قضايا وآراء

العسكري المتنمر على مصر

1300x600
لا يشبه عبد الفتاح السيسي أي من أسلافه الديكتاتوريين، كما لا يشبه أحدا من معاصريه.. هو نموذج مكتف بذاته، وخاصة لجهة الخطاب السياسي والتعامل مع الشعب.. لا يملك كاريزما تعينه على تمرير سياساته القمعية والنفاذ إلى كتلة جماهيرية وازنة يستند إليها في مواجهة خصومه، بل هو لا يحتاج حتى للشرعية التي قد تأتي من وراء هذه الكتلة الجماهيرية.

يطرح السيسي نفسه على أنه أكثر من ضرورة، ومنذ البداية صوّر استيلاءه على السلطة كنوع من التضحية يُقدم عليها خدمة لمصر، وعلى المصريين تقدير ذلك وعدم نسيانه، ومقابل هذه الخدمة يطلب منهم الخضوع الكامل لكل ما يقرّره ويرتئيه، بل وصل الأمر به إلى حد تهديدهم بـ"الزعل" منهم، في حال إبداء أي تذمّر من سياساته، ولو كان على شاكلة منشور فيسبوكي!

على مدار سنوات حكمه السبع، يفيد تحليل سياساته خلالها أنها سياسات ذات طابع فردي، بدليل أنها لا تراعي الواقع المصري وظروف الفئات المجتمعية الأكبر، بل هي في الغالب منحازة إلى فئات صغيرة من حيث حجمها، ولكنها ذات تأثير كبير في الاقتصاد والسياسة المصرية. وهذا ما تكشف عنه سياساته الاقتصادية التي تتجه في الغالب إلى تبني مشاريع غير إنتاجية، ولا تساهم مساهمة مباشرة في حل مشاكل الطبقات الفقيرة والمتوسطة في مصر، بقدر ما هي مشاريع الهدف منها توزيع العوائد على طبقة المنتفعين، سواء كبار الضباط ي الجيش والأجهزة، أو الفئة الإقتصادية المرتبطة بنظام السيسي والمنتفعة من حكمه.

ما كشفه المقاول محمد علي، ولم يستطع السيسي تقديم إجابات مقنعة حوله، ليس الفساد الذي بات ينتشر في مصر، لدرجة صار معها الفساد أحد ركائز سلطة السيسي التي يصعب تفكيكها دون أن تؤثر على معمار النظام بأكمله، بل هو ذلك العبث بثروات مصر وطريقة إدارة هذه الثروات، حيث يجري تحويل الجزء الأكبر من ميزانية الدولة للصرف على مشاريع لا حاجة لمصر لها في الوقت الراهن، ذلك أنه أثناء حكم مبارك المديد جرى بناء العديد من القصور والاستراحات الرئاسية التي تفوق حاجة مصر لها، كما تمتلك القاهرة بنية إدارية ضخمة تراكمت على مدار عقود ولا تبدو أنها تعاني من مشكلة في هذا الوقت في هذا المجال. وفوق هذا وذاك، تحتاج مصر لمشاريع سكن لملايين شبابها الباحثين عن مساكن تأويهم، وتتيح لهم الفرصة لتأسيس عوائلهم في ظروف أدمية محترمة.

ويكشف ذلك عن فوضى في التخطيط، في بلد يمتلك أكبر أكاديميات تخريج الكوادر المتخصصة في التخطيط بالمنطقة، ذلك أن السياسات التي يتبعها السيسي لا تأخذ في الاعتبار قضايا التنمية في مصر، ولا تراعي الاستحقاقات الداهمة والعاجلة لشعب بات تعدادده 100 مليون نسمة، ويحتاج لإدارة رشيده لموارده وإمكاناته.

لا يجد السيسي نفسه مضطراً لتبرير سياساته، بل حتى مجرد توضيحها، فهو على الدوام ينطلق من قاعدة أن مجرد وجوده في السلطة إنقاذ لمصر.. ممن؟ من الإخوان المسلمين، وكأنهم ليسوا حزباً سياسياً موجودا منذ عشرات السنيين، حيث تصوّرهم الدعاية السيسية على أنهم قطاع طرق، قدموا فجأة من مجاهيل الصحراء التي كانوا يختبئون بها ليستولوا على السلطة في مصر، بل ويذهب أبواق نظام السيسي إلى وصف الرئيس المصري الأول المنتخب شعبياً بالإرهابي. كيف؟ هل كان يعمل في النهار رئيساً وفي الليل يقود مجموعات لمهاجمة مؤسسات البلد؟!

السيسي الذي ليس بحاجة لا للتوضيح ولا للتبرير، أوجد منبرا سماه مؤتمر الشباب، بضع عشرات من شباب، قد يكونوا على ارتباط بأجهزة الأمن، وقاعة ممتلئة بجنرالات الجيش والأمن، وصفوف كاملة محجوزة لموظفي القصر الرئاسي. وفي هذا الجو يطلق السيسي اتهاماته؛ ليس لخصومه السياسيين، بل لشعب مصر، باتهامه بالتقصير والعجز، وإذا كانت هناك مشاكل في الاقتصاد فالشعب سببها، وإن كانت هنالك مشاكل اجتماعية فالمجتمع هو من يتحمل المسؤولية الأولى. ولا يكتفي السيسي بذلك، بل يتهكم على المصريين وطريقة تفكيرهم ومعالجتهم للقضايا الراهنة والطارئة.

ووسط هذه الأجواء، لا ينسى السيسي امتداح نفسه، فهو الرئيس النظيف الذي لا يقبل حتى وجبة الغداء على حساب الميزانية، رغم تأكيده أن القانون يتيح له ذلك..، و"أقلكم ايه ولا ايه، عاوزين تعرفوا"، ويكاد يلمح أنه ربما لا يتقاضى حتى راتبه من خزينة الدولة.

كان عبد الناصر، ورغم ما يملكه من كاريزما، إلا أنه يحاول الظهور بمظهر الخاضع لإرادة الشعب والمتوسل الرضى عنه وعن سلوكه، وكان يبدي قدراً مبالغاً من الاحترام للشعب في خطابه السياسي. أما السيسي، فلا يرى ثمّة حاجة لكل هذه التوريات، فهو الحاكم القوي الذي يملك الجيش والأجهزة والسلاح، ومن لا يعجبه ذلك فليجرب.