قضايا وآراء

بين هيكلنا وهيكلهم.. ضاعت الدماء الطاهرة: لماذا وكيف؟ (2-2)

1300x600
تكلمنا في المقال السابق عن ماهية العنصرية الهيكلية وتجذرها في الكيانات السياسية المصرية، وتعقيدها للمشهد السياسي المصري، وكيف استطاعت أن تقف أمام طموحات وآمال الشعب المصري في تحقيق أهداف ثورة يناير المجيدة. ونتناول في هذا المقال لماذا تجذرت العنصرية الهيكلية، وكيفية كسرها وبناء بيئة سياسية رشيدة يتنافس فيها الجميع تنافسا شريفا يخدم مصلحة الوطن.

العنصرية الهيكلية وقيادات المؤسسة العسكرية

فما بين الولاء النفعي الكاذب لهيكل المؤسسة العسكرية وأذرعها الشرطية والقضائية والولاء المضلل للهياكل الحزبية المدنية؛ ضاعت حقوق الشعب الأساسية، واستُحلت دماء الشباب الأطهار منذ بداية ثورة 25 يناير وحتى الآن.

وحتى الألقاب لم تسلم من العنصرية الهيكلية فـ"الباشا" و"البيه" ألقاب قامت عليها ثورة تموز/ يوليو 1952، وعادت من جديد ليستأثر بها أعضاء هيكل الجيش والشرطة عن بقية الفئات. ولم تكتف بعض قيادات المؤسسة العسكرية في وقتنا الحالي بسابقتها في عهد مبارك، بل سيطرت على كل ثروات الوطن، ولم تُبق شيئا إلا وسخرته لخدمتها الشخصية وخدمة أسرها بعيدا عن الشعب، وأصبحت هذه القيادات أصحاب قنوات فضائية وإنتاج سينمائي، وتجارا، مقاولين، وبائعي خضار وأسماك.

وحدّث ولا حرج في إسناد جميع المشروعات وإدارة الوزارات لقيادات وهيئات عسكرية غير متخصصة، فكرّس هذا الاستبداد والعنصرية الهيكلية في أبهى صورها، مما شجع كبيرهم القزم للدخول من النافذة المكسورة في بناء الجيش المصري العظيم، ويتحرك للقيام بتعديلات دستورية يريد منها أن يكون إلها أبديا سرمديا للمصريين، مكافأة لفشله على جميع الأصعدة وإفقار الدولة وتهديد أمنها القومي وتقزيمها خارجيا.

لقد تربت هذه القيادات على أن تسمع وتطيع فقط لمن هو أعلى منها رتبة عسكرية، دون نقاش أو جدال. وأظن أن السبب الرئيس لكره هذه القيادات لثورة يناير هو ببساطة أن الثورة ستجبرهم لإعطاء حقوق الشعب وتجردهم من ميزات لا يستحقونها، بل هي ملك للوطن. والأهم من ذلك، هو الاستماع لصوت الديمقراطية والقبول برئيس مدني لا ينتمي لهيكلهم ولا يحمل رتبة عسكرية.. سيتقبلونه كرئيس منتخب للدولة وقائد أعلى للقوات المسلحة، ويلتزمون مهامهم في حراسة الوطن وعدم التدخل في الحياة السياسية، ووضع ميزانيته تحت المراقبة القانونية.

وبذلك، وقف هؤلاء كحراس الهيكل بالمرصاد لثورة يناير، وتربصوا بها وشبابها وقادتها، وتحركوا لتغيير العقيدة العسكرية للجيش لخدمة مصالحهم الشخصية، فتحول العدو من العدو التاريخي المتربص "اسرائيل" إلى المعارضين لحكم العسكر عامة، والإسلاميين خاصة، وكل من يتعاطف معهم، وهو ما يعد انحرافا خطيرا يهدد الأمن الوطني والسلم المجتمعي ويقود الدولة إلى الانهيار لا محالة.

العنصرية الهيكلية والتيارات والأحزاب المدنية

وفي الجانب المدني، وجدنا في قيادة المشهد السياسي قيادات شاخت على تقبل القهر والظلم والهزيمة، والاكتفاء بأدبيات الصبر والمعتقلات، وغُيبت في السجون لعشرات السنين، فخرجت بأمراض نفسية وعضوية شتى؛ جعلت منها قيادات متجمدة وتفتقد الابتكار ولا ترغب في التغيير، ولا تمتلك أدواته ولا القدرات لإحداثه.. يخشون من الآخر، ويؤثرون أنفسهم بالحقيقة والرشد والمشروع الرباني الأصلح، متقوقعين ومنغلقين على هيكلهم، ويفتقدون للتفكير الاستراتيجي والعمل الجماعي وإداراة الأزمات، ولا يعيشون تغيرات الواقع ومتغيراته. وإحقاقا للحق، لكل قاعدة استثناء. فقيادات حزب البناء والتنمية أحدثت حالة في المشهد المصري، بمنهجية واعية ورشد في التفكير وصناعة القرار، وإدراك للواقع ومتغيراته، وانفتاح على الآخر، وإيثار لمصلحة الوطن على المصلحة الحزبية، بشهادة المراقبين.

ولقد نجحت المؤسسة العسكرية، بمساعدات خارجية، في رسم شكل معارضتها المدنية، واستفادت من أخطاء المعارضة بعد ثورة يناير وأخطاء الأنظمة السابقة، لتسير بمخطط ونموذج متكامل تم رسمه بعناية، ليبقى الحكم العسكري جاثما على أنفاس الوطن لعشرات السنوات القادمة.

كسر الانقلاب يأتي من الداخل وبدعم المعارضة بالخارج

والوضع السياسي في مصر يتميز بأنه لا يتأثر بالمتغيرات الداخلية فحسب، بل يتأثر بالمتغيرات الإقليمية والدولية لأهمية مكانة ومكان مصر، لذا فإن من الأهمية للمعارضة في الخارج دراسة العوامل الداخلية والخارجية معا وإيجاد أرشد السياسات والمضامين الإعلامية وأكثرها فاعلية للتعامل الجيد مع الوضع الحالي.

ومن الحيوي أن تدرك المعارضة أن كسر الانقلاب لن يأتي سريعا، وأنه لن يأتي منهم في الخارج، بل سيكون من الداخل، حيث جموع الشعب الذي يمتلك القرار وحده والقدرة على التغيير والثورة على الظلم. وأخيرا لا بد للمعارضين في الخارج أن يدركوا أنهم ليسوا أوصياء على هذا الشعب أو وكلاء ومتحدثين بالنيابة عنه.

ومن دراسة الوضع في الشارع المصري، نجد أن فئات الشعب المصري تنقسم في توجها السياسي إلى ثلاثة مربعات:

أولا، المربع الأبيض: ويمثل الرافضين للانقلاب العسكري أو المعارضين لسياسته، والمتعاطفين معهم. ويوجد منهم الآلاف في الخارج وفي السجون، ولا تتعدي نسبتهم 30 في المئة من كتلة المجتمع المصري، حسب متوسط إحصائيات العديد من المراكز البحثية للمعارضة. وطريقة التعامل مع هؤلاء من قبل المعارضة لا بد أن تتركز على الدفاع عن حقوقهم وتوثيق ونشر قضاياهم في الإعلام، ومحاولة دعم عائلاتهم معنويا وماديا، وبث الأمل وروح التفاؤل بينهم.

ثانيا، المربع الرمادي: ويمثل السواد الأعظم، أكثر من 55 في المئة، حسب متوسط إحصائيات العديد من المراكز البحثية للمعارضة، وهم من يطلق عليهم حزب الكنبة أو الفئة التي هي لا مع المعارضة المدنية ولا العسكر، ويقفون لمتابعة المشهد المصري وشغلهم الشاغل معايشهم واحتياجاتهم من مسكن ومآكل ومشرب، والتي تأثرت مؤخرا بالسياسات الاقتصادية ضد الطبقة المتوسطة والفقيرة للانقلاب، والاستهتار بأرواح المصريين والحوادث المتكررة، كحادث قطار محطة مصر، وكذلك بالانتهاكات لحقوق الإنسان والإعدامات الظالمة للشباب ومشروعات الانقلاب الوهمية الفاشلة.

وحققت هذه الفئة نسبة مشاهدة عالية لقنوات المعارضة، وعزوف واضح عن إعلام الانقلاب، لذا يجب على المعارضة استغلال تجاوب هذه الفئة وتململها من الوضع في مصر، من خلال جذب أكبر عدد منها إلى المربع الأبيض، وابتكار الطرق الخلاقة للاعتراض والحراك الشعبي، كحملات "اطمن أنت مش لوحدك" أو مثيلاتها، وتركيز المضامين الإعلامية المتعلقة بحقوق الإنسان والحالة الاقتصادية والأمن والسلم المجتمعي. وزادت كتلة هذا المربع على حساب كتلة المربع الأسود في السنتين الأخيريتين بنسبة لا تقل عن 15 في المئة.

ثالثا، المربع الأسود: ويمثل مكونات الحكم العسكري والداعمين والمنتفعين من الانقلاب العسكري، والتي كونت شبكة استبداد وفساد كبيرة. ومن الصعب استقطاب للمربع الأبيض، فمعظمهم ينتمون إلى المؤسسة العسكرية والشرطية والقضائية والإعلامية وأصحاب المصالح، من رجال الأعمال والفنانين ووجهاء المجتمع، ونسبة من الأقباط ورجالات الحزب الوطني ومبارك الكارهين لثورة يناير عامة وللتيار الإسلامي خاصة. ونسبة هؤلاء لا تتعدى الآن 15 في المئة من كتلة المجتمع  المصري، بعد تناقصها المطرد خلال السنتين الماضيتين.

وطريقة التعامل معهم من المعارضة تتركز في التحرك الدولي في رفع القضايا الدولية عن المتورطين في جرائم ضد الإنسانية، أما غير المتورطين فيمكن العمل على جذبهم للمربع الرمادي وتحييدهم، من خلال فتح أمل قبول توبتهم ودعم انخراطهم في المجتمع مرة أخرى، والاستفادة من تجارب دول عديدة في العدالة الانتقالية.

أولويات المعارضة في الخارج في هذه المرحلة

ولو تأملنا منهجية المعارضة الحالية لوجدناها تحتاج إلى وقفة لتصحيح المسار ونقد الذات، وتطوير ورؤية استراتيجية مرحلية موحدة على كافة المستويات تستهدف كسر الانقلاب أولا، وتوحيد الجهود لذلك ومنهجية لإدارة الأزمات والتهديدات وكيفية الانتفاع من الفرص المتاحة.

ولن يكون تحقيق هذه الأولوية إلا بكسر العنصرية الهيكلية الحزبية، والاندماج والتكامل بين مكونات المعارضة المختلفة تحت مظلة جامعة، من منطلق الدفاع عن ثورة يناير ومكتسباتها، وتفعيل مراكز التفكير  "Think Thank"، وتشكيل عقل استراتيجي جمعي للمعارضة.

فجميع أفراد المعارضة يعيشون نفس الظروف في المهجر، وتربط بينهم الأخوة الإنسانية والمبادئ والأهداف المشتركة. لذلك يجب أن تتمركز مكونات المعارضة في الخارج وتتحرك في عمل جماعي مشترك، وتتكامل لكسر العنصرية الهيكلية فيما بينها، وتسعى لتحقيق الرؤية الاستراتيجية الموحدة.

ومن الأدوات الهامة لتحقيق الرؤية الموحدة؛ هي معركة صناعة الوعي للشعب المصري، فهي من أهم أولويات المعارضة في الخارج، وتمتلك في هذا التحدي قوة لا بأس بها من قنوات فضائية ووسائل التواصل الاجتماعي.

وهناك قاطرة الرؤية الموحدة للمعارضة، وهي الملف الحقوقي والإنساني وأهميته في التأثير الداخلي والخارجي، عبر الحراك الإعلامي والقانوني ضد انتهاكات حقوق الإنسان في مصر، ومساعدة المصريين الفارين في مختلف دول العالم في معايشهم؛ من مسكن وأوضاع قانونية لهم.

لا بد أن تدرك المعارضة في الخارج أن وجود رؤية استراتيجية موحدة هو أساس للثورات، وأن مبدأ التكامل والالتفاف بين مكوناتها هو ضرورة للحفاظ على حياة أفرادها، وليس فقط لتحقيق أهدافها الحزبية، وأن العمل شاق والطريق طويل، والمعركة هي معركة سياسة النفس الطويل؛ تحتاج للتأهيل، وأن النصر قادم لو تعلمنا من الدروس المستفادة من الثورات السابقة والإعداد الجيد والبناء على منطلقات وشعارات يناير، ما قد يساعد في توحيد الصفوف.

أهمية الشباب في كسر العنصرية الهيكلية

إلى أن يشاء الله بتغيير الوضع في مصر، هناك فرصة لن تتكرر لمكونات المعارضة في الخارج بإطلاق يد الشباب ليتحرر من العنصرية الهيكلية، وليؤسس لحوار مجتمعي شامل للمعارضة، وليخلق شبكات وعلاقات اجتماعية مع بعضهم البعض على اختلاف انتماءاتهم الحزبية والأيديولوجية، ولإعداد قاعدة مشتركة بينهم على جميع المستويات السياسية والاجتماعية، ولإتاحة التدريب التخصصي لهم ككوادر حزبية وكرجالات الدولة مستقبلا.

وكذلك إشراك الشباب في إدارة المشهد، والاستفادة من أفكارهم ورؤاهم الإبداعية، وانتقاء الكفاءات وإفساح الطريق لها للقيام بأدوار رئيسية في تحقيق الرؤية المشتركة للمعارضة.

وعلى الجانب الآخر، لا بد من الاهتمام بمعايشهم من مسكن وعمل، وتقنين وجودهم في الدول المستضيفة، وتوعيتهم بأهمية احترام قوانين وثقافة وعادات البلاد التي تستضيف المعارضة؛ حتى لا يتعرضون للمضايقات ويكون جل تركيزهم على واجبهم الوطني للدفاع عن ثورة يناير ومبادئها ومكتسباتها، وقيادة المرحلة بدعم الكبار، ليصلوا بالمعارضة للرشد وتغيير المشهد السياسي الحالي، وتغليب مصلحة الوطن على المصالح الحزبية.

كذلك، على قيادات الجيش الوطنية أن تتحرك لتصحيح الأولويات وإعادة العقيدة الصحيحة للجيش التي جعلت منه خير أجناد الأرض، بولائه لدينه ووطنه وليس لفرد أو مجموعة.. دور الجيش هو حماية حدود الوطن لا الحكم، وتربية قيادات عسكرية على شاكلة الشاذلي والجمسي والرفاعي والزمر، وغيرهم الكثير من قيادات من أبناء هذا الوطن شرفت العسكرية المصرية بهم وافتخر الوطن بتضحياتهم.

النتيجة كارثية للعنصرية الهيكلية

والنتيجة الحتمية لو استمر هذا الصراع والتعصب الهيكلي؛ هي تهديد الأمن القومي وعبث الأصابع الخارجية بمستقبله وثرواته والاستهانة بدماء أبنائه، فأبناء الفلاحين والعاملين، والحرفيين والكادحين من أبناء الوطن؛ يقتلون ظلما دفاعا عن شرف الدولة في سيناء والحدود الغربية وحفظ الأمن الداخلي، أو يعلقون على المشانق دفاعا عن عزة الوطن وحريته بتهم زائفة ونكاية واستئصالا للهياكل المنافسة.

إن ثورة الشباب على هياكله قادمة لا محالة، ولو لم يسرع حراس الهياكل إلى إعطاء الشباب كامل حريتهم لرؤية الواقع ونقد فلسفتهم بكل رشد ومرونة؛ فلن يكتفي الشباب بثورة على الظلم، بل ستكون ثورة حتى على الثوابت والمسلمات، ولن تبقي هياكل ولا أحزابا ولا جيشا ولا حتى دولة، بل إرهابا وإلحادا وحروبا أهلية وشلالات من دماء الأبرياء لا قدر الله.