كتاب عربي 21

الديمقراطية التونسية أمام امتحان عُلوية المؤسسات على الأشخاص: السيناريوهات

1300x600

27 حزيران/ يونيو 2019 سيكون أحد المحطات الزمنية الفارقة في تاريخ تونس الراهن، مثله مثل 17 كانون الأول/ ديسمبر 2010 (انطلاق الثورة في سيدي بوزيد)، و14 كانون الثاني/ يناير 2011 (هروب بن علي)، و26 كانون الثاني/ يناير 2014 (التصويت على الدستور)، و7 آذار/ مارس 2016 (إحباط الهجوم الداعشي في بن قردان)، وغيرها.

 وسط سياق متوتر في الأصل حول أخبار عن "تأجيل الانتخابات" وصحة الرئيس الصعبة، مع غياب رئيس مجلس نواب الشعب لأسابيع، بدأ يوم الخميس باكرا مليئا بالأحداث النوعية: في الصباح الباكر إحباط هجمة إرهابية استهدفت محطة الإرسال التلفزيوني في جبل عرباط تغطي منطقة الجنوب الغربي، ثم عملية إرهابية انتحارية أولى وسط العاصمة قرب الشارع الرئيسي تؤدي إلى استشهاد ضابط أمن، ثم تليها مباشرة عملية انتحارية ثانية ضد مقر الفرقة الوطنية لمكافحة الإرهاب في العاصمة أيضا.

وفي ذات الأثناء، بدأت الأخبار في الكواليس، ليؤكدها بلاغ رسمي عن رئاسة الجمهورية، حول نقل الرئيس قائد السبسي إلى المستشفى العسكري إثر "وعكة صحية حادة"، ليمر الجميع بيوم طويل وعصيب؛ أربكته تسريبات متضاربة بين وفاته و"استقرار حالته". في خضم كل ذلك، كان الاتجاه العام الدعوات للوحدة الوطنية والتآلف وتجاوز الصراعات السياسية اليومية، ودعوات بالشفاء للرئيس من قبل خصومه التاريخيين، والتفكير أساسا في حماية الديمقراطية والبلاد. كان هذا الاختبار النفسي عموما ناجحا، ويعبر عن عمق التحول السياسي لدى الشعب التونسي: الصراع لكن ضمن الوحدة.

 

مع أهمية هذا العامل النفسي، ستواجه تونس خيارات صعبة في الأسابيع القادمة، وعليها أن تحسمها، وسيكون على طبقتها السياسية أن تختار بين حسمها بمنطق الدستور والمؤسسات أو بمنطق المصالح الشخصية والحزبية الضيقة

لكن مع أهمية هذا العامل النفسي، ستواجه تونس خيارات صعبة في الأسابيع القادمة، وعليها أن تحسمها، وسيكون على طبقتها السياسية أن تختار بين حسمها بمنطق الدستور والمؤسسات أو بمنطق المصالح الشخصية والحزبية الضيقة. اجتمعت في يوم واحد كل التحديات الممكنة للتجربة الديمقراطية الفريدة عربيا والمستهدفة أيضا عربيا: تحديها بالإرهاب المتوحش وتأثير غياب الأشخاص على استقرار المؤسسات. ما هي السيناريوهات التي سنمر بها في الأسابيع القادمة بناء على المعطيات المتوفرة هو موضوع المقال، وسيكون أطول من العادة.

أولا، يجب أن نتوقف عند موضوع بدأ به اليوم، لكن تم تناسيه بسرعة على أهميته، أي موضوع العمليات الإرهابية الثلاث التي هي على الأرجح مترابطة. نبدأ من العملية النوعية صباحا، والتي تم إحباطها حسب معطيات أولية بناء على اعتراض مكالمات بين الإرهابيين، بما سمح بتعزيز الموقع الحساس للإرسال التلفزيوني في الجنوب الغربي تحديدا جبال عرباط (قفصة). حسب كل المؤشرات الأخيرة، فإن تنظيم "جند الخلافة" (فرع داعش في تونس) هو المسؤول عن الأنشطة الإرهابية في تلك المنطقة. العملية فاشلة، مثل العمليتين الانتحارتيين (وهما استنساخ لعملية أخرى فاشلة وقعت في شهر تشرين الأول/ أكتوبر تقريبا في نفس المكان)، تعكس جميعها رغبة التنظيم الإرهابي في استعادة أنفاسه، والتصعيد كلما اقتربنا من الانتخابات (تبنى التنظيم في بلاغ مقتضب جدا عن "وكالة أعماق" العمليتين، لكن ليس عملية عرباط).

هناك خصوصية في الأجندة السياسية للإرهاب في تونس، وسواء القاعدة أو داعش، فقد أعلن منتسبوهما في تونس استهدافهم للتجربة الديمقراطية، واعتبروا أن تحديهم الرئيسي في الوضع التونسي إسقاط "الديمقراطية الكفرية" متقاطعين موضوعيا (وليس عملياتيا حتى لا نسقط في المؤامراتية الفجة) مع المحور السعودي- الإماراتي. وسبق تاريخيا ان تصاعدت عملياتهم كلما تم الاقتراب من مناسبات سياسية نوعية.

 

هناك خصوصية في الأجندة السياسية للإرهاب في تونس، وسواء القاعدة أو داعش، فقد أعلن منتسبوهما في تونس استهدافهم للتجربة الديمقراطية

الإرهاب كان تحديا رئيسيا لاستمرار التجربة، وضرب بكل الأشكال والآليات لإسقاطها، ولن يتوقف بسهولة. لكن لا يمكن بأي حال ربط العمليات الإرهابية بتدهور الحالة الصحية للرئيس. سيكون ذلك ربطا مؤامراتيا سطحيا وبلا أي أساس، لكن لا أعتقد أنه من المؤامراتية الفجة أن نتوقع أن يتم الاستثمار في أي تصعيد إرهابي للحسابات السياسية لدى البعض.

ثانيا، الوضع الصحي للرئيس كان محور حديث الكواليس السياسية الضيقة منذ أسبوع؛ تعرض حينها لتدهور مفاجئ بقي طي الكتمان، وحاول المقربون منه التغطية على الخبر بنشر صورة للرئيس يشاهد فيها مقابلة المنتحب التونسي لكرة القدم يوم الاثنين. المعطيات شحيحة، لكن يبدو أن إشكالا بدأ في المعدة، أدى إلى انخفاض حاد في ضغط الدم.

في كل الحالات، تم إخراجه من المستشفى وبقي الغموض يلف حول الموضوع، ليعود التدهور الخميس بشكل أكثر حدة؛ اضطر الرئاسة إلى إصدار بلاغ عاجل والإشارة إلى "وعكة حادة". والمعطيات الأولية تشير إلى أن الرئيس اقترب جدا من الوفاة، وان ما تم إعلانه من قبل الناطقين باسم الرئاسة حول "استقرار" حالته، ومن قبل رئيس الحكومة الذي اكتفى بالإشارة إلى أنه "يتلقى العناية اللازمة"، تحيل على أن الأزمة الصحية لم تنته. بعض مصادري تقول إن الرجل حي أساسا بمساعدة الأجهزة الطبية، وأن الأمر لا يمكن أن يستمر طويلا.

ثالثا، هنا سيناريو استمراره على قيد الحياة من عدمه امر ليس شخصيا وانسانيا فحسب بل سياسي بامتياز إذ إن آلية دستورية كاملة يجب تفعيلها، سواء في حالة الشغور الوقتي أو النهائي في منصبه. الفصل 84 من الدستور هو مربط فرس التحليلات السياسية والقانونية. وعموما مصادري تنقل لي معركة كواليس بين من يريد أن يدفع عنوة للفقرة الاولى من الفصل 84 "الشغور الوقتي" (يصبح بمقتضاها رئيس الحكومة الشاهد رئيسا مؤقتا مقابل إشكال غياب محكمة دستورية لمعاينة الشغور) والتأجيل والحذر، وفقرة ثانية من ذات الفصل تتعلق بـ"الشغور النهائي" من ذات الفصل (رئيس مجلس نواب الشعب الناصر يصبح رئيسا مؤقتا مع وضعه النفسي الصعب المتداول عنه بما ادى لغيابه عن رئاسة المجلس وتسييره لفترة معتبرة) في حالة ثبوت الوفاة لاحقا، لا قدر الله... بمعنى آخر، سيصبح تقدير نوع "الشغور"، وأي فقرة من الفصل 84 يجب تفعيلها، و"إعلان الوفاة" طبعا بناء على التقارير الطبية؛ موضوع سياسي أساسي، وليس تقنيا.

الواضح أن الحل سيكون سياسيا وليس دستوريا، في ظل خطيئة عدم تركيز المحكمة الدستورية. مصادري تنقل لي حصول لقاء الخميس ليلا بين ممثلين لأطراف رئيسية، لمناقشة مختلف السيناريوهات وإيجاد إخراج سياسي لها. ربما يكون اللقاء الأول من سلسلة لقاءات، والأرجح أن تكون المصحلة في كل الحالات الاستناد إلى مجلس نواب الشعب كبديل إجرائي للمحكمة الدستورية في تمرير أي سيناريو.

 

الحل سيكون سياسيا وليس دستوريا، في ظل خطيئة عدم تركيز المحكمة الدستورية. مصادري تنقل لي حصول لقاء الخميس ليلا بين ممثلين لأطراف رئيسية، لمناقشة مختلف السيناريوهات وإيجاد إخراج سياسي لها

رابعا، أثار التدهور الصحي للرئيس سياسية بامتياز، إذ الآن تحديدا، وأكثر من أي وقت مضى، سيكون للرئيس دور أساسي في استقرار التجربة وضمان استمرارها من خلال استمرارية التداول الانتخابي، وتحديدا ضمان إنجاز الاستحقاقات الانتخابية هذا الخريف. فالرئيس معني أولا بدعوة الناخبين قبل أجل الانتخابات التشريعية (أي 6 تشرين الأول/ أكتوبر بثلاثة شهور، أي يوم 6 تموز/ يوليو. وفي ظل مناقشة تنقيحات القانون الانتخابي المطعون فيها، والتي يمكن أن لا تفصل فيها هيئة دستورية القانون (بسبب احتمال تكافؤ أصوات أعضائها الستة وانقاسمهم إلى ثلاثة ضد ثلاثة، مثلما حصل في القانون المثير للجدل، أي قانون المصالحة)، ومن ثم رجوعه للحسم إلى رئاسة الجمهورية. التنقيجات أساسية في أي ترتيبات لدى الأطراف المتحكمة في البرلمان، والذي سيصبح على الأرجح بديلا للمحكمة الدستورية. بمعنى آخر، عدم قدرة الرئيس قائد السبسي على أداء دوره، سواء مؤقتا أو نهائيا، سيعني ضرورة تغييرات في المسار الانتخابي.

خامسا، في تلك الحالة نحن إزاء سيناريوهين كما أشرت في النقطة الثالثة:

السيناريو الأول: "الشغور المؤقت"، أي عدم قدرة الرئيس على أداء مهامه أو رفض الإعلان السياسي عن عجزه التام، فيشغل الشاهد مهمة الرئيس المؤقت في أجل لا يمكن أن يتجاوز الستين يوما، بما يعني أن القيام بذلك قبل حلول أجل دعوة الناخبين (أي 6 تموز/ يوليو) لا يمكن أن يتجاوز نظريا آخر شهر أغسطس/ آب أو بداية شهر أيلول/ سبتمبر، أي قبل الانتخابات المقررة ليحصل حينها دستوريا الشغور النهائي وينقل مقاليد الرئاسة المؤقتة إلى رئيس مجلس نواب الشعب (أن قبل طبعا اعتبارا بما يتداول حول وضعه النفسي). هذا الخيار يمكن أن يعني الاتفاق على جملة من القرارات تخص المضي قدما في المسار الانتخابي وتفويض الشاهد لضمانها، بما في ذلك دعوة الناخبين والإمضاء على التنقيحات في حالة عدم حسم هيئة دستورية القوانين، ومن ثم أن نكون إزاء عدم تأثر جوهري في المسار الانتخابي، أي أن تحصل الانتخابات حينها عموما في مسارها المقرر تحت رئاسة مؤقتة لرئيس مجلس نواب الشعب.

السيناريو الثاني: أن تحصل تطورات صحية سلبية في الأيام أو الأسابيع القلية القادمة (لنقل في أجل ثلاثة أسابيع) لا يمكن إخفاؤها أو السيطرة عليها، بما يفرض عمليا الإعلان السياسي عن "الشغور النهائي" عبر البرلمان، وحينها يقوم بالعملية الانتقالية كرئيس مؤقت؛ رئيس مجلس نواب الشعب. وهنا يمكن أن يحدث تغيير أساسي في الأجندة الانتخابية، أي أن تصبح الانتخابات الرئاسية ذات أولوية قصوى تسبق الانتخابات التشريعية، إذ بمقتضى الدستور في الفصل 84 آنف الذكر ما نصه: "يتولى (رئيس مجلس نواب الشعب) فورا مهام رئيس الجمهورية بصفة مؤقتة لأجل أدناه خمسة وأربعون يوما وأقصاه تسعون يوما". وفي الفصل 86 ما نصه: "خلال المدة الرئاسية الوقتية يُنتخب رئيس جمهورية جديد لمدة رئاسية كاملة".

ومن غير الواضح أن هذا الأجل الزمني الجديد الذي يمكن أن يكون مخالفا للأجل الذي وضعته الهيئة المستقلة للانتخابات، أي يوم 17 تشرين الثاني/ نوفمبر. ومما لا شك فيه، أن احتمال أسبقية الانتخابات الرئاسية على التشريعية سيعني تأثيرا مباشر حول ديناميكية عدد من الأحزاب والشخصيات. ومن الواضح أن العروض السياسية التي تقوم على الشخصية المركزية ستستفيد من هكذا سيناريو (مثلا المرشح الصاعد نبيل القروي إن وجد حيلة للإفلات من منعه من الترشح للرئاسية)، في حين أن الأطراف التي ستضرر نسبيا هي التي أقامت خطتها الانتخابية على أولوية التشريعية، وليس على قاطرة الشخصية الشعبية (ومن بين هذه الأطراف بلا شك حركة النهضة). هذه عوامل يمكن أن تجعل الخيارات المتخذة تنطلق من مصالح حزبية، وليس حماية التجربة الديمقراطية.

 

يحتاج الشعب التونسي، مثل أي ديمقراطية، شفافية وتوصيفا دقيقا لوضع رئيس الدولة، وأكبر أخطائنا عدم الإصرار على تقرير سنوي دوري لذلك... وهذا الذي سيقاوم بجدية الإشاعات

في كل الحالات، فإن أيا من هذه الخيارات والتوافقات سيتحدد عموما بمنهجيتين: إما منهجية تعطي أولوية لعُلوية المؤسسات واستعمال الأزمة لتقويتها، أو لتوافقات شخصية ضيقة لا تقوي الديمقراطية بل تضعفها. أخشى هنا خاصة من سلوك ابن الرئيس الذي لديه كرسي على طاولة التداول السياسي المضيق، إذ هو المعني مباشرة بالتفاوض باسم ابيه، خاصة أنه يملك المفتاح العائلي في أخذ القرارت الحاسمة في مصير والده الصحي إن اقتضى الأمر ذلك، لكن أيضا التفاوض بورقة أبيه، وقد دأب على القيام بذلك. وأعتقد أنه لعب (ولا يزال) دورا سلبيا في التعامل بشكل واضح وشفاف حول الملف الصحي للرئيس. فـ"الحالة مستقرة" توصيف عام، بل مسيس، فـ"تحت الماكينة" أيضا حالة "مستقرة".

يحتاج الشعب التونسي، مثل أي ديمقراطية، شفافية وتوصيفا دقيقا لوضع رئيس الدولة، وأكبر أخطائنا عدم الإصرار على تقرير سنوي دوري لذلك... وهذا الذي سيقاوم بجدية الإشاعات. وهنا يبدأ استخلاص الدروس الجيد من الأزمة وتقوية المؤسسات، وليس الأشخاص. فموضوع أزمة صحية لرئيس أو وفاته ليس أزمة ووفاة لشخص فحسب، بل أيضا لوظيفة المؤسسة إن تمت شخصنتها.