قضايا وآراء

حلب ليست أزمة ضمير

حمزة زوبع
1300x600
1300x600
 كلما وقعت أزمة أو مذبحة أو مصيبة عادة ما نعزوها لفقدان الضمير الإنساني بشكل عام والمسلم بشكل خاص، وفي رأيي أن هذا تسطيح للقضايا وتحويل النظر عن المسئول الحقيقي وإلقاء التهمة على الضمير .

لست ضد أن يكون الضمير حيا وفاعلا ومحركا للجموع هنا وهناك، ولكنني ضد تحميل ضمير الشعوب وحدها وزر ضياع الأوطان أو تفكيكها أو حرقها أو هدمها قولا واحدا .

مرت ست سنوات على ثورة الشعب السوري فأين كان الضمير في المعارك التي خاضها النظام الدموي ضد الشعب في إدلب والرقة وحلب وحماة ؟ أين كان الضمير حين كنا نشاهد طائرات بشار وهي تلقي بحممها فوق رؤوس الأبرياء ؟ أين كان الضمير ونحن نشاهد أفلاما مسربة عن تعذيب المعارضين وحرقهم؟ أين كان الضمير حين تم قصف المستشفيات وسيارات الإسعاف والمسعفين على مرأى ومسمع من العالم؟

الإجابة، كان الضمير موجودا ومتألما ولكنه غير قادر وحده على فعل أي شيء لنصرة الثوار أو المدنيين، فالقضية لم تعد مجرد صحوة ضمير لأنه  لو بقي الضمير مستيقظا ألف عام فلن يفعل شيئا اللهم تحرك  البعض ليتبرع والبعض ليدعو ويقنت، هذا هو المسموح به الآن وربما لعقود.

دع الضمير جانبا وامنح الفرصة للعقل لأننا بحاجة إلى عقل يفكر بطريقة مختلفة ويطرح أسئلة حرجة ومؤلمة ولكنها ضرورية ولازمة وهي أشبه بالفريضة في رأيي .

 وغياب العقل والتفكير هو الذي يدفع الناس للتعاطي مع الأزمات بالقطعة، هنا البوسنة فلنحرك الضمير ، هنا أفغانستان فلنناشد الضمير، هنا العراق فلنستصرخ الضمير، هنا انقلاب عسكري، وهنا انقلاب عائلي، وهنا حرب أهلية، وهنا وهناك ملايين اللاجئين الفارين من بلدانهم إلى أوروبا التي نتهمها بفقدان الضمير ولم نفكر مرة واحدة أن نلوم أصحابنا الحكام من الجيران، لماذا لم يساعدوا الشعوب من أجل التحرر بدلا من مساعدة المستبدين فتحدث المذابح والمجاعات فيفر الملايين تاركين بلدانهم صوب المغرب بعد أن أوصد المشرق في وجوههم الأبواب .

لو أعملنا العقل قليلا لوجدنا أن كلفة نجاح  الثورة العربية أقل بكثير مما نحن فيه اليوم من خراب ودمار وخيانة وبيع للأوطان، تخيل لو أن الثورة المصرية نجحت ووقفت المملكة وأخواتها إلى جانب الشعب المصري كما وقفت مع عبد الفتاح السيسي ومنحته مليارات تصل إلى ما فوق الستين مليار دولار ثم أدار ظهره للجميع؟

 تصور لو أن الثورة المصرية وما أنتجته من انتخابات ديمقراطية ورئيس يعبر عن إرادة الشعب هي التي تحكم اليوم وتتلقى معشار ما لقي السيسي من الدعم، ترى هل كان بمقدور بشار أن يقتل شعبه؟ هل كان بمقدور العراق أن تحشد حشودها المتعصبة لتقتل السنة؟ هل كان بمقدور الحوثيين أن يفرضوا كلمتهم اليوم على المنطقة؟ هل كان حزب الله ليشارك في الحرب في سوريا؟ لو كان المثلث المصري التركي السعودي موجودا ومدعوما بالثورة وبالشعب المتطلع إلى الحرية ودعم الأحرار في كل مكان، هل كنا اليوم تحت رحمة متعصبي الشيعة، وخيانة الانقلابيين في مصر، وتآمر الغرب الطامح إلى السيطرة على مواردنا الظاهرة والباطنة؟

 أعتقد أن الإجابة هي لا لم يكن كل ما جرى ليكون، ولكن الذي جرى تم التمهيد له بعزل الرئيس المنتخب والمعبر عن ثورة شعب حر وأصيل يعشق الحرية عشق الحياة، ثم تم تدمير مصر من كافة الجوانب فباتت أضعف من ذي قبل، مترددة ومذبذبة، تارة تميل نحو من منحوا انقلابيها قبلة الحياة، وتارة تولي وجهها شطر القوى الناشئة في المنطقة، كل ذلك وعيون العسكر ترقب بشغف أي نظرة أو إشارة من الكفيل الأمريكي.
 
لو أن مصر الثورة كانت هي الحاكمة الآن، لم يكن بشار ليجرؤ أن يواجهها وهو يعلم أن معها السعودية ومن خلفها تركيا وفي القلب الشعب السوري الذي قدم التضحيات ولم ينتظر دعما من أحد.

العقل هو الحل، والعاطفة تأتي لاحقا، العقل يمنحنا التفكير والتدبر، أما العاطفة فتمنحنا شحنة انفعال تحرك بعض جوارحنا ثم تهدأ بعد قليل.

غدا ستصبح حلب السنية مناطق نفوذ شيعية أو علوية. غدا سيكتب التاريخ الفارسي أن الفرس حرروا حلب من السنة الذي انقسموا إلى أجزاء وتفككوا وتفتتوا إلى فسيفساء، بعضهم يدعم بشار والبعض يدعم الشعب، وكثيرون لا نعرف لهم ملة ولا دين، وإن كان صمتهم في حد ذاته جريمة.

إذا كان العقل حاضرا فستعرف أن دولة أسمها إيران لم تكتف بالتعاطف أو بصحوة الضمير بل قررت أن تدفع بالمال والبنين من أجل إثبات وجودها في المنطقة العربية، وحركت حلفاءها الذين صنعتهم على يديها وبأعينها .

العقل يقول أن إيران لم تخش مواجهة أحد، ولم تعمل حساب لأحد سواء وهي تدير العراق من خلف ستار، أو وهي تدعم بشار وقت أن كان آيلا للسقوط، لم تخش طهران من أمريكا ولم تستأذنها، خططت ودخلت وقاتلت ودعمت وأيدت وساندت والعالم ينظر والقوى السنية مختلفة هل تقاتل "داعش" أولا أم بشار، وانتهى الأمر بالجميع أن ينفق أمواله لمحاربة "داعش" لتتفرغ إيران لدعم بشار سقط الشعب السوري في منتصف المعارك تماما كما تركت أمريكا تسقط صدام لتقوم إيران بعد ذلك بإدارة شئونه وتدريب مليشياته الشيعية التابعة لها .

إيران فكرت ودبرت وتحركت، ونحن العرب وأهل السنة صرخنا في ضميرنا فأيقظناه لنبكي قليلا على حلب ولم ندعم ثورة، ولا حركة مقاومة، بل ننعى الظروف والمؤامرات والحقيقة أننا نحن المؤامرة  في حد ذاتها . 
التعليقات (1)
هشام ميشلان
الأربعاء، 21-12-2016 05:34 م
رغم أن الجريمة الأخلاقية تقع على الإنسان العربي ، و رغم أن الإنتهاك الذى يمارس ضد الإنسانية يدور على أراض عربية ،و رغم التقتيل و الإبادة و التهجير يتم أيضا على أراض عربية ،نجد أن المفاوضات تتم بين أربع دول ليست عربية ،الولايات المتحدة وروسيا وإيران وتركيا! ،يديرون الحرب و المعارك و الهدن ، و يتدارسون الأزمات و يجرون المناقشات بالنيابة عن العرب و عن الأطراف المقاتلة على أرض حلب سواء كانوا من النظام أو جبهة النصرة أو داعش أو المعارضة الثورية ، فبالنسبة للنظام السوري فإيران تتحدث في شأن بقائه من عدمه مع روسيا التى بدورها تتفاوض بشأنه مع الولايات المتحدة ، وبالنسبة لقوات المعارضة فإن تركيا هى التى تتحدث عنها مع الولايات المتحدة ، و روسيا و أمريكا كلتاهما تتلاعبان بالأزمة عبر إيران و تركيا ، أما العالم العربى من محيطه إلى خليجه فهو يغط في غيبوبة كلية ، المؤيدون و المعارضون كلاهما لا محل لهما لا من الإعراب و لا من الصرف ، القاتل والقتيل محيدان من تقرير مصير هذه المعادلة الشائكة ، لكن روسيا بدأت تحس بأن البساط الأحمدي الحلبي الشامي السوري بدأ يسحب من تحت أقدامها ، و يستبدل بالبساط الأصفهاني الفارسي الصفوي ،و أصبح الخلاف و النزاع بين اللصين الفارسي و الروسي و ظهوره للعلن مجرد مسألة وقت ، فبعد الاحتجاجات الدولية المتزايدة والتظاهرات التى اجتاحت العالم من باريس مرورا بسراييفو و وصولا إلى الكويت و اسطنبول ، سوف تعجل بفضحهما للعالم ، فالوضع الحالي لمعاناة أكثر من مائة ألف مواطن أطفال و نساء و شيوخ و جرحى فى شرق حلب يمنعون من الخروج إلى منطقة آمنة فى ريف حلب مؤمنة بواسطة الأتراك الذين يعدون بالفعل معسكرات نازحين تتسع لـ80 ألفاً ، و بينما موسكو و طهران منتشيتان بفرحة النصر الغامرة فى حلب ، يسقط سفير في ضربة موجعة ليقلب السكرة إلى فكرة و موعظة و إنذار باللغم السياسي الكبير الذي تقف عليه كلتا الإمبراطوريتان ، و العرب سوف يجتمعون الاثنين المقبل فى القاهرة لجلسة طارئة للنظر فيما يحدث فى حلب ، هل يستحق الشجب و التنديد !؟ ، أو التنديد فقط !؟ .