قضايا وآراء

بعد فشل المخطط الإماراتي باليمن.. هل ستتولى المملكة قيادة المعركة؟

1300x600
لا زلت أتذكر، ويتذكر معي كثير من اليمنيين، الدقائق الأولى التي شنت فيها المملكة والتحالف عملياتهما الحربية على اليمن.. كان ذلك قبل أكثر من ألف يوم، وتحديدا في ليلة 26 آذار/ مارس 2015م، كانت ليلة كئيبة ومخيفة بكل ماتحمل الكلمة من معنى، فبقدر ما كان اليمنيون يتطلعون لإزالة الانقلاب، بقدر ما كانوا متخوفين من عواقب تلك الحملة الشرسة غير المتوقعة.

حددت المملكة حينها مهمة التحالف بنجدة "هادي؛" الذي طلب منها إعادة شرعيته من الانقلابيين، وإن كان "هادي" نفسه تفاجأ بتلك الحملة ولم يعلم بانطلاق عاصفة الحزم إلا في اليوم التالي، كما تواترت بذلك الأخبار في حينه، ثم جاء الحديث عن حماية المملكة لحدودها الجنوبية من الحوثيين ضمن أهداف التحالف.

وبين معارض ومؤيد لعاصفة الحزم في اليمن، انطلقت طائرات التحالف تدك المعسكرات، وتهدم البنية الأساسية الهزيلة التي خلفها صالح في سني حكمه الطويلة، معلنة في الأيام الأولى عن تدمير أكثر من 80 في المئة من القوة العسكرية للانقلابيين، بما فيها الطيران والصواريخ والمضادات وغيرها، ولم تكن حينها قد انطلقت العمليات البرية لتحرير المدن، فالمقاومة اليمنية لا زالت في طور التشكل، كما أن الجيش الوطني لم يكن أيضا قد تشكلت نواته بعد.

والغريب، أن التحالف بعد أقل من 20 يوما، أعلن عن إنهاء عملية عاصفة الحزم وانطلاق عملية إعادة الأمل، كان ذلك يوم 17 نيسان/ أبريل من نفس العام، وقد صاحب ذلك التغيير لغط واسع لدى كثير من السياسيين والعسكريين والمهتمين بالشأن اليمني، أفرادا ودولا.. إذ لم تلح بعد بوادر أمل لليمنيين، ولم تتبلور الفكرة التي اجتمع التحالف لأجلها. فالحوثيون لا زالوا يحتلون الأرض، وطائرات التحالف لا زالت تجوب السماء، فعن أي أمل يتحدثون؟

لم يدرك اليمنيون حينها أن تغيير المسمى المعلن صاحبته تغييرات سرية في استراتيجية التحالف: الرؤية والأهداف، والقيادة والسيطرة، والتخطيط والتكتيك، وأساليب التنفيذ أيضا. فاستمرار التحالف يستدعي اشتراطات من نوع آخر، والخسائر التي ستتكبدها الدول الفاعلة في التحالف لا بد أن تضمن استردادها أضعافا مضاعفة.. وهنا جاءت التسمية، فالأمل ليس لليمنيين بقدر ما هو أمل للدول الفاعلة في التحالف.

 وبموجب التغييرات، تخلت المملكة عن قيادة التحالف لصالح الإمارات، وتحول الهدف الرئيس للتحالف من استعادة الشرعية من يد الانقلابيين إلى تمكين الإمارات من إقامة مستعمرة جديدة في عدن والجنوب اليمني، على أن مهمة جديدة أسندت للمملكة في الاستراتيجية الجديدة؛ تمثلت في فرض الإقامة الجبرية على الرئيس هادي وأفراد حكومته.

وبمجرد تسلم الإمارات القيادة الفعلية للتحالف، باشرت بتنفيذ أهداف استراتيجيتها الجديدة، فألقت بثقل قواتها صوب عدن والجنوب، مستغلة زخم المقاومة العدنية والجنوبية التي انطلقت لتحرير عدن، وخاضوا معا معركة التحرير التي لم تطل كثيرا حتى كتب لهم النصر على الانقلابيين في عدن في 17 تموز/ يوليو من نفس العام. وبينما مثّل هذا النصر بصيص أمل لدى بعض اليمنيين، إلا أنه مثّل الأمل كله للإمارات.

 لم تترك الإمارات مجالا لأحد بأن يتكهن أو يخمن أو يحلل خط سير المعركة بعد تحرير عدن، فقد قطعت الشك باليقين، حينما اصطدمت قواتها بحدود محافظة تعز الشمالية، راسمة خطا حدوديا فاصلا بين يمنين، وكأن تحالفا ضمنيا نشأ بموجب الاستراتيجية الجديدة بين الإمارات والانقلابيين، قضى بتقاسم اليمن: للإمارات الجنوب، بما فيه عدن وميناؤها، وسوقطرة وتراثها، وباب المندب وممره المائي.. وللانقلابيين المحافظات والمدن الشمالية؛ يسرحون فيها ويمرحون.

تفرغت الإمارات طوال الفترة الماضية في عدن لتحقيق "أملها" الموعود، وأخذت في تنفيذ مخططها الاستعماري بوضوح لا يقبل التأويل. فالجيش الوطني الذي تشكل لتحرير بلاده؛ استبدلته الإمارات بقوات "النخبة" التي تدين بالولاء المطلق لها، والمقاومة الوطنية التي تجشمت المهالك لتحرير مدنها وطرد المليشيات الإرهابية؛ استبدلتها بالأحزمة الأمنية، والمعسكرات التي خرج منها الانقلابيون أذلة صاغرين؛ حولتها إلى معتقلات سرية، أما القاعدة التي كانت يتهم بها الإصلاح؛ فتحولت بقدرة قادر إلى أداة طيعة بيدها، تؤدب بها مناوئيها، وتفجر بها منازلهم ومقراتهم.

ومن يومها، تفردت الإمارات بقرار الحرب في اليمن، فكانت تشعل جبهة وتخمد أخرى، وتطرد الانقلابيين من مدينة، ليستعيدونها بعد ساعات. وهكذا طوال ثلاث سنين.. لا نصر أحرز، ولا تقدم تحقق. ولو لم تتغير استراتيجية التحالف؛ لأحرز خلال فترة وجيزة نصرا مؤزرا، ولو لم يكبل الجيش الوطني بقرارات جنود الإمارات؛ لحسم المعركة في شهور، ولكن أنى ذلك؟! فالمعركة لا يراد لها أن تحسم، والأزمة لم يكتب لها أن تنتهي.

ومنذ استقرت الإمارات في عدن استلهمت من الأمريكان والبريطانيين سياساتهما الاستعمارية، فاستلهمت من الأمريكان التضحية في سبيل الحصول على النفط العراقي. وفي الحقيقة لم يقصر الإماراتيون بالتضحية بالمال والسلاح، وحتى الأرواح. فقواتها المرابطة في عدن خاضت معارك إلى جانب قوات الجيش الوطني - الذي كانت ولا تزال تسميهم بالقوات الجنوبية - في كثير من الجبهات، وإن اقتصرت على جبهات الجنوب، وامتدت أحيانا إلى ميناء المخا، متعدية في أحيان قليلة إلى ميناء الخوخة باتجاه ميناء الحديدة، وفقا لخطة مرسومة. فالموانئ البحرية والجزر والممرات المائية؛ تستحق التضحية بالغالي والنفيس!

أما عن البريطانيين، فقد استلهمت منهم السياسة الاستعمارية "فرق تسد"، للسيطرة وفرض الوصاية، فأشعلتها فتنة في الجنوب بين الحراكيين والشرعية، وفي الشمال بين الانقلابيين والإصلاح. وفي كل ذلك باءت محاولاتها بالفشل، فتغلبت الشرعية في الجنوب، وتجنب الإصلاحيون الصراع في الشمال.

لم تعترض المملكة على شيء مما قامت به الإمارات في اليمن، بعد توليها القيادة، ولم تحاول التدخل في مجريات المعارك، وإن كانت هي من يتحمل تبعات الأخطاء الكارثية التي أقدمت عليها الإمارات. كما أنها لم تبال؛ حتى بالجرائم التي ترتكب بحق الشرعية نفسها، على الرغم من الشكاوى المتكررة المرفوعة للملك سلمان وولي عهده من قبل الرئيس هادي وحكومته؛ اللذين أصبح بقاؤهما مرتبطا بمدى تنفيذهما لتوجيات الإمارات، والتي تصاعدت كثيرا لتتجاوز حتى النيل من كرامتهما.

ولكن هل سيستمر الصمت السعودي كثيرا عن أخطاء الإمارات الكارثية؟

تزايدت الانتقادات للمملكة عن تخليها عن قيادة التحالف محليا وإقليميا ودوليا، وكانت المرة الوحيدة التي تدخلت فيها المملكة في القرار الإماراتي هي تلك المحاولة التي أقنعت لأجلها الإمارات بتحرير مأرب، لتكون مركزا لقيادة التحالف لتحرير المدن والمحافظات الشمالية. وربما كانت هي المرة الأخيرة التي سمحت فيها الإمارات لشقيقتها المملكة بهكذا تدخل في شؤون القيادة، وإن جمد نشاط الجيش الوطني في كل الجبهات بعد ذلك التداخل، حتى جبهة الحدود الجنوبية للمملكة؛ إلا من مناوشات لا تتعدى المكان.

وإذا كان الركود في الجبهات مقصودا إماراتيا، فما بال المدن المحررة التي تسيطر عليها القوات الإماراتية لم تشهد تغيرا نحو الأفضل، بل ازدادت سوء عن سوء؟!

 استيقظت المملكة متأخرا، فأن تستيقظ متأخرا خير من أن تظل نائمة على وجهها. فالتطورات المتسارعة في المنطقة ليست في صالحها، والمؤشرات تشي بأن إيران ستطبق عليها من جميع الجهات، وما لم تتحرك لتنقذ نفسها - على الأقل في اليمن - فستوارى التراب.

من هنا، جاء التدخل الأخير للمملكة في القرار الإماراتي لإنقاذ الموقف. فالمطالبة الإماراتية الحثيثة بالدفع بأحمد، نجل الرئيس صالح، ليكون رجل التحالف للقضاء على الحوثيين، لم تعدُ كونها نفخا لروح ماتت منذ أمد بعيد، وأنى لمن مات أن يبعث في الدنيا! كما أن عداء الإمارات لحزب الإصلاح لامبرر له، الأمر الذي حمل السعودية على فرض قرار - ولأول مرة - ألزمت بموجبه أبو ظبي بإعادة النظر في الإصلاح، والدخول معه كحليف استراتيجي لحسم المعركة، بدلا عن صالح ونجله والمؤتمر.

والإصلاح، وإن كان الإماراتيون يتخذون منه عدوا استراتيجيا، إلا أنه يمكن أن يمثل مخرجا حقيقيا لإنقاذ المملكة والإمارات والتحالف من فشلهم الذريع في المعركة، خاصة وأن كثيرا من كوادر الإصلاح وقياداته منخرطون مع الجيش الوطني في كل جبهات المواجهة، وبإمكانهم الإسهام في تغيير مجريات المعارك.

ولكن، تبقى الجدية في الأمر هي الفيصل، فلو أن التوجه السعودي لقيادة المعركة صادقا، والتقارب الإماراتي مع الإصلاحيين مخلصا، والنية للحسم مهيئة، فإن الحسم سيكون قريبا، وقريبا جدا.