كتاب عربي 21

فوضى اللحظة الخلاقة

نور الدين العلوي
1300x600
1300x600
نعم هي فوضى خلاقة ولكن ليست على سبيل كوندليسا إنها فوضى تخليص الإبريز من قبضة باريس التي حكمت بعسكرها ثم من وراء ستار ولا تزال تحرك أصابعها الأخطبوطية في بلاد يرفض بعض أبنائها أن يتحرروا وقد أهداهم شعبهم الفرصة الذهبية التي لا تتكرر إلا كل نصف قرن أو يزيد.

لحظة الوطن واللحظة الخاصة عاهة النخبة.

الصف الوطني يستعد للانتخابات ومواجهة النظام السابق العائد بغرور وقح وقد عجز الصف الوطني عن بناء تحالفاته القوية في وجهه أثناء الفترة الانتقالية وفي مرحلة الاستعداد لما بعدها. طبعا الاتهامات متبادلة بين مكونين أساسيين: اليسار من جهة والإسلاميون وحلفاؤهم من أخرى. مَنْ مهَّد الطريق لعودة النظام ولم يستأصل شأفته بالقانون أو بالشارع ستظل هذه تهمة متبادلة فلا جمل يريد أن يرى حدبته. ولكن ممارسات الاستئصال التي كان يغذيها النظام قبل الثورة هي التي تواصلت بعدها وغذاها النظام القديم نفسه فعلا خاصة في مواجهة حكومة التروكيا التي انتهت نهاية محزنة بفعل تحالف شق من المعارضة اليسارية القديمة مع النظام القديم. لقد كان الجميع يشاهد النظام القديم يتسلل كالماء الآسن بين الشقوق حتى يوسعها وها هو يفلح في رفع رأسه من المذلة التي جرعته إياها الثورة رغم سلميتها. 

خيبة واختيار صعب: 

لكن رغم علامات على تحفز النظام القديم للعودة فالشارع الثائر بعد يظهر تحفزا كبيرا في وجه النظام والمواقع الاجتماعية عنوان التحرر تشتغل بطاقتها الكاملة ضده. في هذه اللحظة الفاصلة يشوب الكثير من النفوس خيبة من أداء النخب يساريها وإسلاميها. العقلاء يفكرون أنهم في وضع الاختيار بين السيئ والأسوء ...والأسوء هنا هو النظام الذي جرب سياطه في ظهور الناس.

انكسرت تلك اللحظة الرومانسية التي ولدتها الثورة واستمرت في سنتها الأولى وعادت أجواء تنافس انتخابي تنقصه الكثير من النزاهة والرجولة ولكن علامة الانحطاط أيضا أظهرها مرشحو النظام القديم من خلال تقديم تزكيات مغشوشة عاد فيها الموتى للتصويت قبل التصويت مما أيقظ وعيا بِشَرٍّ مستطير أوشك أن يتلاشى بفعل آلة إعلامية عاجزة عن التطور. هؤلاء المزيفون هم الذين زيفوا دوما إرادة شعب مسالم وطموح لكنه حاسم وشريف. لذلك فإنه مضطر للتصويت دفاعا عن الحدود الدنيا من الحرية التي أمكن له إنقاذها من براثن النظام.

انتخابات تحت عين العالم:

لسنا معزولين عن ما يجري حولنا فالانتخابات التونسية تجري هذه المرة أيضا تحت سمع العالم وبصره والجميع يترقب مآلاتها والبعض يتربص من أجل إفشالها وإعادة عجلة التاريخ التونسي إلى الوراء وتأكيد عجز العرب الأبدي عن التعايش الديمقراطي بما يجعل مقولة الفوضى الخلاقة  مقولة ساخرة وهدامة لا مقولة بناءة. يمكن أعداء الديمقراطية في الوطن العرب في من حجة إضافية على أن مقولة تعايش الإسلام والديمقراطية كذبة غير قابلة للتصديق.

لقد قامت بعض المعارضة التونسية في المرحلة الانتقالية بالاستعانة بقوى خارجية معادية للثورة لإسقاط حكومة منتخبة وقد أفلحت في قطع المساعدة عن الدولة بإيقاف أقساط القروض المتفق عليها. بما جعل حكومة التروكيا تسلم الحكم صاغرة. كما ذهب نواب منتخبون يستجدون مساعدة البرلمان الأوروبي لحل المجلس التأسيسي المنتخب ورغم أنهم طردوا شر طردة إلا أنهم كشفوا حدود التواطؤ الداخلي ضد الثورة من نخب يقودها يسار استئصالي متنمر غير قادر على المراجعة والاعتذار.

كما وصل الأمر ببعض هذه النخب إلى طلب التدخل الخارجي (الجزائري بالتحديد) في شؤون الدولة التونسية لمحاربة خصمهم الإسلامي بقطع النظر عن مصائر البلد في صورة تحقق مثل هذا التدخل.

بعض هذه النخب يسير بجانب الفوضى المؤدية إلى استعادة حالة الهدوء تحت الدكتاتورية وهو هدوء لا يتضمن الإسلاميين. فصار موقفهم بين استعادة مظلمة بخلق أخرى. وهو موقف لا يمكن إلا أن يكون مخزيا في عرف الديمقراطية ومعاديا لكل نفس تحرري وطني وخاصة لكل مشروع الثورة التي سمحت لهم وهم ضحايا الدكتاتورية بالكلام الحر بعد طول خنق.

التربص الخارجي بمآلات الثورة نراه رأي العين في مناصرة بعض الدول المعادية للثورة ودعمها بالمال والإعلام لبعض الذين يهمهم أن يتملكوا السلطة دون برنامج ثوري بل دون برنامج وطني في الحد الأدنى. بل فقط الغنيمة الشخصية والمكانة التي تخولها السلطة ولو بمحق أعدائهم الذين لم يرتقوا بالوعي أبدا إلى أن يروهم خصوما يمكن التعايش معهم. يوجد بين التونسيين صف خائن يكشف وجهه كلما اقترب الأجل الانتخابي. والانتخابات ستجري ضده في أماكن ودوائر كثيرة وعت أهمية استقلال القرار الوطني الذي نادت به الثورة. 

انتخابات مواصلة الثورة

لجميع هذه الأسباب ستجري الانتخابات لتكريس الاستقلال والديمقراطية وهي مطالب الثورة الأساسية. 

سيدخلها الكثيرون بمنطق كان يمكن أن... لو أن النخب بشقيها أحسنت استثمار الثورة في اتجاه تحقيق مطالبها الاجتماعية والسياسية الديمقراطية والاستقلال والسيادة... لكن الثورة دخلت الآن في إنقاذ ما يمكن إنقاذه بالانتخاب بعد أن غلبت النزعات الفردية والزعامتية والحزبية على الصراع وحرفته عن مساره. 

مقاومة الإحباط ودفع الاختيار الانتخابي ضد النظام القديم إلى أقصاه بالتركيز على النخب الوطنية المساندة للثورة وإيصالها رغم كثير من المؤاخذات على سلوكها السياسي في المرحلة الانتقالية. الاختيار بين الوطني المساند للثورة وبين عناصر النظام القديم خيار مصيري وليس ترفا يمكن التمتع به وممارسة الاختيار الذوقي بحسب هندام المترشح أو قدراته الانتخابية. 

إنها انتخابات إنقاذ الثورة ودفعها إلى مداها بالعمل السياسي الواعي. إنها انتخابات تكريس الاستقلال السياسي وقطع الطريق على نخب العمالة والتواطؤ على استسهال استعمال السلطة لحوز الغنيمة. في غياب هذا الموقف الواعي ستضطر هذه النخب مرة أخرى إلى التعايش مع المدلسين والمزيفين ولصوص المال العام وتحقير الشعب. وهم قوم غير قادرين على القسمة والتعايش السياسي. فهم يستولون ويخضعون ولا يعرفون للديمقراطية سبيلا. إنهم حزب فوضى كوندليسا ضد فوضى الهدام والبناء الخلاق.
التعليقات (0)