قضايا وآراء

فارس القضاة في مصر

هاني بشر
1300x600
1300x600
في كل عهد من عهود التاريخ المعاصر للدولة المصرية، تحاول السلطة التنفيذية التغول على ما سواها من سلطات وخاصة السلطة القضائية، وذلك بالترغيب والترهيب. ويشهد كل عهد تصدي نفر قليل من القضاة لهذه الحملات ويدفعون ثمنا باهظا لمواقفهم، لكنهم يقدمون الحد الأدنى من الجهد أو تولي فرض الكفاية للحفاظ على ما تبقى من استقلال السلطة القضائية، حتى ينقشع الظرف السياسي القاسي.

المستشار الراحل يحيى الرفاعي، الرئيس السابق لنادي قضاة مصر واحد من هؤلاء. بل ربما هو أبرزهم ومؤسس لتيار داخل هذه السلطة هو تيار الاستقلال. وقد أحيا الصحفي المعتقل في سجن العقرب حسن القباني سيرة الرجل مؤخرا في كتاب أصدره باسم فارس القضاة. وهو كتاب توثيقي يعرض لمعلومات عن سيرة الرجل ومسيرته المهنية، وأهم المعارك القضائية التي خاضها. فقد شارك في صياغة بيان مارس الشهر عام 1968 في أعقاب هزيمة 1967 الذي تناول أسباب تلك الهزيمة، كما استنكر الهجوم على السلطة القضائية ومحاولات ضم رجالها إلى التنظيم السياسي. وقد دفع ثمن ذلك غاليا، إذ أصبح أحد ضحايا ما يعرف بمذبحة القضاة التي أقامها عبد الناصر لرجال السلطة القضائية، وصدر قرار بإحالته مع آخرين إلى التقاعد. ولم ينته التنكيل به عند هذا الحد، بل بلغ الأمر بالنظام آنذاك بأن منعه من السفر وعرقل عمله بالمحاماة عبر تهديد من يتعاون معهم من المحامين. 

ومع عودة من تم عزلهم في مذبحة القضاة إلى مناصبهم، اكتفت السلطات حينئذ بإعادته كموظف في وزارة الاقتصاد عام 1971. الأمر الذي تحداه الرفاعي وعاد قاضيا بمحكمة شمال القاهرة بعد أن كسب دعوى ضد رئيس الجمهورية عام 1972. واستمر بعد ذلك في كفاحه لتحقيق استقلال السلطة القضائية ونظم المؤتمر الأول والأخير للعدالة في أثناء رئاسته لنادي القضاة، وافتتحه الرئيس المخلوع حسني مبارك في إبريل 1986 وتحدى كل الضغوط التي مورست عليه لعدم ذكر قانون الطوارئ وانتقاده في كلمته أمام مبارك. الأمر الذي أثار غضب النظام عليه بعد أن انتقد قانون الطوارئ، وجاءت كلمته وثيقة من وثائق الدفاع عن حقوق الإنسان واستقلال القضاء. 

لقد كان المستشار يحي الرفاعي رمزا من رموز الإصلاح المؤسسي في مصر لواحدة من أهم السلطات في البلاد، وهي السلطة القضائية. وقد أسس مدرسة أثرت في قطاع عريض جدا من القضاة على اختلاف أجيالهم، تنسب إليه شخصيا. ولم يكن من ثمار هذه المدرسة فقط انتفاضة القضاة ضد تزوير الانتخابات التشريعية المصرية عام 2005، ولا حتى وقوف عدد من القضاة ضد استخدام السلطة الحالية للسلطة القضائية، بل سيمتد للمستقبل لأي إصلاح وإعادة هيكلة مرجوة للسلطة القضائية تبعدها عن سيف المعز وذهبه، وتحقق لها الاستقلال الكامل. فالفصل بين السلطات أساس أية ديموقراطية.

أنهى الزميل الصحفي حسن قباني مسودة الكتاب قبل اعتقاله في يناير العام الماضي، ويعرض فيه لأهم الحوارات الصحفية التي أجريت مع المستشار الرفاعي قبل وفاته، ومقولاته التي اشتهر بها ومنها: "يقولون إننا دولة مستقلة ذات سيادة، وأن لدينا قضاء مستقلا، ولدينا سيادة قانون، ولدينا برلمان، في حين أنه ليس لدينا شيء من ذلك كله، ولا حتى الحياء". ومن المفارقات أن يكون مؤلف الكتاب أحد ضحايا قانون جائر لمستشار ينتمي للسلطة القضائية هو عدلي منصور، حين ألغى الحد الأقصى للحبس الاحتياطي عندما كان رئيسا مؤقتا، ليقضي حسن القباني أكثر من عام خلف قضبان سجن العقرب من دون محاكمة وفي ظروف إنسانية غاية في السوء. 

هذا الكتاب ليس تذكيرا بهذه القامات القضائية الكبرى وحسب، ولكن تذكير بالأحرار خلف أسوار العقرب وتذكير بنضال ذويهم ومنهم آية علاء حسني زوجة حسن القباني، التي حضرت حفل توقيع الكتاب بالنيابة عن زوجها وتتولى مهمة المتحدثة باسم أسر معتقلي سجن العقرب. 

وفي آخر صفحات الكتاب وعلى غلافه الخلفي، اقتباس للمستشار طارق البشري يقول فيه عن يحيى الرفاعي: "أشهد أمام الله سبحانه وتعالى أنك أبيت وأنك وفيت، وأنك عتوت على من عتا، وأشهد أنك كنت الفتى". وسيشهد التاريخ على قضاة آخرين رضوا بأن يكونوا مطية لنظام سياسي فاسد، يشرعون له الظلم وانتهاك حقوق البلاد والعباد، وسيلقي بهم في مكانهم الذي يستحقونه. “فأما الزبد فيذهب جفاء. وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض.”
التعليقات (0)