قضايا وآراء

هل يقع أبو مازن في فخ غزة كما وقع دحلان من قبل؟

1300x600

شكلت الخطوات التي اتخذها الرئيس محمود عباس عبر حكومة الوحدة، من اقتطاع جزء من مرتبات الموظفين العموميين التابعين للسلطة، بداية معركة لفرض السيطرة على غزة، للضغط على حماس ودفعها إلى تسليم القطاع للسلطة الفلسطينية. هذه الإجراءات لم يكن للمواطن الغزاوي، مهما كان انتماؤه، أن يتقبلها، ولا سيما أنها جاءت فجأة وبدون إنذار مسبق، ومست نظام الحياة خاصة لموظفي السلطة. هذه الإجراءات وما نتج عنها من ضغط اقتصادي أوجد لدى كثير من المواطنين في غزة حالة من اليأس والقنوط من أي تغير في الأحوال، وتحقيق ولو جزء يسير من مشروع الدولة الفلسطينية في الضفة الغربية وغزة، خاصة بعد فشل جولات المصالحة في القاهرة.

نتيجة لهذا الواقع أصبح جزء كبير من سكان غزة يفكرون في الخلاص بكل وسيلة ممكنة، بتأجيل تطلعاتهم السياسية، سواء بالهجرة من القطاع أو بالقبول بأي مبادرة يمكن أن تطرح للإنقاذ، ولم تعد الخشية من انفصال الضفة عن غزة تؤرق المواطن المنهك أمام متطلبات الحياة التي تزداد صعوبة. لذلك جاء الحديث عن التهدئة كمخرج من الأزمة الحالية ليفجر خلافا حادا بين شطري السلطة غزة والضفة، ويعيدنا إلى مربع الانقسام الأول للنبش في أحداث الماضي لعلنا نتعلم.

موقف الرئيس أبو مازن من رفض التهدئة لغزة وحدها منفصلة قد يكون وجيها، لكن هذا الموقف غير مقبول من كثير من المحاصرين، ما دامت السلطة لم توقف إجراءاتها العقابية. هذا الواقع تدركه إسرائيل والإدارة الأمريكية التي مارست الضغط على عباس من أجل استعادة سيطرة السلطة على غزة، عبر الإجراءات التي حظيت بصمت القوى الإقليمية والدولية بحجة إخضاع حماس، لكن النتيجة أن هذا الضغط عمل مفاعيل عكسية. فحماس وجدت في هذه الإجراءات تهديا وجوديا. ولذلك، فبدلا من أن تخضع للمطالب، أخذت تبحث عن خيارات بعدا عن السلطة للحفاظ على وجودها.

أصبحت حماس مستعدة للمناورة في لعبة الهدنة لأنها الخيار الأقل تكلفة بين ثلاثة خيارات:

الأول: السكون تحت وطأة الضغوط الاقتصادية والحصار، وهو يعني بالنسبة لها الهلاك، الخيار الثاني: خلط الأوراق بالذهاب إلى الحرب بما فيها من دمار، بمنطق تدمير المعبد على من فيه "خيار شمشوم"، أما الخيار الثالث، وهو الأقل تكلفة على المدى المنظور، فالذهاب إلى التهدئة مقابل تحسين الأوضاع الاقتصادية عبر المشاريع والأموال للموظفين.

موقف الرئيس عباس الرافض للتهدئة إلا بعد أن تسلم حماس غزة كاملة سيعيق عمليات نقل الأموال والإعمار في غزة بصورة رسمية إن تم الاتفاق عليها، ما دفع المبعوث الأمريكي غرينبلات، الذي قاد التحريض على غزة في آذار/ مارس 2017، ليهدد السلطة بالبحث عن البديل لها. بطبيعة الحال حماس ليست البديل، لكن غزة مهيأة لاستقبال سلطة أو جهة جديدة إضافة إلى ما هو موجود. وفي هذه اللحظة، فإن الخاسر الأكبر هو السلطة الفلسطينية؛ لأنها تكون بذلك قد فتحت على نفسها بوابات التدخلات الخارجية بموقفها المتصلب التي تعلنها برفض أي حلول للتسوية مع حماس. هذا الواقع هو البيئة المثالية لبرنامج اليمين الإسرائيلي الداعي إلى فصل غزة عن الضفة الغربية، بهدف منع اقامة الدولة الفلسطينية وابتلاع ما يمكن ابتلاعه من أراضي الضفة الغربية.

عزة هي رافعة المشروع الوطني الفلسطيني، ومن يخسرها يخسر كثيرا من دوره. ويبدو أن ما يحدث اليوم مع الرئيس عباس هو تمهيد لفقدانه السيطرة على غزة والوصول إلى القطيعة النهائية مع غزة، وهذا لا يبعد كثيرا عما حدث مع القيادي في حركة فتح محمد دحلان بعد فوز حماس في انتخابات 2006، والتي أدت إلى دخول حماس سلطة لا تتواءم مع بنيتها الفكرية والسياسية، لذلك كانت هناك حاجة لتحجيم حركة حماس وتصد لطموحها للسيطرة على السلطة التي تشكل منجزا تاريخيا لحركة فتح. لذلك، قاد محمد دحلان يومها المواجهة مع حماس مستغلا أزمة حماس في الحكم.. حماس اندفعت بغريزة الحفاظ على السلطة إلى دخول معركة الحسم على السلطة من دون أن تدرك مخاطرها. المفاجأة الصادمة أن قوات الأمن الوطني وقوات الـ17 والشرطة الخاصة التي تتفوق على حماس عشرات المرات؛ تم تحييدها، فأخلت مواقعها فجأة وبدون سابق إنذار.

الواضح أن من اعطى الأوامر لهذه القوات بعدم المشاركة كان يريد أن تكون النتيجة على النحو التالي:

أولا: سقوط غزة بيد حماس، وعندما خسرت غزة، سقطت السلطة ضحية الابتزاز الإسرائيلي. وكما قال أحد المحللين الإسرائيليين: "إذا كانت غزة سقطت بيد حماس فإن الضفة سقطت بيد إسرائيل".

 

فالاستيطان ينهش الضفة والقدس من دون يكون للسلطة أي مقدرة على مواجهة الغول الاستيطاني، وقيادة السلطة أصبحت محاصرة بالخوف من سلاح حماس خوفا من تكرار مشهد غزة، فأصبحت تنظر إلى أي تجمع أو سلاح لحماس على أنه خطرا على وجودها قبل أن يهدد إسرائيل.

ثانيا: حماس التي رأت نفسها منتصرة يومها بسيطرتها المطلقة على غزة تستفيق على عبء المسؤولية الملقاة على عاتقها، بالرغم من أنها استفادة في بناء قوة عسكرية، إلا انها أصبحت مكبلة بقيود حاجات السكان المعيشية، ووضعت في موضع معقد، فلا هي قادرة على الانسحاب من حكم غزة، ولا هي قادرة على أن تحكم غزة وتتصرف بشؤونها كما تتصرف السلطة في الضفة لا اقتصاديا ولا إداريا.

ثالثا: محمد دحلان كان الخاسر الأكبر في هذه الجولة حين فقد الجغرافيا والديموغرافيا، وخرج إلى الضفة محاصرا بالهزيمة التي لحقت به، وسرعان ما تم التخلص منه وطرده من الضفة حتى يتفرد البعض بالسلطة، بعيدا عن شخص له شعبيته داخليه وعلاقاته الخارجية، فلذلك كان لا بد من التخلص منه لتخلو الساحة لهم.

اليوم عباس يكرر المشهد، فهو اليوم قد تم تحريضه على أنه لا مجال للتسوية بدون السيطرة على غزة، وتأتي نصائح - كما تم تسريبها في حينها - بأن جرينبلات وضع خطة من عشر نقاط لفرض عقوبات على غزة لإجبار حماس على تسليم غزة للسلطة. وما نشاهده اليوم يشير إلى أن السلطة تسير بمسار كارثي، ويبدو أنها ستدفع ثمنا لا يقل عن الثمن الذي دفعه محمد دحلان في حين تم تشجيعه على مواجهة حماس، سواء بالدعم المادي أو المعنوي، لكن وقت المواجهة لم يخف أحد لإنقاذه لمنع حماس من السيطرة على غزة. وبذلك تحقيق الهدف الإسرائيلي الكبير في طريق انفصال غزة عن الضفة بتبلور نظام سياسي منافس في غزة. واليوم ما نشهده من نتائج العقوبات أنها أدت بصورة كبيرة إلى طرح فكرة الانفصال وإيجاد كيان في غزة مستقل عن الضفة، بعد أن كان الحديث في هذا الأمر من المحرمات.

خلاصة القول أن استمرار العقوبات يشكل غطاء لمزيد من الانفصال، وعليه فإن مزيدا من الإجراءات العقابية ستكون له نتائج كارثية على مستقبل فكرة الدولة الفلسطينية في الضفة وغزة. ولم لا؟ فها هي الإدارة الأمريكية تمهد لرؤيتها بطرح الكونفيدرالية للضفة مع الأردن، وتحويل غزة إلى كيان مستقل.