كتاب عربي 21

عربون مقال جارح

1300x600

(اعتراف)
أستيقظ في الصباح متحمساً للكتابة، أفتح جهاز الكومبيوتر بعدما أفتح عيني مباشرة، أشرب كوباً كبيراً من الماء الدافئ، أحتسي بعده "النيسكافيه" مع قطعة من البسكويت، أبتلع أدويتي بأداء آلي بارد... ثم أجلس أمام "نافذة الكون البيضاء" وأفتح صفحة المقال، فجأة.. يفلت من ذهني الموضوع الذي اخترته أمس للكتابة. وتتزاحم في رأسي الأفكار يصرع بعضها بعضاً، وعندما أنتبه لما استهلكه صراع الأفكار من وقت، أنحي الصفحة جانباً وأفتح برنامج الشطرنج لألعب مع الكومبيوتر مباراة أو اثنتين، ثم أعود للمقال ولموضوعه "غير المحدد". وطوال هذه الفترة يظل الفعل الثابت والمنتظم هو شد شعرات شاربي لأسفل، أو حك جبهتي، وبالتحديد المنطقة الضيقة المحصورة بين حاجبيّ وحافة الكاب الذي أحرص على ارتدائه لحماية عيني من "لعنة الضوء"، حسب تحذيرات الدكتور أحمد برادة.

وفي كل الأحوال يبقى السؤال المزعج مزعجاً: عن ماذا أكتب وسط كل هذا الكلام؟.. ماذا أختار من بين هذه القضايا المتزاحمة؟ وهل يجب أن أستجيب لـ"هراركية نشرات الأخبار" وأهتم بالقضايا التي تفرض ترتيبها وأهميتها على الجمهور؟ بل هل من الواجب أن أخضع لاهتمامات الجمهور نفسه؟.. إلى آخر الأسئلة التي تعني فيما تعني جدوى الكتابة في مجتمعات صارت القيادة والهيمنة فيها لمن يَعمَل بالنقل، وليس لمن يُعمِل العقل.

بسبب هذه الورطة المستمرة، قررت أن أفضح أمامكم ترددي وضعفي في الانخراط، وتعثري في طريق الكلام الشائع الذي يروق للناس الحديث فيه، وقلت أعرض عليكم نموذجا لبعض مما يتصارع في رأسي لحظة البدء في الكتابة.

 

وددت لو كتبت بتوسع عن التسريبات التي ظهرت بخصوص عرض النظام المصري تفكيك تنظيم جماعة الإخوان، مقابل "صفقة حريات" وجرعة محسوبة من الانخراط في العمل السياسي

(A)
وددت لو كتبت بتوسع عن التسريبات التي ظهرت بخصوص عرض النظام المصري تفكيك تنظيم جماعة الإخوان، مقابل "صفقة حريات" وجرعة محسوبة من الانخراط في العمل السياسي، وكنت قد كتبت اختصارا منذ أسابيع نصيحة لقادة الجماعة بدراسة هذه الخطوة، ليس لهدم فكرة المشروع الحضاري (أو السياسي أو الدعوي) الذي قامت على أساسه الجماعه، ولكن لهدم الشكل التنظيمي وإعادة بنائه بما تقتضي المحدثات التي طرأت على مدى قرن من الزمان، لكنني أدرك أن الظرف غير مناسب لمثل هذه الكتابات، ليس بسبب التوقيت المزدحم بوقائع وأحداث يهتم بها الناس وتسرف في عرضها "مضخات الأخبار"، ولكن بسبب غياب وضعية التلقي الصحيح للقضايا، وبسبب تكلس العقول وانجذابها لاستعراض النيوز (الشو الكاسح)، حيث الخفة وسرعة الإيقاع والتشويق، وإمكانية مساهمة كل فرد بدلوه أياً كانت ثقافته، على عكس الشروط الصعبة التي يحتاجها الحوار الجدلي العميق، وثقل التحليلات العلمية التي تحتاج إلى استرجاع دروس من التاريخ، وإضاءات من الفلسفات الحديثة التي نهملمها ونهمل حتى أسماء أصحابها، ربما لأن العقل العربي لا يزال يدور حول أرسطو في الفلسفة وميكافيللي في شؤون الحكم.

(A+)
لا يصح أن أتجاهل خبر القبض على "مجموعة الأمل" بكل ما أثارته من اهتمام إخباري وجماهيري..

هكذا دخل صراع الأفكار والأولويات درجة الصدام المباشر، وكدت أهرب من هذا الصراع المرهق للنفس والمهدر للوقت، إلى كتابة مقال آخر في سلسلة "مقالات الحريق"، لولا شعوري بالغيظ من الركاكة ومن السطحية اللغوية والسياسية والأخلاقية التي لمستها في بيان الحركة المدنية الديمقراطية؛ الذي يطالب السلطات القمعية بالإفراج عن النائب الديمقراطي زياد العليمي ورفاقه (لأنه مش إخوان والله العظيم، وحياة النعمة الشريفة).

(1)
لما سألتني المذيعة في إحدى الفضائيات عن رأيي في حملة الاعتقالات هذه، تحدثت بإيجابية عن نهج النظام في صناعة اليأس مما هو قائم ومعمول به في الحياة السياسية المصرية. ولطبيعة الأخبار، لم يكن من المناسب شرح مفهوم "قوة اليأس"، كما أفاض فيه فيلسوف الاجتماع الأمريكي "إيريك فروم"، لكنني أشرت إلى أن عملية تحويل اليأس لقوة دفع ثورية تحتاج إلى مدارس لتربية الوعي، لتتمكن المعارضة من ترويض وحش الجماهير اليائسة، للإفادة منه في صناعة الثورة، وليس استهلاك طاقته في انتفاضات غضب ومواسم انتقام تنتهي بتبديل الاقنعة وبقاء الأوبئة.

 

أدهشني أن أجد مفردة "اليأس" في بيان الحركة، ولكن في سياق ينبه (ويتوسل) النظام للإفراج عن المعتقلين (اللي مش إخوان والله)، مع ضمان حسن سير وسلوك "الرموز الشبابية" المقبوض عليها

وأدهشني أن أجد مفردة "اليأس" في بيان الحركة، ولكن في سياق ينبه (ويتوسل) النظام للإفراج عن المعتقلين (اللي مش إخوان والله)، مع ضمان حسن سير وسلوك "الرموز الشبابية" المقبوض عليها، والتي "يجمعها الشعور بالمسؤولية تجاه البلد، والرغبة المخلصة في الانخراط في عملية سياسية ديمقراطية، مع الالتزام بالأساليب والأدوات التي نص عليها الدستور والقانون لممارسة العمل السياسي بالطرق السلمية"، وكأن الديمقراطية سليمة ولا تحتمل هذا الخرق الوحيد، وكأن الدستور معمول به، وكأن القوانين مصانة، خاصة لو كان المقبوض عليهم (كما يقول البيان): "من الرموز الشبابية الجادة والمحترمة والواعية بتلك المسؤولية تجاه وطنها الذي تحبه، وترغب مع آخرين للارتقاء به ورؤيته في مصاف الدول المتقدمة الحديثة التي ترعى وتحمي حقوق ومصالح جميع مواطنيها".

(2)
توقفت في البيان عند الفقرة التي تقول بالنص: "هذا وقد صاحبت أعمال القبض حملة شرسة من التشهير والتشويه وإلصاق التهم الباطلة والعارية تماما من الحقيقة بهؤلاء الشباب، تلك التهم التي نفيناها مرارا وتكرارا، والتي يعلم من يروجها أنها غير صحيحة. وفي هذا الصدد نؤكد علي الآتي:

أولا: إن هؤلاء الشباب والحركة المدنية الديمقراطية وكل من يسعي حاليا من تجمعات أخرى شبيهة للانخراط في الحياة السياسية، لا علاقة لهم لا من قريب أو بعيد بجماعة الإخوان، وإن كل ما يتم الترويج له في هذا السياق مجاف للحقيقة، ومحاولة للربط بين نقيضين بشكل تعسفي لتحقيق أغراض لا نعلم طبيعتها أو الهدف من ورائها".

ولم تختلف "ثانيا" ولا "ثالثا" ولا "رابعاً" عن التنصل من الإخوان باعتبارهم تهمة، والتأكيد بالحلفان المبين "مش إخوان والله ولا بنحترمهم". وللأسف لم أعرف (حتى الآن) مدى علاقة ذلك بمبدأ المواطنة، وبالحديث عن الدستور والدولة الديمقراطية الذي يرتكز عليه البيان، حيث لا يسمح الدستور بتوجيه تهم قانونية لجماعات بل لأفراد، وحيث التعامل بالقانون بعد أحكام نهائية من قضاء مستقل غير خاضع لهيمنة السلطة التنفيذية أو غيرها؟!!

 

ينظر البيان لأخطاء النظام في "صناعة اليأس" بهذه النظرة الأحادية، التي تشبه خطاب النظام في استخدام فزاعات الفوضى وفوبيا الإرهاب فالبيان ينبه النظام بصياغة أقرب للاستعطاف

(3)
ساءني، كما يحزن إيريك فروم، أن ينظر البيان لأخطاء النظام في "صناعة اليأس" بهذه النظرة الأحادية، التي تشبه خطاب النظام في استخدام فزاعات الفوضى وفوبيا الإرهاب فالبيان ينبه النظام بصياغة أقرب للاستعطاف من الاستمرار في نهج (متبع منذ عرفنا هذه السلطات) سد جميع المنافذ السياسية وسبل الحوار، "مما يؤدي إلى انتشار اليأس وتمكنه من عقلاء ذلك الوطن، ولن تجد السلطة أمامها سوى مجموعات من المتطرفين والراغبين في هدم الدولة لتتعامل معهم، وهو ما يمكن أن تكون له عواقب وخيمة علي الجميع".

(4)
الحمد لله أن البيان لم ينته بعبارة "تم الإرسال من جهاز سامسونج"، وأحيانا تنجح السلطة من غير سامسونج ولا غيره في أن تضع رسائلها على لسان المعارضة، فتنطق بها ذاتياً، وتتحول إلى تنويعة لطيفة تسعى بإخلاص وتصطف بانتظام وطاعة في طابور "حماية الدولة"، والوقوف بصرامة فاصلة خشنة ومتطهرة من الخارجين على الدولة. ولاحظ أن هذه الدولة لا تحمل من مواصفات الدول إلا الكلمة، فهي لا تحترم مواطنة ولا دستورا ولا قانونا ولا تحترم حتى الأخلاق الإنسانية والعمل بالإعراف القبلية، ومع ذلك تجد من يرفع شعارات الدستور والمدنية والعصرنة، ثم ينحاز للدولة في مواجهة فئات من المواطنين، حتى لو كانت تحمل أيديولوجية نقيضة، أو تتبنى مشاريعا سياسية تتناقض مع مشروعات الدولة وتريد إزاحة السلطة الحالية.

 

الحديث عن الخلاف في الأسلوب فهذا لا يعني إسقاط حقوق المواطنة، والقبول بتعميم اتهامات لا تستند إلى الدستور مثل الحساب على القناعات الفكرية، خاصة وأن معظم عناصر وجماعات الحركة المدنية وحركات اليسار تبنت في ماضيها فكرة "العنف الثوري"

أما الحديث عن الخلاف في الأسلوب فهذا لا يعني إسقاط حقوق المواطنة، والقبول بتعميم اتهامات لا تستند إلى الدستور مثل الحساب على القناعات الفكرية، خاصة وأن معظم عناصر وجماعات الحركة المدنية وحركات اليسار تبنت في ماضيها فكرة "العنف الثوري"، بل وانخرطت في تنظيمات سرية؛ بعضها سعى لامتلاك آلة قوة لإنجاز مهمة التغيير والوصول إلى السلطة، لكن هذه الافكار تطورت إلى مبدأ التداول السلمي بآليات ديمقراطية، وهو التطور الذي تم إحباطه بعد ثورة يناير، ما أدى إلى ردود فعل غير منضبطة تسيء للمشاريع السياسية عموماً وتسد مسار الوصول السلمي للسلطة. ولذلك، فبدلاً من المطالبة بالإعدام السياسي والاجتماعي لفئات كبيرة من المجتمع المصري بحجة عدائها للدولة، كان لزاما على تيار الحركة المدنية أن يفكر (حسب شعاراته المعلنة) في فتح مسارات العمل السياسي، وعدم استسهال النبذ والتخوين الوطني، وعدم الإقرار بأن القناعات الفكرية للمواطنين "الآخرين" تهمة قانونية لمجرد أن النظام وأجهزة الأمنية ترى ذلك، خاصة وأن الأساليب الخاطئة في العمل السياسي ليست جرائم جناية، بل مثالب ديمقراطية يجب تصويبها بآليات الديمقراطية، وليس بصراعات الإقصاء والتخوين الوطني والفصل العنصري.

(اعتراف+)
أصارحكم بحقيقة أخيرة، وهي أنني لم أكتب المقال الذي خططت له؛ لأنه ضاع تحت ضغط ضرورات "التوك شو"، وانكمشت أمامه المساحة، وخجل صاحبه من الإثقال أكثر على القارئ. وحتى لا نترك كل ما لم ندرك، أنبه المهتمين بالتحليل الاجتماعي والثقافي إلى تأمل حالة النظام في التعامل مع المواطنين باعتبارهم "نفايات بشرية"، لا فرق بين أصولهم وتسمياتهم وتقسيماتهم. ففي صندوق النفايات، يتضاءل الاهتمام بما كانت عليه قيمة الاشياء المستهلكة والفروق بينها؛ لأنها تصبح جميعا في نظر النظام "نفايات"، والمفارقة أن تتصارع البقايا في الحديث عن ماضيها المجيد وتتفاخر بتاريخها البائد.

وهذا المثال الفج ليس توبيخاً لأحد، وليس فجاجة لغوية أو وصفية، لكنه تحليل علمي لعالم الاجتماع الأهم في تفسير حال زماننا: البولندي الضائع زيجمونت باومان، صاحب معمل تحاليل السيولة الذي أنوي توريطه في تحليل أمراض نخبتنا ونظامنا الاجتماعي والسياسي. فإلى المقال المقبل، لو لم تدهمنا الأخبار ويشتتنا التردد.

#الحرية_لمصر

tamahi@hotmail.com