كتب

لماذا تراجع الدور الديني والسياسي للزوايا والطرق الصوفية في مغرب الاستعمار؟

تضمن الكتاب معلومات مونوغرافية دقيقة عن التنظيم الداخلي للزوايا، وشيوخها وفروعها وامتداداتها الترابية وـأثيرها الاجتماعي وخارطة علاقاتها وتفاعلاتها السياسية.
تضمن الكتاب معلومات مونوغرافية دقيقة عن التنظيم الداخلي للزوايا، وشيوخها وفروعها وامتداداتها الترابية وـأثيرها الاجتماعي وخارطة علاقاتها وتفاعلاتها السياسية.
الكتاب: "معالم التاريخ الديني للمغرب: الطرق والزوايا"
المؤلف: جورج سبيلمان
ترجمة: المهدي بن محمد السعيدي
الناشر دار الإحياء للنشر والتوزيع، طنجة- المغرب
الطبعة الأولى: 2023


ليس ثمة أدنى شك أن الزوايا والطرق الصوفية شكلت في المغرب الأقصى، وعلى مدى قرون، الفاعل الديني الأقوى الذي كان يضطلع بالتأثير على السياسة الدينية، بل كانت الطرق والزوايا تقوم بالدور الذي تقوم به الأحزاب السياسية اليوم، بحيث كان عدم الاستقرار الذي يطبع علاقتها بالسلطة (ثنائية الولاء والتوتر) محددا رئيسيا مؤثرا في شرعية الدولة وللاستقرار السياسي والمجتمعي.

وقد لاحظ عدد من الباحثين المتابعين للظاهرة الدينية بالمغرب، أن النفوذ الديني والسياسي للزوايا والطرق الصوفية هو الذي جعل البادية المغربية (الأرياف)، تشكل مركز صناعة السياسة، وذلك على مدى قرون، إلى أن جاءت الحركة الوطنية المقاومة للاستعمار، وأحدثت كثيرا من المتغيرات في الحياة الدينية والسياسية، وفأجأت بذلك الإدارة الاستعمارية، وألجأتها إلى إعادة ترتيب أوراقها، وإعطاء أولوية للجانب البحثي لإعادة تعريف الدور الديني للزوايا والطرق الدينية، وتحيين المعرفة بالحياة الدينية بالمغرب والفاعلين المؤثرين فيها.

لم يكن الاستعمار يتصور أن الفهم الجديد الذي قدمته الحركة الوطنية للدين،  سينقل مركز الحياة الدينية للمناطق الحضرية بدل الأرياف، وسيجعل من الأحزاب الوطنية ورموزها بديلا منافسا للزوايا الصوفية التي كان الاستعمار يراهن على دورها في تهدئة القبائل الثائرة ضده، ولم يكن يتصور أن مركز الفعل الاجتماعي، ستكون بؤرته هي الشباب، وليس مريدي الزوايا الصوفية من الشيوخ والكهول، ولذلك، سارعت أمام واقع الصدمة، والتغير المفاجئ في معطيات الحياة الدينية والسياسية بالمغرب، إلى استدعاء  الخبراء والمخبرين للقيام بمهمة بحثية طويلة الأمد، تعتمد على الدراسة الميدانية، بحيث يتخصص كل مخبر خبير بمنطقة بعينها، وينقل للإدارة الاستعمارية ملاحظاته  المستقاة من اشتباكه مع رموز الطرق الصوفية،  وأيضا من رصده لدور الزوايا وتأثيرها في الحياة السياسية والدينية، بل وتأثيرها أيضا في المستويات العمرية المختلفة لشرائح المجتمع.

لاحظ عدد من الباحثين المتابعين للظاهرة الدينية بالمغرب، أن النفوذ الديني والسياسي للزوايا والطرق الصوفية هو الذي جعل البادية المغربية (الأرياف)، تشكل مركز صناعة السياسة، وذلك على مدى قرون، إلى أن جاءت الحركة الوطنية المقاومة للاستعمار، وأحدثت كثيرا من المتغيرات في الحياة الدينية والسياسية،
ضمن هذا السياق، تندرج مهمة جورج سبيلمان، أحد رجال الحرب والسياسية الفرنسيين، ومن كبار ضباط الاستعمار الفرنسي بمرتبة جنرال، لينتدب سنة 1924 في قسم علم الاجتماع بإدارة  الشؤون الأهلية بإشراف إدوارد ميشو بيلر، ثم يصبح بعد سنة رئيسا لهذا القسم في منطقة توات بدرعة (1925)، ثم بورزازات سنة 1928، وبأكذر سنة 1931، ليعين بعد ذلك رئيسا للقسم السياسي بمديرية الشؤون السياسية بالإقامة العامة بالرباط، ثم مركز الدراسات العليا للإدارة الإسلامية بإشراف روبير مونطاني، حيث تمكن في هذه الفترة من إنجاز كتابه هذا حول: "معالم التاريخ الديني الطرق والزوايا الصوفية".

ويكفي لفهم  الدور الذي قام به سبيلمان في تمكين الإدارة الاستعمارية من المعطيات الكافية عن الحياة الدينية والسياسية بالمغرب الأٌقصى أن نلقي نظرة على آثاره ومؤلفاته، التي أنتجها خلال مقامه بالمغرب خادما للإدارة الاستعمارية وذلك لمدة 30 سنة،  فقد خلف وراءه كتاب :"أيت عطا: الصحراء وتهدئة درعة العليا" (1936) و"معالم التاريخ الديني: الطرق والزوايا" (1951) و "من الحماية إلى الاستقلال من 1912 إلى 1956" (1962) و"مذكرات استعماري" (1967) و"نابليون والإسلام" (1969) و"حالات ضمير لضابط"(1970)، و "نابليون الثالث: النبي المجهول" (1972).

والحقيقة، لقد كان هذا التراث الضخم الذي ينم عن جمع ثروة من المعطيات الدقيقة والمعارف عن الحياة الدينية والسياسية بالمغرب، السبب الذي دفع المؤرخ المغربي، إبراهيم بوطالب للقول بأن سبيلمان:" ظل يتتبع أحوال المجتمع المغربي حتى أدنى قواعد بنيانه، واكتسب في ذلك من المعلومات ما جعله خبيرا مبرزا لدى سلطات الحماية في كل ما يتصل بالسياسية الأهلية".

روبير مونطاني يحكي سياق تأليف الكتاب

قام روبير مونطاني المستشرق الفرنسي الشهير، وأحد أعلام السوسيولوجيا الكولونيالية بتقديم صغير للكتاب، وضح فيه دواعي تأليفه والسياقات المتلبسة التي دفعت إلى إنتاجه. وذكر في تصديره حالة الصدمة التي تعرضت لها الإدارة الاستعمارية من جراء ملاحظة التغيرات المتسارعة التي حصلت في الحياة الدينية والسياسية المغربية، وتأثيرات الحركة الوطنية، والتراث السلفي الذي تبنته، وتحول وظيفة الدين من مسالمة الاستعمار والمساهمة في تأدية خدمات لصالحه (تهدئة القبائل) وفي أحيان كثيرة تيسير شروط اللعب المزدوج بين السلطة (المخزن) وبين الزوايا، بحكم ما كان يسود بينهما من  توتر وتنافس على النفوذ، إلى دور مقاوم للاستعمار، بل صدمت الإدارة الاستعمارية بشكل كامل من تحول مركز النفوذ الترابي من البادية (الريف) إلى المدينة (الحضر)، فلم تستطع أن تستوعب هذا التحول وذلك بسبب محدودية الدراسات التي أنجزت والمعلومات التي جمعت عن الطرق والزوايا الصوفية بالمغرب.

وقد لاحظ مونطاني المفارقة بين حالة التراكم المعرفي التي حصلت في دراسة الحياة الدينية بالجزائر، وذلك مع كل من لويس ماري رين، وأوكتاف ديبون وكزافيي وكوبولاني، وبين حالة الفقر الشديد التي تعانيه دراسات الحالة الصوفية والدينية بالمغرب الأقصى.

لقد سجل مونطاني بطريقة جد ملتوية حالة الصدمة تلك، وذلك حين استمر في تقرير الدور المركزي للزوايا في الحياة الدينية والسياسية بالمغرب (وصفها بالخزان السياسي العظيم للقوى الدينية للإسلام المغربي)، وأشار بالمقابل إلى حالة السخرية العارمة بالزوايا الصوفية وخرافاتهم ومظاهر التأنق لدى البورجوازية الحضرية والتحديث المشرقي (الديني) الذي فرض عقيدة موحدة (السلفية) قادرة على التعبئة السريعة للشعب من أجل خدمة القضايا السياسية (يقصد مقاومة الاستعمار وطرح قضايا الإصلاح والتنمية والاستقلال).  ولم يتردد مونطاني في الإشارة في تصديره إلى حركة الإخوان المسلمين، وذلك للإشارة لحركة تثوير الدين الذي قامت به ضد الاستعمار البريطاني، والذي يشبه إلى حد كبير ما قامت به الحركة الوطنية بالمغرب ضد الاستعمار الفرنسي.

ضمن هذا السياق، قدم مونطاني كتاب سبيلمان، باعتباره عملا مميزا، جاء ثمرة لمجهود بحثي دام ربع قرن، راكم فيه جهود السابقين ممن درس الحركات الدينية المغرب (ميشيو بيلر، وبول دوسينيفال، ليفي بروفنسال، جورج سيرفان كولان، هنري تيراس، فيرناند دولاشابيل، كريستيان فونك برينطانو، ومولاي عبد الرحمان بن زيدان، وعبد الحي الكتاني)، واستعان بمقالات ومرويات شفوية، وملاحظات مكتوبة وردت عن رؤساء الطرق والزوايا الذين قابلهم، فضلا عن معلومات مستقاة من عدد من ضباط الشؤون الأهلية، ومن المراقبين المدنيين. وذكر مونطاني بأن جهد سبيلمان ساهم في تصحيح بعض الأغلاط الراسخة لدى الإدارة الاستعمارية عن الحياة الدينية بالمغرب، بناء على وقائع مهمة سجلها، وساهم بمساعدة الرؤساء الدينيين في رسم جداول جديدة غير مسبوقة لخارطة الانتماء الصوفي للمردين إضافة إلى عدد من مشجرات الأنساب ومشايخ الصوفية وفروع الزوايا وامتداداتها الجغرافية.

وقد لفت مونطاني الانتباه إلى الخبرة الميدانية التي حصلها سبيلمان بفضل إقامته الطويلة بالمغرب، ومعرفته الدقيقة بالقبائل العربية والأمازيغية بالأطلس الكبير وفي جنوب المغرب الأقصى، والتي ساعدته على قياس مختلف القوى الاجتماعية الفاعلة في الحياة السياسية للبلد.

في أهمية الكتاب

يكفي أن نشير إلى الرسالة الاستعمارية التي وجهها المشيو بيلر لتلامذته سنة 1923 للتلاميذ الضباط في دروس الشؤون ألأهلية، والتي أفاد منها سبيلمان بدوره، لنعرف أهمية الكتاب والثغرة التي سدها في المعارف الفرنسية بالحياة الدينية والسياسية بالمغرب الأقصى. فقد لاحظ ميشيو بيلر أوجها عديدة للقصور في الوثائق المتعلقة بالطرق والزاويا الصوفية، فوجه الكلام لتلامذته قائلا:" ينبغي أن نكون قادرين على الوصول عبر تعاون منهجي، إلى إنجاز عمل مثل ذلك الذي تحقق في الجزائر على يد الكومندان رين، وديبون، وكوبولاني، والكولونيل ترومولي وآخرين وفي السودان على يد القبطان المترجم مارتي، وهذا لا يمكن أن يتم في أسابيع قليلة، ولكن لو تمكن كل واحد من دراسة منطقته بعناية، فسيتيح تجميع هذه الدراسات الخاصة إخراج عمل شامل ذي أهمية قصوى، وذي فائدة عظيمة للسياسة الأهلية".

لقد حرص سبيلمان أن يمهد لكتابه بهذه الرسالة، ليضع كتابه في إطاره الطبيعي، فهو ليس كتابا نظريا، حركته الدوافع البحثية الميدانية (علم الاجتماع الديني)، وإنما هو كتاب يخدم أهداف الإدارة الاستعمارية الأهلية، بهدف تقديم معارف جديدة ودقيقة عن الحياة الدينية بالمغرب وأهم المؤثرين فيها، بغية مساعدة الإدارة الاستعمارية على بسط نفوذها، والتحكم بشكل جيد في الحياة السياسية، وإدارة الصراع مع القوى الجديدة التي أضحت تحرك مسرح السياسة بالمغرب.

لكن هذا التصنيف، الذي يضع هذا الكتاب ضمن الدراسات الكولونيالية، لا يعني ضرورة نزع الطابع العلمي عنه، خاصة وأن الملاحظات الواردة فيه، جاءت ثمرة مقابلات ميدانية مع رؤساء الزوايا ومريديها، وجاءت بعد رصيد طويل من الخبرة والملاحظة للقوى المؤثرة في الحياة الدينية والسياسية بالمنطقة. كما تضمن معلومات مونوغرافية دقيقة عن التنظيم الداخلي للزوايا، وشيوخها (خارجة تعاق الشيوخ) وفروعها وامتداداتها الترابية وـأثيرها الاجتماعي وخارطة علاقاتها وتفاعلاتها السياسية.

لاحظ سبيلمان ظاهرة تداول القوة بين السلطة وبين الزوايا، ففي الوقت الذي تتقوى الزوايا يضعف المخزن، وفي الوقت الذي يتقوى المخزن، تضعف الزوايا، فوضع بذلك السياسة الاستعمارية أمام الخيارات الضيقة، بعد أن كان نهجها يتجه لدعم سلطة المخزن، خوفا من هيمنة الحركات الوطنية.
فبغض النظر عن الدوافع الكولونيالية، والاعتبارات الإيديولوجية التي  تبررها النظرة  الاستعمارية الفرنسية العنصرية، فإن المعلومات والمعطيات الكثيفة المجمعة عن الحياة الدينية، وعن خارطة الزوايا والطرق الصوفية، وعلاقاتها المختلفة بالسلطة، وأدوارها المجتمعية، تعطي صورة مهمة عن الحياة الدينية المغرب، ودور الزوايا في التأثير في توجهاتها، بل وتقدم تفسيرات مهمة عن تحول دور هذه الزوايا، والفراغات التي تركتها، والعوامل التي ساعدت في تحول مركز الثقل منها إلى الحركات الوطنية، ومن المركز الريفية إلى المراكز الحضرية، ومن المريدين الكهول والشيوخ  وزعماء القبائل أتباع الطرق الصوفية، إلى الشباب المسيس الملهم بأطروحة الحركة الوطنية السلفية في المناطق الحضرية.

من التاريخ الصوفي بالمغرب إلى المونوغرافية الطرقية

ما يثير الانتباه في كتاب سبيلمان جمعه بين قسمين أساسيين في دراسته للزوايا والطرق الصوفية بالمغرب: القسيم التاريخي، الذي حاول فيه إعطاء صورة عن التاريخ الديني بالمغرب من فترة ما قبل الإسلام إلى مرحلة نشره، وظهور مملكة الأدارسة إلى بداية تأثير العقائد المشرقية وظهور الحركة الدينية الأولى من خلال حركتي المرابطين والموحدين، ليبسط المقال بشكل تاريخي تتبع فيه تحولات الظاهرة الدينية والصوفية في الفترة المرينية، ثم السعدية، حيث اشتدت المقاومة الاستعمار البرتغالي، ليغطي في المرحلة الأخيرة نشأة الدولة العلوية، والحرب ضد الإسبان، وطبيعة السياسة تجاه الطرق واتجاه المرابطين، ليخصص مرحلة بداية القرن التاسع عشر إلى بداية القرن العشرين بتأطير تحليل تاريخي مهم عن تحولات الزوايا والطرق الصوفية بالمغرب، لينتهي إلى تقييم مرحلة الحماية، ويرسم حالة الطرق الدينية المغربية عام 1939، أي قبل سنة من إتمامه  للكتاب (1940).

وأما القسم الثاني، وهو الإضافة النوعية التي قدمها سبيلمان مقارنة مع جهود سابقيه، فقد رسم فيه مونوغرافيا ضافية ودقيقة عن الزوايا والطرق الصوفية بالمغرب، كاشفا بذلك خارطتها ومقدما بذلك شجرة الانتماء الصوفي بالمغرب، فتحدث عن ست زوايا أساسية، هي: زاوية الدلاء، وزاوية سيدي علي إيمهيوامش، وزاوية أحنصال، وزاوية تامكروت، والطيبون التهاميون بوزان، والدرقاويون، ليختم كتابه بملاحق نوعية تخص الطرق الشاذلية بالمغرب، وأشكال تنظيم كل طريقة دينية على حدة، والفروع المنضوية تحت الزاوية الأم، وقد ضم في كتابه شجيرات الأنساب لكل زاوية، كما حرص على رسم خارطة شيوخ كل زاوية على حدة.

دروس سبيلمان من تحولات الحياة الدينية بالمغرب

من المفيد الإشارة إلى الدور الكبير الذي قام به المترجم المهدي بن محمد السعيدي في تقديم هذا العمل باللغة العربية، فلم يكتف فقط بالترجمة التقليدية، وإنما أرفقها بجهد تدقيقي لبعض المراجع والإحالات، مع توسل أسلوب سلس ممتنع في الترجمة، فضلا عن تقديمه الذي بسط فيه منهج الترجمة، وقدم معطيات مهمة عن الكتاب صاحبه.

وتبقى الثمرة المرجوة من الكتاب هي غايته، أي الخلاصات التي انتهى إليها مما كانت تنتظره الإدارة الاستعمارية لتحيين معارفها عن تحولات الحياة الدينية بالمغرب، وهي في الجملة أربع خلاصات أساسية:

ـ أولها، وهو تأكيد فقدان الزوايا الصوفية لمكانتها بسبب اختلال علاقة القوة بينها وبين السلطة (المخزن). فقد لاحظ سبيلمان ظاهرة تداول القوة بين السلطة وبين الزوايا، ففي الوقت الذي تتقوى الزوايا يضعف المخزن، وفي الوقت الذي يتقوى المخزن، تضعف الزوايا، فوضع بذلك السياسة الاستعمارية أمام الخيارات الضيقة، بعد أن كان نهجها يتجه لدعم سلطة المخزن، خوفا من هيمنة الحركات الوطنية.

ـ ثانيها، ملاحظة تأثير الانحرافات العقدية والدينية لشيوخ الزوايا ونفوذها لاسيما في أوساط الشباب، وذلك من قبيل نسبة العصمة والكرامات الخارقة للشيوخ، وسجل سبيلمان تأثير تحول المجتمعات في تقبل سلوكات المشايخ، وذكر المفارقة بين سلوكات كانت محل قبول في المجتمعات الريفية المغلقة، فصارت محط سخرية وامتعاض في المجتمعات الحضرية المفتوحة.

ـ تراجع الدور الاجتماعي للزوايا وإحجام مشايخ الصوفية عن تقديم خدمات للمجتمع في التعليم والتربية والتوجيه والتضامن الاجتماعي، واقتصارهم على جمع الأموال (اختلال في جدلية الأخذ والعطاء) وتأمين نفوذهم وقربهم من السلطة.

ـ وتخص الخلاصة الرابعة الحالة الداخلية للزوايا، ونشير ضمنها لثلاث قضايا أساسية، الأولى هي حالة تردي المستوى العلمي لمشاريخ الزوايا وزعمائها، والثانية هي تحول بعض مشايخ الصوفية إلى عملاء للاستعمار وموظفين لدى إدارته، وأما الثالثة فتخص الصراع بين ورثة الزوايا حول الرئاسة والزعامة.

وهكذا تجتمع هذه العوامل الأربع لتقديم تفسير عن تراجع الدور الديني والسياسي للزوايا والطرق الصوفية، في مقابل تقدم دور الحركات الوطنية، التي اضطلعت بالمسألة العلمية، وقدمت تفسيرا جديدا للدين، باعتباره وقودا للمقاومة ضد الاستعمار، وتحولت إلى خادم للمجتمع، يضطلع بدور التربية والتعليم والتوجيه، ويقود مبادرات التضامن الاجتماعي، كما  أناطت بنفسها دورا محددا يتمثل في طرد المستعمر، وتحقيق الاستقلال والإصلاح والتنمية والاستقلال،  وهي المهام التي أحدثت تغيرا كبيرا في الأدوار والوظائف الدينية، بل أحدثت تغيرات مركزية في الفاعلين الدينيين، بحيث فقدت الزوايا دورها وتراجع نفوذها لصالح تقوي دور الحركات الوطنية.

ومع كل هذه الخلاصات التي سجلها سبيلمان، فقد ظل يحتفظ بخلاصة هي أقرب إلى التمني، تتمثل في الاعتراف بالدور الكامن للطرق والزوايا الصوفية، وأن بإمكانها استعادة نفوذها ودورها الديني مستعينا بذلك بتأثيرها التاريخي في صياغة الحياة الدينية العميقة بالمغرب، لكنه في الجوهر، كان يدفع السلطات الاستعمارية إلى إعادة تحديد الموقف منها، وتغيير سياستها اتجاهها بما يجدد ولاء النخب الاجتماعية التقليدية لها، ويقلل من جدية ومصداقية النقد الذي تقدمه الحركات الوطنية لها، وبما أيضا يعين على خفض درجة التوتر والحساسية الترابية (المناطق الحشرية) والجيلي (الشباب) منها.
التعليقات (0)