قضايا وآراء

الحرب على العاصمة الليبية طرابلس وتغير الموازين

1300x600
تستمر أصوات القذائف والأسلحة المتنوعة وتحليق الطيران النهاري والليلي على تخوم العاصمة الليبية طرابلس، منبئة بأن الحرب لن تكون لأيام كما أعلن سابقا اللواء المتقاعد خليفة حفتر، في بيانه الذي أعلنه في بداية هجومه على العاصمة طرابلس، الذي سماه "الفتح المبين"، وأن الحرب كذلك لن تكون أبدا كما سوق لها إعلام حفتر والدول الداعمة له على أنها حرب خاطفة تُحصد نتائجها بسرعة.
 
إعلان الحرب وطعنة في الظهر

كانت الأطراف السياسية الليبية والمجتمع الدولي تسير في اتجاه عقد الملتقى الوطني الجامع برعاية اممية في مدينة غدامس جنوبي غرب ليبيا، الذي كان يُعول عليه بأن يكون مخرجا لحالة الانسداد والانقسام السياسي في البلاد، وسبق الملتقى اجتماع في أبوظبي جمع بين رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني المعترف به دوليا فائز السراج، وبين خليفة حفتر بحضور المبعوث الأممي غسان سلامة.

وكشفت لاحقا بعض تفاصيل الاتفاق عن أن من بين تفاهمات أبوظبي إنهاء حالة الانقسام بين المؤسسات الليبية والسير في طريق إجراء الانتخابات وضمان منصب لحفتر في الجيش.

لكن تفاهمات أبو ظبي لم ترق للكثير من الشركاء السياسيين للمجلس الرئاسي. ورغم كل العراقيل سار المجلس الرئاسي في هذا الخيار في محاولة  لكسر حالة الجمود السياسي والانقسام، إلى أن حدث ما وصفه فائز السراج بالطعنة في الظهر بخروج خليفة حفتر في بيان صوتي معلنا البدء في الهجوم على العاصمة طرابلس وتحالفه السريع مع مليشيات قبلية في مدينتي ترهونة وغريان جنوب العاصمة طرابلس.

ودفع حفتر بأرتاله العسكرية المدججة بالمدرعات الإماراتية وأسلحته النوعية المملوءة بذخيرة مصنع صقر المصري وطائرات مسيرة صينية الصنع نحو طرابلس. يكشف كل ذلك الستار عن نوايا حفتر التي لم تكن تسعى يوما لحل سياسي وكان يعد العدة للهجوم على طرابلس بدعم وفير من الإمارات كشفت تفاصيله تقارير سابقة للجنة الخبراء بالأمم المتحدة. إضافة إلى قرابة مائتي مليون دولار منحتها له السعودية دعماً لحملته العسكرية على طرابلس.

كما أثبت ديوان المحاسبة الليبي أن حوالي خمسة وثلاثين مليار دينار ليبي سُحبت من بنوك المنطقة الشرقية للبلاد كديون خارج الإطار الرسمي للدولة عن طريق الحكومة المؤقتة الموالية لحفتر في شرقي ليبيا. وهو ما يُرجح تلك الأموال ربما قد استخدمت في تمويل الحملة العسكرية على العاصمة طرابلس.

الحرب على تخوم العاصمة

قد يكون حفتر اتخذ قرار الحرب، ولكن قرار إيقافها أو السيطرة على مجرياتها المتسارعة على الأرض لم يعد حكرا لطرف دون الآخر، والمعطيات على الأرض توضح كذلك أن القادم حرب طويلة جدا قد تستمر لأشهر، ولن يستطيع فيها طرف محو الآخر بشكل تام، خاصة بعد إعلان عملية بركان الغضب العسكرية التابعة لحكومة الوفاق، أن هدفها ليس فقط إخراج قوات حفتر من المناطق التي سيطرت عليها جنوب طرابلس، بل ملاحقتها إلى مدن أخرى تتخذ منها قوات حفتر قواعد انطلاق صوب طرابلس كمدينة ترهونة ومدينة غريان.

إضافة لذلك، دخول جزء كبير من قوات المنطقة العسكرية الوسطى إلى طرابلس للمشاركة في الدفاع عن العاصمة، بجانب قوات حماية طرابلس والمنطقة الدفاعية الغربية وقوات مساندة من عدة مدن في الغرب الليبي، كل ذلك صعب على القوات المهاجمة الدخول إلى طرابلس.  لذلك يمكن القول إن حفتر تورط فعلا في هذه الحرب، وتظهر نتائج ذلك تدريجيا بانهيار قواته وخسارته لدوره كطرف في المشهد السياسي الليبي في القادم من الأيام خاصة بعد تصريح السراج بان حفتر لم يعد شريكا في العملية السياسية.

العودة إلى نقطة صفر

انطلاق الحرب وحالة الفوضى التي ستستغلها بشكل حتمي خلايا التنظيمات الإرهابية المنتشرة في الجنوب الليبي على وجه الخصوص، جعل الحديث عن أي حوار أو وقف لاشتباكات مطلبا مرفوضا كما أعلن المجلس الرئاسي وبقية الأطراف السياسية في طرابلس، وبذلك تنحصر خيارات حفتر بالاستمرار في القتال إلى آخر عنصر من قواته وعدم قدرته على الانسحاب لأن هذا سيضعه في موضع المساءلة أمام أنصاره في شرق البلاد، خصوصا بعد التسريبات التي تتحدث عن أكثر من مئتي قتيل في صفوف قواته منذ انطلاق حملته العسكرية في الرابع من نيسان/ أبريل الماضي.  

كل هذا يؤكد أن خيارات التيار المؤيد لعملية الكرامة تنحصر الآن في إيجاد بدائل فعلية لخليفة حفتر بعد هزيمته الوشيكة على تخوم طرابلس.
 
تغير في الموازين

إذ تحدتنا عن المستفيد الأكبر من هذه الحرب فهو بلا شك المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني بقيادة فائز السراج، فبعد أن كان يتعرض لتشكيك في نواياه وقراراته من قوى سياسية وعسكرية في غرب ليبيا، دفعت هذه الحرب الجميع لتناسى خلافاتهم والتعاضد فيما بينهم لصد الهجوم خاصة الكيانات العسكرية التي كانت تأبى الاعتراف بالمجلس الرئاسي كسلطة شرعية نجدها الآن تقاتل تحت رايته وشرعيته.

وعلى الصعيد الشعبي كذلك تماسك المجلس الرئاسي وإدارته للمعارك من وسط طرابلس اكسبه مزيدا من الشعبية على الأرض، وساهم كذلك في كسب ثقة مؤسسات الدولة الأخرى. وهذا ما لم يتحقق للمجلس بشكله الحالي منذ تاريخ دخوله إلى العاصمة طرابلس.

بناء على كل ذلك، يبدو أن المجلس الرئاسي بعد هجوم حفتر لن يكون بنفس الحالة من الضعف والتخبط كما كان عليه في السابق، وإنما أكثر تماسكا واستقلالية في القرار وإدارة المشهد الأمني والعسكري، وهذا مما لا شك فيه سينعكس على نظرة المجتمع الدولي ككل له أو تراجع بعض الدول الداعمة لحفتر بشكل تدريجي خوفا من تضرر مصالحهم مع المعسكر الغربي بقيادة حكومة الوفاق الوطني في العاصمة طرابلس.