ملفات وتقارير

لماذا أصرت تركيا على "عمق" المنطقة الآمنة.. وما تحدياتها؟

الاتفاق الأمريكي التركي لا يتضمن أي تفاصيل حول عمق المنطقة الآمنة

على الرغم من الاتفاق حول إنشاء المنطقة الآمنة، أصر الفريق التركي خلال مباحثاته مع الفريق الأمريكي في أنقرة أن يكون عمق المنطقة الآمنة يتجاوز الـ30 كم، وفق ما أكدته الصحف التركية.

وتبرز تحديات أمام تأسيس المنطقة الآمنة، على الرغم من عقد الاتفاق بين الطرفين، إذ إن المطالب التركية بتفاصيل إنشائها، قد لا تجد تعاونا أمريكيا.

والأربعاء الماضي، أعلنت وزارة الدفاع التركية، أن أنقرة وواشنطن "توصلتا لاتفاق يقضي بإنشاء مركز عمليات مشتركة في تركيا خلال أقرب وقت لتنسيق وإدارة إنشاء المنطقة الآمنة في سوريا".

وكان الخلاف البارز بين الجانبين الأمريكي والتركي، يتعلق بعمق المنطقة الآمنة، حيث تصر أنقرة على أن تكون ممر سلام، بعمق 30 كم، وعلى طول الحدود التركية السورية بمسافة تصل 460 كم تقطع ارتباط وحدات حماية الشعب الكردية بسنجار وقنديل شمال العراق، إلا أن الجانب الأمريكي كان يتحدث عن منطقة يتراوح عمقها من 5 إلى 15 كم، وبمسافة على طول الحدود تصل 150 كم.

 

اتفاق لا يوضح عمق المنطقة


الاتفاق بين الجانبين التركي والأمريكي، لم يتطرق إلا لصيغة إنشاء مركز عمليات مشتركة في تركيا خلال أقرب وقت لتنسيق وإدارة إنشاء المنطقة الآمنة، دون التطرق لعمق المنطقة.

 

اقرأ أيضا: صحيفة تركية تنشر تفاصيل جديدة لاتفاق شرق الفرات

وذكرت صحيفة "حرييت" أن "الاتفاق لا يتضمن أي تفاصيل حول عمق المنطقة الآمنة، إلا أن هناك تفاهما تركيا أمريكيا على تحديد المسافة والعمق، وفق الوضع الجغرافي للمنطقة وبتوافق الطرفين".

وأشارت في تقرير ترجمته "عربي21"، إلى أنه وفقا للاتفاق المبرم بين الطرفين، فسيتم تأسيس مقر وحدة الاتصال في أنقرة، إلى جانب مركز عمليات رئيسي سيتم تأسيسه إما في منطقة شانلي أورفا أو غازي عنتاب على الحدود مع سوريا، وسيتواجد في مركز الاتصال بأنقرة ومركز العمليات ضباط من القوات الأمريكية.

 

منطقة آمنة لهذا السبب

بدوره أوضح المختص بالشأن العسكري، أحمد الرحال، أنه من الطبيعي أن تسعى أي دولة لتوسيع المنطقة الآمنة التي تخلي فيها سلاح عدوها.

وأشار في حديثه لـ"عربي21"، إلى أن الاتفاق بين واشنطن وأنقرة لم يتم التوافق فيه إلى العمق الذي تطرحه تركيا، بل كانت الصياغة تشير إلى معايير ميدانية تتعلق بالمنطقة منها: المنطقة الجغرافية وأهميتها، والفصائل والجماعات التي سيتواجد فيها.

ولفت إلى أن المنطقة الآمنة تحقق أهدافا على صعيد الأمن القومي لتركيا، موضحا أن إنشاء مناطق عازلة تجعل من عملية نقل السلاح يواجه صعوبة، ويؤثر على انتشار العناصر المعادية لها.

 

لماذا أكثر من 30 كم؟

من جهته قال الباحث في العلاقات الدولية، هشام منور، إنه من الناحية الاستراتيجية والأمنية لا يمكن لمنطقة أقل من ذلك أن تبدد المخاوف الأمنية التركية على حدودها الجنوبية الطويلة مع سوريا، في ظل سيطرة قوات حماية الشعب الكردية وقوات "قسد" على مساحات شاسعة من الأراضي السورية.

وأشار في حديثه لـ"عربي21"، إلى أن الاقتراحات الأمريكية السابقة بتأمين شريط حدودي ضيق، لم تكن لتعكف المسؤولين الأتراك عن مطالبهم بإبعاد من تصنفهم تركيا على قوائم الإرهاب، عن حدودها إلى أبعد مسافة ممكنة.

 

اقرأ أيضا: "عربي21" تكشف تفاصيل الاتفاق التركي الأمريكي حول سوريا

وأوضح أنه من الناحية النظرية، يمكن لهذه المنطقة الآمنة أن تشكل حزاما أمنيا جيدا لتركيا في مواجهة الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني، كما أن الإصرار التركي على مسألة العمق يحمل دلالات ورسائل سياسية لتلك الوحدات بأن المظلة الامريكية لم تعد موجودة.

وأضاف أن هذه المنطقة الآمنة قد تشكل قاعدة لتأمين عودة الآلاف من السوريين إلى بلداتهم ومناطقهم في الشمال السوري.

وحول الاتفاق التركي الأمريكي، رأى منور أن الأوضاع تسير باتجاه منح أنقرة الضوء الأخضر من واشنطن لإنشاء المنطقة الآمنة، موضحا أنه هذا ما يهم أنقرة في الوقت الراهن؛ فلا يهمها مشاركة القوات الأمريكية في الدوريات المشتركة، أو تأمين دعم وغطاء لوجستي وعسكري، بقدر ما يهمها الموافقة الأمريكية على الخطوة التركية المقبلة".

وأما عن دلالات تسمية تركيا المنطقة الآمنة بـ"ممر سلام"، لفت المختص بالعلاقات الدولية إلى أنها لأهداف سياسية بحبحد تة مدفوعة من قبل الولايات المتحدة لصبغ اتفاق ممهد لتهدئة الأمور في الشمال السوري بين تركيا وقوات سوريا الديمقراطية وعمادها وحدات حماية الشعب الكردية.

 

الديموغرافية السكانية

 

من جهته أظهر الكاتب التركي، إسيدات إرجين، تعقيدات وتحديات للمنطقة الآمنة تتمثل بالديموغرافية السكانية في المنطقة، لافتا إلى أن المنطقة الواقعة إلى الشرق من الفرات هي جغرافيا تضم سكانا أكرادا في عدة مناطق، وآخرين من السكان العرب، وأخرى خليط.

 

ولفت في مقال له تقرير له على صحيفة "حرييت"، إلى أن الفروقات الديموغرافية شرق الفرات تجعل إنشاء منطقة آمنة أكثر صعوبة.

 

وأوضح على سبيل المثال، أنه على الرغم من أن تل أبيض منطقة يسيطر عليها العرب، إلا أنها وبعد عام 2012 ازداد فيها بشكل ملحوظ العرق الكردي، بسبب سيطرة الوحدات الكردية عليها.

 

بدوره قال الجنرال التركي المتقاعد، أردال شنر إن الوليات المتحدة لا يمكن أن تسمح بالقضاء على وحدات حماية الشعب الكردية.

 

اقرأ أيضا: تركيا: لن نسمح لاتفاق المنطقة الآمنة بمصير مشابه لـ"منبج"

وأضاف في تقرير على صحيفة "جمهوريات"، أن الولايات المتحدة تمكنت من منع عملية للجيش التركي في شرق الفرات من خلف الأبواب المغلقة.

 

اتفاق خفض الضغط

 

ولفت الجنرال المتقاعد، وهو القائد السابق للقوات المشتركة الخاصة، وشارك في عمليتي درع الفرات وغصن الزيتون، أن الحديث عن اتفاق حول المنطقة الآمنة وتأسيس مركز عمليات مشترك هدفه الأساسي خفض ضغط المجتمع التركي وهدأته.

 

وحذر الجنرال المتقاعد من سيناريو شبيه لسيناريو "منبج"، لافتا إلى أنه شارك في الدوريات المشتركة في منبج، إلا أن الدوريات كانت "وهمية" حيث لم يتمكن الجيش التركي الوصول إلى تلك المنطقة أبدا.

 

وشدد على أن الولايات المتحدة، لا يمكن أن تخاطر وتسمح بعملية عسكرية تركية في شرق الفرات، لأنه يساعد على زوال وجودها في المنطقة عبر وحدات حماية الشعب الكردية.

 

إلهاء أمريكي

 

وأشار إلى أن تركيا لا تمتلك أي صلاحية بتنفيذ عملية شرق الفرات، مؤكدا على أن الاتفاق الأخير هو إلهاء جديد لتركيا من خلال القول بأنها ستؤسس مركز عمليات مشتركة، منوها إلى أن الاتفاق كان لصالح واشنطن وليس أنقرة.

 

وأوضح أنه لا يمكن القضاء على الوحدات الكردية إلا بعملية عسكرية، وإنشاء منطقة آمنة بعمق 30 - 40 كم ليس إلا وهما.