قضايا وآراء

المكارثيون الجدد

1300x600
يقول الكاتب الفرنسي "جوستاف لوبون" في كتابه "سيكولوجية الجماهير": "وأمّا الذين لا يُشاطرون الجماهير إعجابها بكلام الزعيم يُصبحون هم الأعداء.. منطق جماهيري قديم لا يعرف غير الولاء المطلق للحاكم، ووصم كل مخالف لسياسته بالخيانة وعدم الوطنية. ولم أسلم أنا شخصيا من هذا الاتهام الخالي من أدنى درجات الواقعية والعقلانية، أثناء تفاعلي مع الأحداث في مصر، بعد كتابة رأي على صفحتي في فيسبوك أعبر فيه عن وجهة نظري في ما يحدث، منتقدا سوء الأوضاع التي وصلت إليها مصر في عصر هذا النظام، وأن الثورة باتت واجبة من أجل التغيير وإخراج مصر من قمقم الفساد والاستبداد.

اتهمني صديقي بعدم الوطنية، وأن الستار أزيح عني وظهرت حقيقتي أني منتم لتيار الهدم، ودخل آخر يفسر كلامي بأنه دعوة لتدمير مصر. ولا أجد مبررا لهذا الهجوم، لا سيما وأن كلامي كان في إطار المصلحة العامة للوطن، وإنهاء معاناة المصريين بعد ست سنوات من الفقر والبطالة والفساد، لكني توقفت قليلا أمام هذه الظاهرة.. ظاهرة إلقاء التهم الجاهزة لمجرد أنك مخالف لغيرك ولا تسير في ركب النظام تصفق وتهتف كما يفعلون.

وعدت بالذاكرة للوراء، وبالتحديد في الولايات المتحدة الأمريكية فترة ما بين 1947 وعام 1957، عندما ظهر مصطلح المكارثية، نسبة إلى السيناتور الأمريكي جوزيف مكارثي)، الذي وقف يوما في ذكرى ميلاد الرئيس "أبراهام لينكولن" ليعلن أن وزارة الخارجية الأمريكية مليئة بأعضاء الحزب الشيوعي ويعملون جواسيس لروسيا، وأخرج ورقة من جيبه تضم حوالي 200 شخص يتهمهم بخيانة أمريكا، وتجرأ مكارثي باتهام قيادات دبلوماسية رفيعة المستوى، مستغلا حالة التأييد الأولية للمكارثية بين الأمريكيين خوفا من تمدد الشيوعية داخل البلاد.

ومن هنا بدأت حملة ملاحقات كبيرة للنيل من المعارضين، ومن يشتبه فيه أنه يميل إلى الشيوعية، فتحولت المكارثية إلى أداة قمع لكل مخالف للرأي ومعارض لسياسة الولايات المتحدة. ولم يكتف مكارثي بالولايات المتحدة الأمريكية، بل خرج يجوب أوروبا لوضع المخالفين والكتاب اليساريين في قائمة سوداء أوروبية!

تحولت المكارثية إلى فزاعة للأمريكيين، حتى امتدت لجميع القطاعات الأمريكية وتم فصل آلاف الموظفين بتهم ملفقة. وتعاون مع مكارثي مكتب التحقيقات الفيدرالي في تمرير وثائق تبدو كأنها تحمل أدلة تجسس ضد المئات من المهنيين والمدرسين والمحامين وغيرهم، ليتم فصلهم والتحقيق معهم. كما طالت المكارثية المشاهير من الكتاب والفنانين والسياسيين البارزين، أمثال مارتن لوثر كينج وأينشتاين وا?رثر ميللر وتشارلي شابلن.

تهم فضفاضة وجهها مكارثي لكل من يراه من وجهة نظره عدوا للوطن، داعيا الأمريكيين إلى طرد جميع الخونة من المناصب الإدارية المختلفة. لكن الأمر لم يستمر طويلا، فبعد خمس سنوات من الرعب بين الأمريكيين بدأت تنمو حالة من الوعي بين المواطنين، وقام كل من الإعلامي إدوارد مارو والكاتب أرثر ميللر بالتصدي لمكارثي وفضح دعواته الهدامة لتمزيق النسيج المجتمعي وقمع الحريات، في بلد يعد من رواد حرية الرأي والتعبير في العالم، وساندتهما في ذلك مجموعة من المثقفين والصحفيين لوضع حد لهذا الإرهاب الفكري القائم على التشويه والإقصاء لكل صوت معارض في الولايات المتحدة، وأن مواجهة أي خطر مهما كانت خطورته لا ينبغي أن يكون على حساب حرية المواطنين وسمعتهم.

انتهت المكارثية بعد حملة وعي شارك فيها دعاة الفكر والتنوير عبر تفنيد دعاويها الكاذبة، واتهم جوزيف مكارثي بالتزوير إلى أن مات مدمنا عام 1957. لكن فكرته لم تمت، وظلت جذوتها مشتعلة تحت الرماد إلى أن جاء الربيع العربي بثوراته على الأنظمة المستبدة، لتعود المكارثية من جديد بنكهة شرقية أكثر تطرفا، كتهمة معلبة يُرمى بها كل مؤيد للتغيير، من قبل الفئات المنتفعة من بقاء الفساد واستحكام الظلم.

إن حرية الرأي ليست جريمة، والاختلاف في الرؤى والمواقف ليس دليل خيانة، بل الخيانة الحقيقية هي تجميل الفساد وتبرير العدوان والتنكر لما يمر به الوطن من أزمات طاحنة وضيق في الحريات تحت ذرائع واهية، كالحفاظ على الأمن القومي، ومحاربة الإرهاب، ومواجهة أهل الشر، في حين أن هذه الأنظمة ومن يسيرون في ركابها يمارسون كل أنواع الإرهاب الفكري والسلوكي بحق أي معارض لهم، والسجون الممتلئة بالشباب والفتيات شاهد على هذا الإرهاب. فالأنظمة المستبدة تتفنن في صناعة عدو لها من أجل بقاء شرعيتها الزائفة والحفاظ على تماسكها والسيطرة على الجماهير، يساعدهم في ذلك إعلاميون منافقون ومواطنون منتفعون.