قضايا وآراء

إلى أين يتجه المسار الديمقراطي التونسي؟

1300x600

مهما اختلفنا في تقييم المنجز السياسي بعد الثورة التونسية، فإنه يظل استثناءً في محيطه العربي الإسلامي. إذ يكفي التونسيين فخرا أنهم لا يعرفون يقينا من سيكون رئيسهم من بين الـ26 مرشحا الذين قبلتهم الهيئة العليا المستقلة للانتخابات في قائمتها النهائية، ويكفيهم فخرا أن يكون من اللاّ مفكر فيه (حتى عند أكثرهم تشاؤما) حدوث انقلاب عسكري على إرادة الناخبين كالذي حصل بمصر، أو دخول البلاد في حرب أهلية؛ كما هو حال أغلب بلدان "الربيع العربي".

فرغم أنف انقلابيي الداخل المدعومين من محور الشر الإماراتي- السعودي-المصري ماليا وإعلاميا، ورغم هشاشة الثقافة والمؤسسات الحامية للمسار الديمقراطي، استطاع التونسيون أن يبنوا توازنات للقوة (أو للضعف) تحول دون "البيان الأول" الذي تحلم به العديد من القوى الإقليمية ووكلائها بالداخل.

 

استطاع التونسيون أن يبنوا توازنات للقوة (أو للضعف) تحول دون "البيان الأول" الذي تحلم به العديد من القوى الإقليمية ووكلائها بالداخل

وسواء أكانت تلك التوازنات داخلية محضة أم كانت بمباركة قوى دولية ليس من مصلحتها تَونَسة السيناريوهات الكارثية التي عرفتها الثورات العربية، فإنّ الواقع التونسي يميل إلى ترسيخ مسار الانتقال الديمقراطي، لكن بصورة هشة وقابلة للمراقبة والتوجيه. فقوة ذلك المسار تعني أن تبلغ تونس مرحلة الاستقلالية وبناء مقومات السيادة خارج نطام الوصاية المُعولم، كما أن قوته تعني أن تصبح الثورة التونسية نموذجا قابلا للتصدير، أي نموذجا قابلا لتتبناه النخب العربية بإسلامييها وعلمانييها (بما فيها نخب تلك البلدان التي انتكست ثوراتها)؛ لأنه أثبت قدرة على البقاء والنجاح في الوقت الذي ذهبت ريح سواه، وتفرق "الثوريون" العرب أيدي سبأ.

ونحن نعني بهشاشة مسار الانتقال الديمقراطي في تونس؛ وجود جملة من المعطيات "اللاوظيفية" التي يراد إعادة إنتاجها بعد الانتخابات القادمة، حتى تبقى البلاد منفتحة على التأثيرات الخارجية وعلى استراتيجياتها ومصالحها المتصارعة، من جهة أولى، وحتى تضمن المنظومة القديمة، من جهة ثانية، استمرار وجودها (بل استمرار هيمنتها) على السلطة والثروة بالشروط التي أرساها المرحوم بورقيبة ورسّخها المخلوع من بعده. ولكنّ حصر المسؤولية في المنظومة القديمة هو أمر مجانب للصواب. فتشرذم المعارضة وصراعاتها الدونكيشوتية، بالإضافة إلى عجزها عن التوحّد في الانتخابات الرئاسية والتشريعية، هي معطيات تصب موضوعيا في خراج المنظومة القديمة، وإن لم تكن مسؤولة عنها بصورة قصدية. ولذلك، فإن كل حديث عن هشاشة الانتقال الديمقرطي في تونس لا يستحضر المسؤولية السياسية والأخلاقية للمعارضة عن هذا الوضع؛ هو مما "يكتبه المرء لأهل ملّته"، ولا يمكن أن يساعد في خلخلة الواقع والدفع به نحو "الجمهورية الثانية".

فإذا ما كانت الجهوية والزبونية والقضايا الهوياتية، والخطابات المصاغة بمفردات الصراع الوجودي، ومعاداة الثورات العربية؛ هي "زاد" ممثلي المنظومة القديمة وورثتهم بعد الثورة، فإن خطابات القوى المعارضة قد أثبتت عجزا اتصاليا وقصورا تعبويا جعلها تساهم، من حيث لا تقصد، في "تأثيم" الثورة وفي تقليص قوتها الجاذبة للوعي الشعبي. وقد يكون الوقت قد حان لتطرح قوى المعارضة المواطنية على أنفسها الأسئلة التالية: لماذا صارت "الثورية" وصما؟ ولماذا عجزت عن تحريك الشارع بصورة تجبر المنظومة الجديدة على مراجعة مشاريع قوانينها وعلى الالتزام بالدستور والقانون؟ ولماذا أعاد أغلب الناخبين التونسيين بإرادتهم الحرة ورثة المنظومة القديمة لواجهة السلطتين التنفيذية والتشريعية؟

 

خطابات القوى المعارضة قد أثبتت عجزا اتصاليا وقصورا تعبويا جعلها تساهم، من حيث لا تقصد، في "تأثيم" الثورة وفي تقليص قوتها الجاذبة للوعي الشعبي

لا شك في أنّ منطق التبرير سيجد لكل سؤال من الأسئلة السابقة جوابا يعفي صاحبه من المسؤولية ويلقي بها على "الآخر"، ولا فرق بين أن يكون هذا الآخر هو من يحمل المشروع الثوري من موقع أو بمنطور مختلف، وبين ممثلي المنظومة القديمة وحلفائهم، ومن هم في خدمتهم في الإعلام والنقابات والمجتمع المدني، بل لا فرق بين شيطنة هؤلاء جميعا وبين رمي وعي الناخبين بـ"الشعبوية" و"قابلية التلاعب"، وغير ذلك من العيوب التي قد تحقق "الإشباع النفسي" للقائلين بها، ولكنها تبقى عاجزة عن تقديم إجابة عقلانية لمسارات الواقع المعقّد وغير القابل للاختزال في المنظورات المتعالية والساعية إلى أمثلة الذات (de soi Idealisation)، سواء أكانت تلك الذات زعيما أم حزبا أم جبهة.

بحكم غياب "كتلة تاريخية" تتجاوز التصنيفات والعداوات التاريخية بين الإسلاميين والعلمانيين، وتتحرك من منظور استحقاقات الثورة وانتظارات المقهورين، بعيدا عن الكراسات الحزبية والأحكام السلطانية.. يبدو أنّ الكتلة التاريخية الوحيدة الممكنة في الواقع وفي المدى المنظور هي "الكتلة التوافقية"؛ التي لن تتحرك خارج الإملاءات الخارجية ونظام التبادل اللامتكافئ الذي يحكمها، ولن تخرج عن القواعد التي وضعتها المنظومة القديمة ونواتها الجهوية- المالية- الأمنية الصلبة (حتى إذا عدلت بعض آليات اشتغالها أو وسعت دائرة المستفيدين منها جهويا وأيديولوجيا).

 

نتائج الانتخابات القادمة ستُكرس خيار التوافق مع تعديل بعض شروط اشتغاله. ومن المرجح أن يستمر عجز المعارضة (مهما كان تفاؤلها في الانتخابات التشريعية) عن الوصول إلى مركز القرار

وبحكم تشتت المعارضة وعجزها عن تقديم مرشح جدي قادر على منافسة مرشحي المنظومة الجديدة (المتكونة من ورثة المنظومة القديمة وحلفائهم في سياسة "التوافق")، يبدو أيضا أنّ نتائج الانتخابات القادمة ستُكرس خيار التوافق مع تعديل بعض شروط اشتغاله. ومن المرجح أن يستمر عجز المعارضة (مهما كان تفاؤلها في الانتخابات التشريعية) عن الوصول إلى مركز القرار لتعديل سياسات الدولة وخياراتها الداخلية والخارجية.

ختاما، يبدو أن الاستثناء الأبرز في الثورة التونسية (أي الإدارة المشتركة للشأن العام من لدن العلمانيين والإسلاميين وقبول الجميع "نظريا" بالاحتكام إلى صناديق الاقتراع بدل صناديق الأموات)، سيواصل الاشتغال بعد الانتخابات القادمة بعيدا عن مفهوم "الكتلة التاريخية" وما يعنيه من انحياز لمن هم أسفل، وهي لحظة سياسية ضرورية بل عقلانية (فكل ما هو واقعي عقلاني كما قال هيغل) بحكم غياب أية بدائل جدية. ولأننا لا نؤمن بالحتمية التاريخية، فإننا نعتبر "الكتلة التوافقية" مجرد لحظة سياسية منفتحة على عدة ممكنات: فإما أن تكون "إرهاصا" أو مقدمة للكتلة التاريخية بالمعنى الذي وضعه لها غرامشي (بعد تَونسته)، وإما أن تكون مجرد تعبيرة مؤقتة عن التوازنات الإقليمية والدولية (وهو ما يعني إمكانية الارتداد عنها بحكم هشاشتها وغياب أي تأصيل نظري لها)، وإما أن تستمر في الاشتغال لعقود قادمة (إذا نجحت في تجاوز تناقضاتها الداخلية وكانت رياح الخارج مواتية لها). وهي فرضيات لا يمكن ترجيح إحداها إلا بضرب من التحكّم، لأنها تظل مرهونة بعوامل داخلية وخارجية معقدة وغير قابلة للضبط بمجهود فردي مهما كانت قدراته.