قضايا وآراء

خطابات الكراهية في تونس ودورها في إفشال "الثورة"

عادل بن عبد الله
ما دور أجهزة القمع المادية في تثبيت الواقع؟- الأناضول
ما دور أجهزة القمع المادية في تثبيت الواقع؟- الأناضول
رغم غياب أي تعريفٍ لخطاب الكراهية في القانون الدولي لحقوق الإنسان، فإن استراتيجية وخطة عمل الأمم المتحدة بشأن خطاب الكراهية تعرّفه بما يلي: "أي نوع من التواصل الشفهي أو الكتابي أو السلوكي الذي يهاجم أو يستخدم لغة ازدرائية أو تمييزية بالإشارة إلى شخص أو مجموعة على أساس الهوية". وفي السنوات الأخيرة تفشت مظاهر التمييز على أساس العرق والدين وغيرهما إلى درجة جعلت الأمم المتحدة تقرّ -منذ 2022- يوم 18 حزيران/ يونيو من كل سنة يوما دوليا لمكافحة خطاب الكراهية.

وليس يعنينا في هذا المقال أن ندرس خطابات الكراهية التي تصدر عن عامة المواطنين (بحكم تأثيرات دينية فقهية أو مخيالية، أو بحكم مقولات عرقية أو جهوية أو طبقية أو فئوية.. إلخ)، بل يعنينا الإشارة إلى الخطابات "العالِمة" التي تروّج للكراهية سواء أكانت خطابات سياسية (حزبية) أو أيديولوجية (إعلامية أو مدنية أو نقابية.. الخ) وبحث دورها في إفشال "الثورة"، أو بالأحرى دورها في إفشال المشروع الوطني الذي يقطع مع منظومة الاستبداد والفساد وما يرتبط بها من جهوية وزبونية وريعية وتخلف وتبعية.

بعد نجاح الاحتجاجات الاجتماعية في أن تفرض على المنظومة الحاكمة التخلص من رأس السلطة وتهريبه إلى السعودية، عملت بعض مكونات النواة الصلبة للحكم على حرمان عامة المواطنين من التمتع بحريتهم "المتخيلة" (فالواقع يقول إنهم كانوا سياسيا وإداريا وإعلاميا تحت هيمنة المنظومة القديمة). ولم تكن ظاهرة "القنّاصة" الذين قتلوا العديد من المواطنين دون تحديد هوياتهم إلى حد هذه اللحظة -وكذلك نشر الأخبار الكاذبة عن مهاجمة بعض الأحياء لبعضها البعض- إلا جزءا من استراتيجية شاملة؛ لتحويل الغضب الشعبي من مداراته الطبيعية (محاكمة ورثة المنظومة القديمة) إلى مدارات مختلفة وملتبسة يتداخل فيها الخوف من التدخل الأجنبي (في ظاهرة القناصة) مع الخوف من باقي المواطنين (في سيناريوهات الاحتراب الأهلي).

خلال المرحلة التأسيسية، نجح ورثة المنظومة القديمة وحلفاؤهم في اليسار الوظيفي (الشيوعيون والقوميون) في نقل خطابات الكراهية من الموروث الشيو-تجمعي الفرنكفوني المرتبط بنظام المخلوع إلى "بدائل" سياسية وأيديولوجية تمثلت أساسا في "الإسلاميين"، وعملوا على خلق ارتباطات وهمية بينها، بل سعوا إلى حمل الرأي العام على التسوية بينها بحيث يكون الحديث عن مخاطر أحدهما (وهي مخاطر حقيقية كما هو شأن السلفية) يسري حديثا عن بقيتها

ورغم قِصر هذه المدة زمنيا، فإنها قد كانت السياق البدئي لحرف الرأي العام عن قضاياه الحقيقية وتشكيله بطريقة تقوم على الدمغجة والتزييف والتلاعب الممنهج، وهو ما سيتواصل إلى حدود كتابة هذا المقال.

خلال المرحلة التأسيسية، نجح ورثة المنظومة القديمة وحلفاؤهم في اليسار الوظيفي (الشيوعيون والقوميون) في نقل خطابات الكراهية من الموروث الشيو-تجمعي الفرنكفوني المرتبط بنظام المخلوع إلى "بدائل" سياسية وأيديولوجية تمثلت أساسا في "الإسلاميين"، وعملوا على خلق ارتباطات وهمية بينها، بل سعوا إلى حمل الرأي العام على التسوية بينها بحيث يكون الحديث عن مخاطر أحدهما (وهي مخاطر حقيقية كما هو شأن السلفية) يسري حديثا عن بقيتها (وهنا يكفي الظن لأنه يُغني -في سياسات التزييف الإعلامي- عن الحقائق والبراهين).

ورغم التباس "المسألة السلفية" (بحكم ارتباطاتها المفترضة بالمنظومة القديمة وببعض المخابرات الأجنبية)، ورغم أن التمدد السلفي كان نتيجةً للاستضعاف المُمنهج والشامل للدولة، فإن الإعلام قد حرص على طمس المحددات الأخرى لهذا الواقع (تغوّل النقابات، فساد الإدارة، تدخل السفارات بتحريض أو تواطؤ من بعض الأحزاب والمنظمات، هيمنة الميراث البشري للمنظومة القديمة على الدولة والمجتمع المدني والإعلام.. الخ). ولم يكن ذلك إلا لإقناع المواطنين بخطورة "النهضة" -أي خطورة الجسم السياسي الأهم بعد الثورة- لأنها في الحد الأقصى "راعية الإرهاب السلفي"، أو لأنها -في الحد الأدنى- تحمل مشروعا لـ"أخونة الدولة" لا يختلف في جوهره عن المشروع السلفي.

لقد كان النجاح الأهم للنواة الصلبة للمنظومة القديمة هو قدرتها على امتصاص "الصدمة" التي مثّلها الحدث الثوري وحسن إدارتها لحالة الاختلال المؤقت الذي فرضه ذلك الحدث مهددا مصالحها المادية والرمزية. لكنّ هذا النجاح لا يرتبط في تقديرنا الشخصي بقدراتها الذاتية فقط، بل يرتبط بعاملين مهمين آخرين هما: غياب بديل "ثوري" واقعي خارج المزايدات السياسوية الكاذبة، وقابلية الرأي العام للتلاعب والتوجيه. فالنخب التونسية قد أدارت الحدث الثوري إما بعقلية "الجامعة" وكراساتها الأيديولوجية (نحن هنا نقصد اليسار الماركسي والقومي)، وإما بعقلية "الضحية" الذي لا يريد وراثة الجلاد لكنه يتعامل معه بمنطق "متلازمة ستوكهولم" (نحن نقصد هنا حركة النهضة وجناح "التوافق" المهيمن عليها).

رغم أن خطاب الكراهية الذي هيمن على المرحلة التأسيسية وما بعدها كان هو الخطاب "الحداثي" الذي نسيَ الطبقية والجهوية والزبونية وعلاقات التبعية وسياسات "الإذلال المزدوج" (إذلال الخارج ووكلائه المحليين للدولة، وإذلال أجهزة الدولة لعموم المواطنين)، فإن انتشار ذلك الخطاب بين عموم المواطنين وتلقيهم إياه بالقبول يعود في جزء منه إلى خيارات حركة النهضة ذاتها. فـ"التطبيع" مع ورثة المنظومة بشروطهم، والصمت عن استمرار سياسات التمييز على أساس الهوية، والعجز عن "المفاصلة" الجذرية مع السلفية الوهابية ومشروعها السياسي، والانتقال من "الاستعلاء الإيماني" إلى "الاستضعاف الديمقراطي"، والفشل في بناء إعلام بديل أو إصلاح المنظومة الإعلامية القائمة.. كل ذلك جعل خطاب الكراهية الموجه ضدها يتحول إلى ثابت من ثوابت السجال العمومي وخاصية من خاصيات الخطاب "الحداثي" بكل تشكيلاته اليسارية والقومية والتجمعية الجديدة.

بعد هيمنة "الحداثيين" على مواقع إنتاج خطابات الكراهية في جميع مراحل التأسيس والتوافق، جاء "تصحيح المسار" ليستحوذ على هذا الدور، وليحول الكثير من منتجي ذلك الخطاب إلى ضحايا له. ونحن لا نجانب الصواب إذا ما قلنا إن الرئيس قيس سعيد لم ينتج خطاب الكراهية ولكنه مركزه وعمّمه.

النخب التونسية لم تغادر بعدُ مربع "الهويات القاتلة"، بل لم تخرج عن ضيق "المشاعر" إلى أفق الأفكار. فالكراهية في جوهرها ليست موقفا عقلانيا بقدر ما هي تعبير عن هشاشة نفسية وخواء فكري يعملان على تثبيت واقع "لا سوي" معين، وعلى الدفاع اللا واعي عن "نسق الذات" الفردية والجماعية (والجماعة هنا هي جماعة جهوية أو زبونية أو ريعية أو أيديولوجية)، وكذلك حجب المصالح المادية والرمزية التي وقع "تقنينها" ومأسستها بعيدا عن التفاوض الجماعي الحر وغير الموجه من طرف أجهزة القمع المادية والأيديولوجية منذ الاستقلال الصوري عن فرنسا

فمن جهة مركزة خطاب الكراهية، نجح الرئيس قيس سعيد ونظامه في احتكار الخطاب "الوطني"، وهو ما يعني شرعنة النظام الحاكم من خلال نشر تلك الثنائيات اللا متكافئة التي تنفرد فيها السلطة بكل الصفات الإيجابية (الوطنية، الصدق، تمثيل الإرادة الشعبية.. الخ) بينما تُسند لمعارضيه -والكثير منهم كانوا من سدنة خطاب الكراهية الموجه ضد النهضة في سرديتي الاستئصال الصلب والاستئصال الناعم- كل الصفات السلبية التي يدخل أغلبها تحت المساءلة القانونية (الفساد، التآمر على أمن الدولة.. الخ). أما من جهة التعميم، فإن خطاب الكراهية لم يعد موجها فقط للخصوم السياسيين ولا لمحور إقليمي معين، بل أصبح موجّها أيضا للأجانب، أي لأولئك القادمين من جنوب الصحراء.

سواء أكان خطاب الكراهية منتميا إلى سردية "العنصرية الثقافية" أم إلى سردية "العنصرية العرقية"، فإنه يظهر أن النخب التونسية لم تغادر بعدُ مربع "الهويات القاتلة"، بل لم تخرج عن ضيق "المشاعر" إلى أفق الأفكار. فالكراهية في جوهرها ليست موقفا عقلانيا بقدر ما هي تعبير عن هشاشة نفسية وخواء فكري يعملان على تثبيت واقع "لا سوي" معين، وعلى الدفاع اللا واعي عن "نسق الذات" الفردية والجماعية (والجماعة هنا هي جماعة جهوية أو زبونية أو ريعية أو أيديولوجية)، وكذلك حجب المصالح المادية والرمزية التي وقع "تقنينها" ومأسستها بعيدا عن التفاوض الجماعي الحر وغير الموجه من طرف أجهزة القمع المادية والأيديولوجية منذ الاستقلال الصوري عن فرنسا. وهو ما يعني أن تجاوز ثقافة "الكراهية" هو شرط ضروري -ولكنه غير كاف- لبناء "الكلمة السواء" أو المشترك الوطني المتحرر من هيمنة وكلاء الاستعمار الخارجي والاستعمار الداخلي على حد سواء.

ولا شك عندنا في أن هذا المشروع هو مشروع "مؤجل" في المستوى المنظور والمتوسط، فأغلب النخب المهيمنة على السلطة وعلى المعارضة ما زالت عاجزة عن تحديد هويتها/ دورها بعيدا عن خطاب الكراهية، مهما كانت مفردات صياغته ومهما كانت ضحيته. وهو أمر يعود في تقديرنا إلى أن أغلب النخب/ المنظمات التونسية الوازنة ما زالت تتصارع -بصورة واعية أو لا واعية- تحت سقف منظومة الاستعمار الداخلي وترفض مواجهتها، أي ما زالت تتمثل نفسها في دور الوكيل السلطوي لخدمة علاقات التبادل اللا متكافئ اقتصاديا وثقافيا مع الغرب وحماية مصالح وكلائه المحليين.

twitter.com/adel_arabi21
التعليقات (0)