سياسة دولية

"شيكات" قتل مفتوحة.. كيف أسهمت ازدواجية المعايير بتوحش الاحتلال؟

الاحتلال لم يأبه لأي قوانين دولية أو قيم أخلاقية في حربه على القطاع- جيتي
الاحتلال لم يأبه لأي قوانين دولية أو قيم أخلاقية في حربه على القطاع- جيتي
منذ بدء العدوان الإسرائيلي على القطاع، لم يترك الاحتلال جريمة نص عليها القانون الدولي إلا وارتكبها، حتى صدم العالم بأرقام الشهداء وبشاعة المجازر التي تُنقل يوميا على الشاشات.

وبالرغم من أن نتنياهو كان واضحا منذ البداية بإعلانه الحرب على كل سكان غزة، ظل المجتمع الدولي والغرب تحديدا يلتمس له الأعذار، ويبرر جرائمه، حتى بات شريكا فيها من وجهة نظر الكثيرين.

خلال السنوات الماضية، صنف العالم دولا وجماعات فعلت تماما ما يرتكبه الاحتلال في غزة، على قوائم الإرهاب.

كما فرضت حروب على جهات وعقوبات على دول لم تقتل ربع العدد من المدنيين الذين قتلهم الاحتلال في القطاع.

ومن هنا يبرز السؤال الفخ، أين العالم؟ أين القانون الدولي وحقوق الإنسان التي يتغنى المجتمع الدولي بها مرارا، فوضعت هذه الأسئلة تلك السرديات على المحك، بل القانون الدولي كله.

واستخدم جيش الاحتلال "الإسرائيلي" في قصف قطاع غزة أكثر من 45 ألف صاروخ وقنبلة زاد وزنها على الـ65 ألف طن من المتفجرات.

وكان قرابة ثلثي القنابل والصواريخ التي ألقتها طائرات الاحتلال على محافظات غزة هي قنابل غير موجهة وغير دقيقة، أو ما يطلق عليها اسم "القنابل الغبية".

والقنابل التي رصدها " المكتب الإعلامي الحكومي"، هي: "الخارقة للحصون من أنوع (‏BLU-113‎‏) و (‏BLU-109‎‏) ‏و(‏SDBS‏)، والأمريكية من نوع (‏GBU-28‎‏)، والموجهة بنظام ‏GPS‏ بهدف تدمير البنية التحتية، والفوسفور الأبيض، وغير ‏الموجهة، وجدام الذكية، وأخيرا صواريخ من نوع هالبر".‏

وقال المكتب إن أبرز أعراض الأسلحة المحرمة دوليا التي استخدمها الاحتلال تتمثل في القتل والإصابة بشكل جماعي، وإيقاع أكبر عدد من الضحايا في ثوان معدودة، كما في مناطق الرمال الشمالي، وجباليا، والشجاعية، والبريج، حيث ارتقى المئات من الشهداء دفعة واحدة.

اظهار أخبار متعلقة



سلسلة جرائم لا تنقطع
حمام دم "المعمداني"
في الأيام الأولى للحرب، ارتكب الاحتلال مجزرة مروعة في مستشفى المعمداني في غزة، حيث قصف باحة المشفى بصواريخ شديدة الانفجار، ما أدى لاستشهاد أكثر من 500 فلسطيني، جلهم من الأطفال والنساء المحتمين أصلا من القصف الوحشي في المشفى.

أدان العالم المجزرة الصادمة، لكن الدول الداعمة للاحتلال تبنت روايته التي فُندت لاحقا، بالحديث عن صاروخ فلسطيني سقط على المعمداني، لتتوالى التحقيقات لاحقا لتثبت مسؤولية طيران الاحتلال عن قتل مئات الفلسطينيين داخل مؤسسة مدنية يحرم القانون الدولي استهدافها.



مجازر جباليا
ارتكب الاحتلال عدة مجازر في جباليا كان أعنفها، أواخر تشرين الأول/ أكتوبر الماضي حيث استشهد 120 مدنيا بعد قصف دمر مربعا سكنيا كاملا.

كشف تحقيق لصحيفة وول ستريت جورنال، عن استخدام الاحتلال، اثنتين من أضخم القنابل في ترسانته، في مجزرة مخيم جباليا، والتي زعم فيها اغتياله القيادي في كتائب القسام إبراهيم البياري، في 31 تشرين أول/أكتوبر الماضي.

وأشارت الصحيفة في تقرير ترجمته "عربي21" إلى أن الغارة، تسببت في واحدة من أكبر المجازر الدموية بقطاع غزة، والتي أودت بحياة ما لا يقل عن 120 شهيدا بعد تدمير مربع سكني بالكامل.



وفي كانون الأول/ديسمبر الماضي استشهد المئات بعد قصف استهدف مدارس وأماكن لتجمع النازحين في جباليا أيضا، حيث أعلن المدير العام للمكتب الإعلامي الحكومي في قطاع غزة، في الثالث من الشهر ذاته، عن استشهاد أكثر من 700 فلسطيني في غزة في مجازر متفرقة خلال 24 ساعة.

قتل النازحين
في تشرين الثاني/نوفمبر أوغلت آلة القتل الإسرائيلية بدماء الفلسطينيين حيث استهدف الطيران قوافل المدنيين النازحين من مناطق شمالي القطاع إلى جنوبه في شارع صلاح الدين وما حوله.

وقال المكتب الحكومي في غزة، إن هناك المئات من جثث الشهداء، من النازحين الفلسطينيين، على طرقات زعم الاحتلال إنها آمنة، لخروج الفلسطينيين باتجاه جنوب قطاع غزة.

وذكر المكتب، "أن أوامر الخروج التي يروجها الاحتلال عبر المنشورات الجوية والاتصالات والإعلانات الممولة على شبكات التواصل الاجتماعي هي دليل إدانة للاحتلال وليس لصالحه".

واتهم جيش الاحتلال، بأنه "يأمر المواطنين بالتوجه إلى جنوب القطاع، ويقصفهم في الطرق ويقطع وصول الإسعافات إليهم".

مجازر الشجاعية
استشهد عشرات الفلسطينيين، في الثالث من كانون الأول/ديسمبر، جراء مجزرة مروعة، بعد استهداف مربع سكني كامل يضم نحو 50 منزلا في حي الشجاعية شرق غزة.

وقدّرت مصادر صحفية عدد الأشخاص الموجودين في هذا المربع بقرابة الألف شخص فيما أعلن الدفاع المدني الفلسطيني في قطاع غزة عن انتشال وإنقاذ أكثر من 300 مواطن فلسطيني، بينهم قتلى وجرحى، جراء قصف إسرائيلي استهدف الحي.

وقال الدفاع المدني في بيان له إن "طيران الاحتلال يستهدف مربعا سكنيا مأهولا بالسكان في حي الشجاعية، وطواقمنا تعمل على انتشال وإنقاذ أكثر من 300 مواطن ما بين شهيد ومصاب"

مجمع الشفاء
وعقب أيام معدودة ارتكب الاحتلال مجزرة جديدة في مجمع الشفاء الطبي، طالت نازحين وطواقم طبية، بعد أن قصفت مبنى الجراحات العامة، ومدخل المجمع الطبي.

وذكرت المصادر أن آلاف النازحين لجأوا إلى المستشفى خلال الأسابيع الماضية من المناطق الشرقية لمدينة غزة بعد أن توغلت الدبابات الإسرائيلية في أجزاء منها.

مجازر خانيونس
في 22 كانون الثاني/يناير، سقط عشرات الشهداء والجرحى بفعل مجازر ارتكبها الاحتلال بحق آلاف النازحين في مراكز الإيواء غرب خانيونس، جنوب القطاع.

وأعلن المكتب الإعلامي الحكومي في قطاع غزة، أن جيش الاحتلال استهدف خمسة مراكز إيواء تضم 30 ألف نازح بمدينة خانيونس جنوب القطاع، فيما قالت وزارة الصحة إن عشرات الشهداء والجرحى لا تستطيع سيارات الإسعاف الوصول إليهم، بسبب عنف القصف، ومنع الاحتلال عمليات الإجلاء.

وأضاف أن "جيش الاحتلال قصف مراكز إيواء: جامعة الأقصى، والكلية الجامعية، ومدرسة خالدية، ومدرسة المواصي، ومدرسة الصناعة، في خانيونس بشكل مباشر وباستخدام طائرات الاستطلاع والمدفعية".

مجزرة رفح
منتصف الشهر الماضي، استشهد أكثر من 100 فلسطيني وأصيب العشرات، معظمهم نساء وأطفال، في قصف إسرائيلي عنيف على منازل ومساجد في رفح جنوبي قطاع غزة.

واستهدف القصف العنيف وغير المسبوق تركز في المناطق الشمالية لمدينة رفح، وفي محيط مسجد الرحمة بمخيم الشابورة في رفح. كما قصفت الزوارق الحربية شاطئ البحر.



وتناثرت أشلاء الشهداء في الأماكن المستهدفة من شدة القصف، وملأت سحب الدخان الكثيف أجواء المدينة، بالتزامن مع تحليق مكثف لطائرات الاستطلاع والمروحيات.

مجزرة الطحين
في الـ 29 من شباط/فبراير الماضي ارتكب الاحتلال الإسرائيلي، مجزرة جديدة بحق الفلسطينيين الذين ينتظرون وصول المساعدات الإنسانية في مناطق شمال قطاع غزة، الذي يعاني من أوضاع إنسانية صعبة جراء النقص الحاد في المواد التموينية والغذائية والطبية.

وقال المكتب الإعلامي الحكومي، إنّ الاحتلال قتل أكثر من 70 فلسطينيًا وأصاب أكثر من 250 في مجزرة مروعة جنوب غربي مدينة غزة.


اظهار أخبار متعلقة



مجزرة مجمع ناصر
في شباط/ فبراير الماضي، حاصر الاحتلال مجمع ناصر لعدة أيام، حيث ظلت الطواقم الطبية والجرحى والنازحين في بلا طعام لعدة أيام، وسط نقص حاد في أدوية التخدير والعناية المركزة والعمليات الجراحية، بالإضافة إلى النقص في مستلزمات وخيوط العمليات الجراحية.

اقتحم جيش الاحتلال المجمع بعد حصاره وحوله إلى ثكنة عسكرية حيث اعتقل عددا من المرضى والكوادر الطبية، كما توفي ثمانية جرحى بسبب انقطاع الكهرباء عن المجمع.

مجزرة الشفاء الثانية
بدأ الاحتلال عملية عسكرية في مجمع الشفاء في 18 من الشهر الجاري وارتكب عدة مجازر ضد المدنيين المحاصرين في المجمع والمباني المحيطة به.

وكشفت الفلسطينية المحاصرة في محيط مجمع الشفاء جميلة الهسي، أن قوات جيش الاحتلال الإسرائيلي اغتصبت نساء وقتلتهم بمحيط المجمع الطبي، كما أجبر 65 عائلة على مغادرة محيط المجمع.



وقالت الهسي في تصريحات لشبكة الجزيرة، إن قوات الاحتلال أحرقت وقتلت عائلات بأكملها، وكذلك أحرقت مبنى كانوا يتحصنون بداخله.

وناشدت الصليب الأحمر لتوفير ماء للأطفال والمرضى، قائلة "تقطعت بنا السبل وسط استمرار القصف الإسرائيلي".

وأكدت أنه لا وجود للصليب الأحمر ولا يستطيع توفير ماء لهم، مضيفة أن الأطفال لا يجدون حتى الماء المالح ولا يجدون غذاء أو ماء منذ 6 أيام.

مجازر موثقة
لم يخف الاحتلال الكثير من جرائمه، بل وثق جنوده أغلبها بالصوت والصورة، من الإعدامات الميدانية وتعذيب المعتقلين وتفجير المباني، وليس انتهاء بما نشر خلال الأيام الماضية، حيث استهدف الاحتلال خمسة شبان فلسطينيين عزل، ما أدى لاستشهادهم جميعا.

وتخطت حصيلة شهداء العدوان على غزة 32 ألفا، في أعقاب استمرار المجازر وعمليات القتل الجماعي التي يمارسها جيش الاحتلال بحق المدنيين العزل.

وأعلنت وزارة الصحة الفلسطينية، عن ارتفاع حصيلة الشهداء في قطاع غزة إلى 32 ألفا و226، أغلبيتهم من الأطفال والنساء، منذ بدء عدوان الاحتلال في السابع من تشرين الأول/ أكتوبر الماضي.

وأضافت، أن حصيلة الإصابات ارتفعت إلى 74 ألفا و518، فيما لا يزال آلاف الضحايا تحت الأنقاض وفي الطرقات، جراء منع الاحتلال طواقم الإنقاذ من الوصول إليهم.

خلل أخلاقي
يقول د. عبد الرحمن الفرا أستاذ التاريخ والعلوم السياسية والباحث في دراسات الاستخبارات وجماعات الضغط، "هناك حالة من الانشطار في المنظومة الأخلاقية بعد أن ظل الغرب طويلا ينظر للقيم الديمقراطية والمعايير الإنسانية التي تبناها وخاض حروب من أجلها وسوقها على أنها المنظومة القيمية العادلة".

وأضاف في حديث لـ "عربي21”، "الغرب استخدم أدوات قذرة لإدامة حالة من التفرقة في الشرق الأوسط وعموم العالم الإسلامي والإبقاء حالة من السيطرة والتحكم، عندما تلاقت الأهداف الاستعمارية الغربية مع أهداف الحركة الصهيونية والتي تكللت بإنشاء كيان لها في فلسطين.

وتابع، "بعد 7 أكتوبر سقطت هذه المنظومة التي تشدق بها الغرب بعد أن بان زيفها وأن ذلك التفوق العسكري والتكنلوجي لم يستطع حمايتها، ما حدث في السابع من أكتوبر أظهر حقيقة كل الأطراف، وأن إسرائيل ليست إلا أداة متقدمة للحالة الاستعمارية الغربية وأبرز دليل على ذلك تهافت تلك الدول لدعم الكيان عقب هجوم السابع من أكتوبر".

ازدواجية المعايير
يكمل الفرا، "بأن ازدواجية معايير المجتمع الدولي باتت واضحة لا ينكرها أحد، فكيف لأحد أن يرى إنسانا يقتل على الهواء مباشرة ثم يشكك بهوية القاتل، فجميع سبل الحياة في غزة استهدفت من المشافي حتى الكنائس ويُتداعى للحديث عن لجان تحقيق، وتدقيق بينما من اللحظة الأولى تتهم الفصائل الفلسطينية بالإرهاب".

وأكد، "أن هذا له تداعيات وانعكاسات خطيرة على مستقبل المنطقة فاليوم الشعوب العربية والإسلامية أصبحت أكثر إيمانا بأن تجاوز القيم والمعايير يؤكد أن الحل ليس بيد الغرب وأن مستقبل المنطقة لن يكون واعدا بالركون إلى منظومة القيم والأدوات الغربية التي تسود العالم".

"شيكات" قتل مفتوحة
يرى الفرا، "أن أخطر صور الدعم الغربي لإسرائيل كان السماح لها بكسر كل الخطوط ومنحها شيكات مفتوحة لاستهدف الإنسان والحجر والشجر في قطاع غزة".

وأضاف، "أن ما يحدث في غزة هو تجسيد لحالة الهيمنة الاستعمارية الغربية في المنطقة ويبرز فقدان هذه الحضارة للقيم والأخلاق خصوصا أنها تطبق ما تدعيه داخليا لكن عندما يتعلق الأمر بمنطقتنا فهذه القيم لا معنى لها".

ولفت "إلى أن الخطوات والقرارات التي تسعى الدول الداعمة للاحتلال استحصالها من الأمم المتحدة هي في حقيقتها تهدف لحماية إسرائيل وتجريم أصحاب الأرض والحق".

نظرة استعلاء 
يشير الدكتور الفرا، "إلى حالة العلو التي فرضتها الحضارة الغربية ومنطق الاستعلاء الذي تعاملت به المنظومة الأوروبية منذ أواخر القرن التاسع عشر، حتى ظهر مصطلح المسألة الشرقية كتعريف للعرب والمسلمين".

وأوضح، "منذ ذلك الوقت بدأ رسم المشهد العالمي الجديد، ودخلت حينها مفاهيم ومصطلحات جديدة لمنطق الصراع ما بين الشرق والغرب".

ومضى قائلا، "إن نظرة الغرب تجاه الشرق والمسلمين خصوصا تعتمد على منطق التفوق والنظرة الدونية، وعلى النقيض من ذلك الإنسان الأوروبي، وهذا لمسه الكاتب الفلسطيني، إدوارد سعيد الذي شاهد عن قرب النظرة الغربية لمن يعيشون في هذه المنطقة".

وتابع، "أن الولايات المتحدة ورثت الحالة الاستعمارية بشكلها المدني عقب الحرب العالمية الثانية وأصبحت هناك توازنات جديدة في العالم، بدءا من التحكم فيه من الدول العظمى 5 + 1".

وأردف، "تعزز لدى الشعوب ضرورة انتزاع حقوقها بالقوة كما أثبتته المقاومة الفلسطينية، خصوصا أن ما حدث لم يضعف الكيان فقط بل هز كل الأنظمة المرتبطة بالحالة الاستعمارية الغربية".

وختم الفرا، "نحن أمام لحظات مصيرية ومستقبل واعد لمزيد من الجهود والتكاتف، فعند لحظة الحقيقة أدرك الجميع أن من يمتلك القوة يستطيع أن يناور في البحر ويستطيع أن يعطل المصالح السياسة والاقتصادية للدول العظمى".
التعليقات (0)