قضايا وآراء

ثلاثة احتمالات بخصوص رسالة يوسف ندا

أحمد نصار
1300x600
1300x600
أثارت الرسالة التي خص بها السيد يوسف ندا - مفوض العلاقات الدولية السابق في جماعة الإخوان المسلمين - وكالة الأناضول التركية جدلا واسعا وتساؤلات حول توقيت الرسالة، إلا أن المداخلة الهاتفية التي أجراها مع قناة الجزيرة الفضائية أثارت زوبعة إن صح التعبير.

الرسالة بدت غريبة في مضمونها وتوقيتها، ولنا عليها عدة ملاحظات:

1- الرسالة إجمالا لم تعجبني، فهي تعبر عن تيار أقلية داخل صفوف معارضي الانقلاب، يرى أن الحل الوحيد المعقول والممكن لكسر الانقلاب هو انقلاب على الانقلاب!

هذا خيار لا يلبي الكثير من مطالب الثوار، ويشخصن الانقلاب في شخص السيسي وبعض القيادات القليلة المحيطة به كعباس كامل وغيره. كما أنه من ناحية أخرى ينطوي على مخاطر جمة، أهمها أن المبادرة تبقى بيد الجيش، ويسحب نقطة ارتكاز الإخوان الرئيسية "الشرعية" دون أي مكاسب حقيقية ودائمة، حتى وإن شمل ذلك بعض المكاسب التي نسميها Reversible (أي يمكن للنظام أن يتراجع عنها لاحقا)، مثل الإفراج عن المعتقلين مع إمكانية إعادة اعتقالهم لاحقا، أو الاعتراف بشرعية الجماعة ثم اعتبارها إرهابية مجددا ...إلخ.

بل إن هذا الخيار - مع عدم تكوين حرس ثوري أو أجهزة أمنية خاصة بالثورة - لا يضمن حتى عدم تكرار مجازر أخرى كمجزرة رابعة أو حدوث انقلاب جديد! فالسلطة مفسدة والسلطة المطلقة مفسدة مطلقة، والقوة مغرية، فمن يردعهم عن تكرارها مجددا.

2- رغم اعتراضاتي السابقة؛ لكن استوقفني كلمة الأستاذ يوسف ندا التي ختم بها رسالته "أنا جاهز ومستعد لاستقبال من يريد الخير لمصر وشعبها وقادر على ذلك إن شاء الله" .. واستوقفني كذلك مجيء رسالته بعد كلام الأستاذ راشد الغنوشي وعرضه للوساطة (الذي تجاهله الجميع تقريبا) .. كما استوقفني الهجوم الشديد على يوسف ندا من أتباع السيسي، للدرجة التي دفعتهم لتدشين هاشتاج مليء بالإساءات للرجل، وكل هذا يؤشر أن هناك ما يقلقهم بالفعل.

3- النقطة الأبرز في هذا الموضوع كله، كان تصريح الأستاذ ندا "الصادم" في مداخلته على قناة الجزيرة الذي قال فيه، إنه هو لم يكتب هذه الرسالة، وإنه طُلب منه أن يكتبها، بل وإنه لا يعرف من خلفها! وعندما سألته المذيعة عمن طلب منه ذلك، رفض الإجابة وقال إنها ليست موجهة للإعلام. (رغم أنه استخدم وكالة أنباء لذلك!!)

هذا التصريح في غاية الخطورة لأنه ينقل الأمر برمته من اجتهاد شخصي من رمز ذي قيادة تاريخية في الإخوان، إلى "طرف" أو "جهة" أرادت أن توصل رسالة ما إلى جهة ما، فاختارت أن تفعل ذلك عبر الأستاذ يوسف ندا - وربما بعد أن فشل في إيصالها عبر الأستاذ راشد الغنوشي!

***

وهنا تتجه الأنظار تجاه هذا الطرف، وتكثر التساؤلات من هو. برأيي أننا أمام أحد ثلاثة احتمالات:

1- أن يكون الإخوان أنفسهم - أو تيار داخلهم - هم من طلبوا من الأستاذ يوسف ندا توجيه هذه الرسالة، وهذا التيار هو الذي يرى أن الحل ربما في انقلاب على الانقلاب، وهي الرسالة ربما التي أرادوا إيصالها عبر مقال الدكتور محمود غزلان فك الله أسره وأسر إخوانه قبل اعتقاله.

هذا الخيار أستبعده تماما، لأن من يستمع لمداخلة الأستاذ يوسف على الجزيرة (الرابط أول تعليق) يفهم منها، أنه عندما طلب منه ذلك، كتب رسالة قبل هذه الرسالة المنشورة ولكن بصيغة أخرى لما رآها الإخوان اعترضوا عليها بشدة، وأنهم قالوا إنه سيفهم منها أنهم مستعدون للتفاوض مع السيسي، وهذا غير صحيح.

من جهة أخرى إذا أراد الإخوان دعوة قيادات في الجيش للانقلاب على السيسي، فمن الأكيد أنهم لن يفعلوا ذلك عبر وسائل الإعلام!!

2- الاحتمال الثاني أن تكون دولة إقليمية (السعودية تحديدا) هي من أرادت من الأستاذ يوسف ندا أن يوجه هذه الرسالة، نظرا لرغبتها الشديدة في احتواء الأزمة في مصر، وحاجتها المتزايدة لمد جسور تواصل مع الإخوان المسلمين كأكبر جماعة سنية في المنطقة في حربها الباردة والساخنة ضد إيران.
هذا الاحتمال يؤيده تصريح العاهل السعودي الملك سلمان في تركيا، الذي قال فيه إنه لا يرى أحدا يصلح لقيادة مصر غير العسكر.

لكن تغريدة الكاتب جمال خاشقجي المقرب جدا من دوائر الحكم السعودية قبل الرسالة بأيام، التي أعلن فيها أن "الحل في مصر لا يكون باستبدال رجل بآخر من المؤسسة العسكرية، وإنما في الديمقراطية"، تجعل هذا الاحتمال أيضا مستبعدا، وإن ظل هذا الاحتمال أقوى من الاحتمال الأول.

3- الاحتمال الثالث - والراجح في رأيي - أن هناك قيادات عسكرية من داخل الجيش نفسه، تدرس فكرة التضحية بالسيسي وبعض القيادات القريبة منه في سبيل الحفاظ على مصالح المؤسسة، التي من الواضح أنها أصبحت مهددة في حال استمر السيسي في سياسة الصدام الحالية.

وإذا صح هذا الاحتمال، تكون هذه القيادات أرادت كلمة من الإخوان يؤكدون فيها أن خصومتهم ليست مع الجيش ككل، وإنما مع السيسي وبعض القيادات الفاسدة في الجيش، وهي الجملة الأبرز التي حملتها رسالة يوسف ندا، فتم التواصل مع بعض القيادات في الإخوان بهذا الشأن، وهم بدورهم طلبوا من الأستاذ يوسف توجيه هذه الرسالة، فلما رأوا الصيغة الأولى منه اعترضوا وطلبوا منه أن يعيد صياغتها.

وفي ضوء ذلك يمكن فهم كلام الأستاذ ندا أن هذه الرسالة ليس هو مصدرها، وسيفهمها فقط الجهة التي وجهت إليه.

***

وأنا إذ أؤكد أن هذا هو الراجح عندي فقط والله أعلم، فأحب أن أؤكد كذلك أنني لا أميل مطلقا لهذا الخيار لما يتضمنه من مخاطر جمة أوردتها أعلاه.

الشاهد أننا دخلنا فيما يبدو مرحلة محاولة إيجاد حلول من داخل النظام، وهي المرحلة نفسها التي عايشناها في الثورة المصرية 2001 ، في الفترة التي أعقبت انكسار الشرطة في 28 يناير وموقعة الجمل حتى تنحي مبارك. (تفويض عمر سليمان - الاستمرار 6 أشهر فقط ...إلخ)

ولهذا بدأ التواصل يتم مع شخصيات كأحمد شفيق، وخرجت تصريحات من إعلاميين مؤييين للانقلاب - مثل عمرو أديب - يتحدثون عن شخصيات داخل وخارج مصر كانوا من مؤيدي الانقلاب، صدرت أوامر سيادية بتصفيتهم أو كما نقول في مصر "اتقرت فاتحتهم".
التعليقات (0)