كتاب عربي 21

الوصفة الجاهزة: دولة الرعاية للأثرياء ورأسمالية للفقراء

طارق الكحلاوي
1300x600
1300x600
"في الولايات المتحدة هناك اشتراكية للأثرياء، وفردانية مشطة للفقراء" 
مارتين لوثر كينغ



هناك وصفة جاهزة أمريكية ناجحة نسبيا إلى الآن، لكنها ليست مستديمة بكل تأكيد يتم تصديرها وإحلالها عبر المؤسسات المالية الدولية، خاصة منها صندوق النقد الدولي بكل الوسائل عبر العالم، خاصة في "التجارب الديمقراطية الناشئة". هذه الوصفة لخصها أعلاه القس المناضل مارتين لوثر كينغ، الذي لم يكن يخوض فقط معركة حقوق مدنية للسود، بل كان ايضا يخوض معركة ضد هذا النموذج لمصلحة مجتمع جديد، يهم كل الأمريكيين من جميع الأعراق والأديان، وذلك تحديدا من الأسباب الأساسية التي أدت إلى تصفيته الدموية. استشهد كينغ لأنه كان يسائل كل المنظومة ولا يريد فقط مقعدا صغيرا ضمنها لصالح السود. يتم التعبير عن هذا النموذج في سياق الجدال الاقتصادي بمصطلح "دولة رعاية الشركات" (Corporate Welfare) ردا على نقد اليمينيين لدولة الرعاية.  أو أيضا ما يتم التعبير عنه بـ"خوصصة الأرباح، وتعميم الخسائر". في تونس سبق أن سميناه في الصيف الماضي "هو يسرق وأنت تخلص" إثر قوانين "إعادة رسملة البنوك العمومية" (الذي تم في إطار خطة "صندوق النقد الدولي")، ومشروع "قانون المصالحة" المقترح من السبسي الذي أصبح الآن مدعوما من حركة النهضة. 

الوصفة الجاهزة "دولة الرعاية للأثرياء، ورأسمالية للفقراء" الأمريكية الناجحة بعوامل السطوة العسكرية الكونية، وضمن ظروف السياق الأمريكي حيث نشأت وترعرعت، خاصة في آخر القرن التاسع عشر عبر سطوة اقتصادية متوحشة، أنجبت كبار الصناعيين والمضاربين الماليين (روكفيلر، جي بي مورغان، كارنيغي، ميلون…)، لا يمكن أن تكون وصفة مستديمة والأهم لا يمكن أن تكون قابلة للتصدير والإحلال في أي مكان وزمان، كأنها كتاب مقدس. رغم ذلك تتعامل معها كذلك المؤسسات المالية الدولية مثل صندوق النقد الدولي على أنها وصفات مقدسة، يجب إحلالها خاصة عندما يتعلق الأمر ببناء نموذج. وهكذا ففي الحالة التونسية يتم تجريب هذه الوصفة ليس طمعا في استعمار تونس كأنها فريسة لا غنى عنها، بل لأنها "نموذج" للاستنساخ في السياق العربي، وضمن نماذج "الديمقراطيات الناشئة" ضمن الضوابط الأمريكية، مثلما كان الحال في الثمانينيات في أمريكا اللاتينية. 

آخر مثال على الوصفة المقدسة المعدة للاستنساخ "قانون البنوك"، الذي "توافق" عليه صندوق النقد مع الحكومة التونسية وضرورة تمريره في إطار حزمة قوانين، قبل اجتماع حاسم في واشنطن يوم 13 ماي لمنح الضوء الأخضر لقرض جديد لتونس بقيمة تتجاوز الخمس مليار دينار تونسي. في النهاية تم التصويت عليه إثر انضباط خرافي من نواب التحالف الندائي-النهضوي وبسرعة قياسية يحسدنا عليها برلمان بن علي (حوالي مئتي فصل في ظرف 24 ساعة). في المقابل انسحبت المعارضة من النقاش بسبب فرضه على جلسة النقاش دون احترام النظام الداخلي. يطلب النظام الداخلي للمجلس 48 ساعة مهلة قبل دعوة النواب وتقرير موضوع الجلسة. وكانت جلسة هذا الأسبوع مبرمجة لمناقشة مواضيع أخرى، وبالتالي النواب (سواء من المعارضة أو السلطة) تهيؤوا لمناقشتها وليس "قانون البنوك". 

البعض يعتبر أن "قانون البنوك" تقني جدا وليس سياسيا. هناك مسألتان أساسيتان في القانون تثيران الجدل، وكل منهما لا يتعلق بما هو تقني بل بتصورين مختلفين للاقتصاد، ومن ثمّ بسياستين للاقتصاد ومن ثمّ هو سياسي بامتياز. الأولى مسألة مبدأ إنقاذ البنوك الخاصة وأي شخص مطلع على بديهيات المنظومات البنكية عبر العالم خاصة، إثر ما حصل سنة 2008 يعلم أن هذا موضوع يتجاوز "التقني" ويتعلق بتصورين مختلفين للرأسمالية ذاتها. أشير مثلا لـ Simon Johnson أستاذ الاقتصاد في جامعة MIT الأمريكية، كتابه الذي ساءل فيه بشدة مبدأ إنقاذ البنوك الاستثمارية الخاصة من قبل الدولة، وإنه مقدمة لازمة أخرى: 13 Bankers: The Wall Street Takeover and the Next Financial Meltdown 
المسألة الثانية المثيرة للجدل في "قانون البنوك" هي مسألة الحد الأدنى لرأسمال البنوك. وهنا يقترح القانون الجديد حدا ضعيفا نسبيا، سيؤدي حتما لولادة فقاعات بنكية. التقليص في حجم رأس المال لبعث بنوك (50 مليون دينار في الصيغة الأولى تحولت إلى  75 مليون دينار بعد تنقيح لجنة المالية) من شأنه أن يؤزّم القطاع عبر تسهيل دخول رجال أعمال دخلاء على القطاع، وعبر تشتت القطاع بولادة العديد من البنوك الصغيرة، في حين أن المطلوب اليوم هو تجميع البنوك لإيجاد بنوك كبيرة قادرة على اكتساح الأسواق الخارجية ومنافسة البنوك العالمية. 

البعض يقول إن إنقاذ البنوك لا يستجيب لوضع راهن؛ إذ لا توجد بنوك خاصة تستحق الإنقاذ، وبمعزل عن حالة البنوك الخاصة التي تستوجب للحكم عليها عمليات تدقيق جدية، فإن مبدأ إنقاذ البنوك يتواءم تحديدا مع وضع فقاعات بنكية. فبنوك صغيرة في منظومة بنكية متخلفة وتحتاج لعملية تعصير عاجلة، يعني أننا سنتجه ضرورة لإفلاس عدد منها. 

على النواب خاصة ممن تصدروا الدفاع الأعمى عنه، أن يسأل سؤالا سياسيا (وهم سياسيون وليسوا اقتصاديين)، لماذا يتم الدفع في سياسة من هذا النوع في حين أن العاجل هو تعصير البنوك؟ هل في إطار الفساد الحالي والتداخل بين عديد أطراف الائتلاف الحاكم وبعض المشبوهين في قطاعات عدة، لا توجد حتى إمكانية لخلق وضع يسمح للعديد بتأسيس بنوك والسماح لهم بضامنة تدخل الدولة، والتحيل بشكل قانوني على حرفائهم فيما بعد؟ في كل الحالات هذا موضوع يستحق نقاشا مفتوحا ولا يمكن أن يتم في إطار الضغط القوي لتمريره من قبل صندوق النقد، الذي اعترف به أحد أعضاء لجنة المالية الأساسيين من نواب النهضة وكاتب الدولة السابق للمالية. 

الوضع الاقتصادي والاجتماعي كارثي في تونس بنسبة نمو بين الصفر والواحد، وهذه الحكومة مشتتة والإدارة في حالة دهشة، واللوبيات تقدم القوانين وتفرض نسق نقاشها. أحزاب السلطة إما تسكر فعليا في أروقة مؤسسات السيادة (مثلم اتهم رئيس كتلة حزب السبسي أحد زملائه)، أو تسكر في تهويمات القضايا المؤدلجة مثل الميراث والمثلية. في المقابل، المعارضة ضعيفة وبعضها منغمس في الإيديلوجي. والإعلام الموالي للوبيات المال يزيدها ضعفا. لم يبق أمام أطراف المعارضة وأنا في أحدها إلا التوافق على أرضية دنيا، والعمل بشكل جماعي. نحن إزاء مسؤولية تاريخية لإنقاذ البلاد. 
التعليقات (1)
لحسن عبدي
الأحد، 22-05-2016 02:27 م
لست ماركسيا ، لكن اعرف ان الماركسية المدرسة التحليلية التي اكتشفت مرض النظام الرأسمالي لكن البديل الذي وضعته لم يكن وصفة لعلاج الخبث الرأسمالي وإنما كان مجرد استبدال ورم بورم اي ورم الرأسمالية الخواص للرأسمالية الدولة الاشتراكية ، كمرحلة وتليها الشيوعية ، وبذلك أصبحت فئة تتصرف في الخزينة العامة وحرمان الآخرين ، انه قصر الاطلاع في الانظمة الاقتصادية المتوازنة فإذا كان النظام الاقتصادي الرأسمالي ونظيرة الاشتراكي أفقي بمعنى الثروة تنتهي في قمة الهرم وتتكدس في أيد قليلة دولة رعاية الشركات فان النظام الاقتصادي الاسلامي عمودي ان الثورة يتم توزيعها على الكل تجنبا لدولة الأغنياء ، صحيح كتبت في مكان آخر ان الناس تعيش في زيف ًتصفق لأمور بعيدة عن الحقيقة العالم اليوم يعيش زيف الرأسمالية لا فرق اليوم بينها في حلتها المعولة وبين البارحة في حلتها الفيدرالية اقنان اقنان ؟