قضايا وآراء

الذكاء الاصطناعي وإعادة تشكيل الاقتصاد العالمي (3-3)

1300x600
ماهية وأهمية الذكاء الاصطناعي

يعتبر الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته الحيوية أحد أهم المجالات التطبيقية في الاقتصاد المعرفي، وقاطرة الثورة التكنولوجية الأكبر في وقتنا الحاضر، والمؤشر الجديد في التنافسية التقنية بين الدول العظمي.

كذلك يمثل الذكاء الاصطناعي أهم مخرجات الثورة الصناعية الحالية، حيث التطبيقات المتعددة في المجالات العسكرية والصناعية والاقتصادية والتقنية والتطبيقات الطبية والتعليمية والخدمية.

والذكاء الاصطناعي يمكن تعريفه بأنه يمثل محاكاة لطريقة التفكير والتحليل والسلوكيات المنطقية (ذكاء) للإنسان، من خلال برمجيات يصنعها الإنسان وتنتشر تطبيقاتها حولنا، كبرمجيات الترجمة الآلية، والإنسان الآلي، والمركبات ذاتية القيادة (عربات وطائرات)، وبرمجيات التوقع لأسعار الأسهم، وتطبيقات عديدة في الصحة والتعليم والصحة.

ويمكننا القول إننا مشرفون على ثورة في العديد من القطاعات؛ من خلال الذكاء الاصطناعي وتحليلات البيانات وتطبيقات الذكاء الاصطناعي في المجالات العسكرية والأمنية، وقطاع التمويل، والرعاية الصحية، والعدالة الجنائية، والنقل، والمدن الذكية التي غيرت من آليات صنع القرار، ونماذج العمل، وتخفيف المخاطر، ونوعية أداء النظم، وهو ما يجعل الذكاء الاصطناعي ثورة ستغير موازين القوى، ويصبح أكثر الابتكارات الإنسانية الفريدة تأثيرا في التاريخ.

وحسب آراء المحللين والخبراء، فمن المتوقع أن تضيف التقنيات المعتمدة على الذكاء الاصطناعي ما يزيد عن 15 تريليون دولار إلى السوق العالمية خلال الأعوام العشرة القادمة، أي 10 أضعاف مبيعات النفط عالميا، وهي توقعات ليست مبالغا فيها، فالاستثمارات اليوم في مجال الذكاء الاصطناعي تمثل أضعاف الاستثمارات في التنقيب عـن البترول أو الذهب.

ومما لا شك فيه، أن أدوات السوشيال ميديا وتطورها وفّرت بيانات بكميات كبيرة غير مسبوقة، أو ما يطلق عليها "البيانات الضخمة" (Big-Data)، التي أصبحت متوفرة على الشبكات العالمية في المجالات كافة؟ وجاء التطور المذهل لسرعات الحاسوب لتدعم النماذج الرياضية والتحليلية، حيث التحليل والاستنباط والتنبؤ بالمؤشرات الذكية المهمة في صناعة السياسات وجودة القرار، مما أثر إيجابا على تطور منهجيات ونماذج الذكاء الاصطناعي. كذلك ظهور الطفرة الكبيرة في طرق التعلم لنماذج الذكاء الاصطناعي، أو ما يطلق عليه "التعلم العميق" (Deep Learning)، مما دعم أيضا التطبيقات والبحوث المعتمدة على الذكاء الاصطناعي حيث الدقة والفاعلية.

الولايات المتحدة وعسكرة الذكاء الاصطناعي

ووفقا لتقرير صحيفة ديلي ميل البريطانية، فإن "الصراع بين الدول العظمى قد ابتعد كثيرا عن استخدام الأسلحة والصواريخ النووية، ليحل محله صراع من نوع آخر، يعتمد بالدرجة الأساس على الذكاء الاصطناعي".

وكذلك ظهر في العلن مشروع ميفن (Maven) الذي يتعاون فيه البنتاغون مع كبريات الشركات التقنية في وادي السيليكون، ليؤدي الذكاء الاصطناعي دورا جوهريا في استراتيجية الدفاع الوطني الأمريكي الحالية والمستقبلية. ورُصدت العديد من الزيارات من مسؤولين أمنيين رفيعي المستوي لوادي السيليكون، حيث تستهدف العسكرية الأمريكية نشر أنظمة الذكاء الاصطناعي؛ للتدقيق في الكميات الهائلة من البيانات وتسجيلات الفيديو التي يجري التقاطها عن طريق المراقبة، ثم بعد ذلك تحليلها لمعرفة وجود نشاط غير طبيعي أو مريب.

ووفقا لما ذكره نائب وزير الدفاع في إحدى اللقاءات، فإن الهدف من استخدام الذكاء الاصطناعي في المجال الأمني والعسكري، هو تلبية احتياجات المقاتلين الحربيين، وزيادة سرعة ومرونة التطورات التقنية والتزود بها، بحيث ينبغي أن تصبح الاستعدادات للحرب فائقة السرعة، والدفاع عن الشبكات الإلكترونية الحيوية من الأولويات العليا للأمن القومي الأمريكي، لضمان عدم تكرار إساءة شركة "كامبريدج أناليتيكا" (Cambridge Analytica)، وكذلك التنافس مع الصين وروسيا وكوريا الشمالية ودول أخرى، التي تضخ موارد هائلة في تطبيقات الذكاء الاصطناعي في هذا المجال.

لذلك، فإن الحكومة الفيدرالية الأمريكية استثمرت مليارات الدولارات في تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي وتطبيقاتها الأمنية، حسب المعلن عنه، كذلك تعكف وكالة الاستخبارات المركزية (سي آي إيه) على تنفيذ أكثر من عشرات المشروع القائمة على الذكاء الاصطناعي، وضع معظمها بالاشتراك مع مطورين من وادي السيليكون، لتضمن التفوق الأمريكي في المجال الأمني.

الصين والنمو الاقتصادي الرقمي

وتأتي الصين، التنين الآسيوي، وحسب دراسة أجراها "معهد ماكينزي العالمي"، كأول الدول اهتماما وأكثرها إنفاقا على تطوير التطبيقات الخاصة بالذكاء الاصطناعي والأتمتة في كل القطاعات، التي من المتوقع أن تضيف للاقتصاد الصيني من 0.8 إلى 1.4 نقطة مئوية لنمو الناتج المحلي الإجمالي سنويا.

وكذلك يعطي الحجم الهائل لسوقها في مجال الذكاء الاصطناعي فرصا هائلة للاختبارات التجريبية والتطوير المستقبلي؛ أكبر بكثير من الولايات المتحدة وبريطانيا اللتين تعدان أولى الدول في استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي.

وفي عام 2017، أصدرت الحكومة الصينية خطة الدولة، التي تستهدف بناء صناعة محلية تساوي ما يقرب من 150 مليار دولار بحلول عام 2030.

وكمثال على تلك الإمكانيات، ابتكرت شركة البحث الصينية "بايدو" تطبيقا للتعرف على الوجه؛ يمكنه العثور على الأشخاص المفقودين، كأقوى تطبيق رائد في هذا المجال.

ولعل التقارب الصيني مع الكيان الصهيوني في الفترة الماضية ناتج من حرص الصين على الاستفادة من التقنيات الموجودة لدى الكيان، وكذلك التقنيات الأمريكية، خاصة بعد سياسات ترامب الأخيرة، التي تهدف إلى منع الصين الاستفادة من التكنولوجية الأمريكية كمنافس شرس، وحرص الصينيون كذلك على إقامة شركات تعفى منتجاتها من الضرائب الأمريكية من خلال دولة حليفة للولايات المتحدة، كالكيان الصهيوني، وأخيرا حرص الكيان الصهيوني على الدخول إلى السوق الصيني الأكبر في العالم من حيث الاستهلاك.

تركيا الجديدة واستراتيجية وطنية للذكاء الاصطناعي

عندما نتحدث عن تركيا، فإننا نتحدث عن تجربة فريدة لدولة إسلامية أصبحت ذات ثقل دولي ومشاركة في صناعة القرار الدولي، ولها مكانتها المحفوظة على خريطة التكنولوجيا الدولية.

ولقد جاء عام 2018 ليحقق أكبر إنجاز للذكاء الاصطناعي على المستوي الدولي، فقامت أكثر من 15 دولة بصياغة رؤية استراتيجية وطنية خاصة بها؛ في مجال الذكاء الاصطناعي.

وتأتي الصين في مقدمة هذه الدول، إلى جانب اليابان والولايات المتحدة وروسيا وكندا، ومن الدول العربية: الإمارات والسعودية، وبدأت تونس في صياغة لهذه الاستراتيجية الوطنية.

وحسب رؤية الدولة التركية الجديدة، فإنها تعطي للاقتصاد المعرفي عامة، والذكاء الاصطناعي خاصة، أولوية متقدمة.

لذا، كان من الأهمية للدولة التركية أن تسرع في تشكيل مجلس قومي أو وزارة لخاصة لذكاء الاصطناعي، لتشرف على وضع خطط استراتيجية قصيرة وطويلة الأمد، ودعم الابتكار في الجهات الحكومية، وربط بحوث الجامعات التقنية في هذا المجال، وإصدار القوانين واللوائح بشأن الاستخدام الآمن للذكاء الاصطناعي، وتنظيم سلسلة مؤتمرات لاستقطاب خبراء في الذكاء الاصطناعي. كذلك عملية ربط خطط أتمتة البيانات في الخدمات الحكومية بقدرات وتطبيقات الذكاء الاصطناعي؛ للتسهيل على المواطنين، وتوافق المنهجيات بينهم وزيادة الكفاءة والفاعلية.

وكذلك يأتي دور القطاع الخاص التركي المهم في تطوير التطبيقات العملية للذكاء الاصطناعي، مثل الدعاية والإعلان والبنوك، وتطبيقات إنترنت الأشياء في المصانع لزيادة الجودة وتقليل التكلفة والتطبيقات الأمنية والعسكرية ذات الأهمية الكبرى.

وكل يوم، نلمس مدى اتساع وتنوع وأهمية سوق ومجالات تطبيقات الذكاء الاصطناعي في العالم، ومدى الطفرة الكبيرة التي يمكن أن تحدثها في مجال الأعمال والاقتصاد التركي.

وتسعى تركيا الجديدة، حسب رؤيتها المعلنة، لبناء الصناعات الوطنية وتطوير تقنيات خاصة بها، لتصبح دولة مصنعة وليست مستوردة. وأصبحت بالفعل تمتلك بنية أساسية تكنولوجية قوية تضاهي ما تمتلكه البلدان المتقدمة.

فالوقت الراهن يشهد أن كل البلدان المتقدمة تمر بمنعطف تاريخي؛ يتمثل في الانتقال إلى الاقتصاد المعرفي القائم على الذكاء الاصطناعي. وتركيا، بما تمتلكه من موارد ورؤية من أعلى مستوى للسلطة، مؤهلة لتكون تجربة ناجحة جديدة في مجال الذكاء الاصطناعي، وكذلك الموارد والعقول المهاجرة لتركيا، قد تكون الدعامة الأساسية لهذا النجاح لو تم استغلالها جيدا.