشروع.

الجامعة في مرمى التشويه الإعلامي

في الوقت الذي كانت فيه الجامعة في حاجة أكيدة إلى دعم إعلامي يرفع عنها وعن طلبتها ما لحقها من تهميش وتشويه طيلة عقود طويلة، عبّر محمّد الرزقي عن امتعاضه الشديد  من إثارة الإعلام وصناع الرأي لقضايا محسومة، ليس بغاية النقاش العلمي أو الفكري الرّصين وإنّما بغاية الإثارة لا غير، من قبيل مسألة المساواة في الميراث ومسألة زواج المرأة المسلمة من الرجل غير المسلم. أو مسائل تفصيلية في الفقه كالطهارة . في الوقت الذي وقع فيه تغييب الرؤى الفكرية المتعلقة بالرؤى وبطرق الدّعوة وبالهوية وبالإلحاد فقد تمّ تغييبها بالكامل. ممّا حاصر إشعاع الجامعة.

نقاط ضوء مشرقة

رغم ضعف الإمكانات الماديّة الموضوعة على ذمّة جامعة الزيتونة، قبل الثورة وبعدها، يشير د. محمّد الرّزقي بفخر إلى ما تمّ تحقيقه بعد الثورة من تحوير لبرنامج التعليم بعد حوالي 30 سنة من العمل على برنامج لا يستجيب للحد الأدنى من تطلّعات الجامعة وطلبتها. كما وقع تشعيب الشعب، ممّا وفّر للطلبة خيارات متعددة. فـ"الزيتونة اليوم ورغم كل النقائص التي أتينا عليها وأتى عليها الزملاء فقد صارت قبلة الباحثين من دول كثيرة. وهي الجامعة الوحيدة التي قدم إليها الطلبة بمقابل مادّي قد يصل إلى ما يقارب 10 آلاف دينار، هي كلفة الطالب الواحد مثلا في اختصاص المالية الاسلامية المستحدث بعد الثورة.

من النقاط المضيئة الأخرى، يشير الرزقي إلى تحسن ملحوظ على مستوى مواضيع رسائل الماجستير والدكتوراه، وكذلك تحسّن مستوى مناقشة هذه الأطروحات بعد سنوات غير قليلة من تدني مستوى الشهادات الجامعية بالجامعة. هذا فضلا عن إحداث شعب جديدة تختص بتثمين الفنون الاسلامية كالتزويق على الخشب وترميم المخطوطات وكذلك تمّ إحداث شعبة الفكر المعاصر وشعب التراث والملتيميديا والبيداغوجيا الحديثة.

أبانت التصريحات المختلفة للإطار التدريسي والبحثي بجامعة الزيتونة عن وجود معوقات إدارية وسياسية تحول دون استعادة هذا الصرح العلمي والديني لمقومات أدواره الحضارية والعلمية والدينية. كما أنه قد يكون من المفيد النأي بهذا المعلم الحضاري عن مساحات التجاذب السياسي والفكري والعمل على ردّ الاعتبار لمدرسة فقهية وسطية، تملك من الرصيد التاريخي والمعرفي ما يؤهلها أكثر من غيرها للدفاع عن حضارة القلم والقبول بالآخر في مناخات إقليمية ودولية يسومها التشدد والانغلاق.

 

إقرأ أيضا: جامعة الزيتونة بين الارتهان للسياسي وأمل ردّ الاعتبار 1من2