مقالات مختارة

فرنسا في حاجة إلى ديغول جديد

توفيق رباحي
عربي21
يوم الأربعاء الماضي نشرت صحيفة لوفيغارو تقريرا كشفت فيه أن الحكومة الفرنسية وضعت برنامجا لحملة علاقات عامة مكثّفة، في شكل هجمة مرتدة، بعد الأحداث الخطيرة التي أعقبت جريمة قتل الشاب نائل برصاص شرطي فرنسي.

ترمي الحملة إلى توجيه رسائل للعالم وتحقيق ثلاثة أهداف على الأقل. الأول إنقاذ الموسم السياحي وإعادة تحريك دورة الاقتصاد والتجارة. الهدف الآخر طمأنة السياح المترددين أو الذين ألغوا حجوزاتهم بأن فرنسا آمنة، خصوصا وأن الموسم السياحي بدأ واعدا لفرنسا بعد نكسة جائحة كورونا، ثم حدثت جريمة نائل. أما الهدف الثالث فهو محاولة «تصحيح بعض ما ترسخ من أخطاء في الإعلام الدولي» وكذلك تبييض صورة رجال الشرطة الفرنسيين بعد الأذى الذي لحق بهم جراء مقتل الفتى نائل وآخرين.

من بين ما تضمنت الخطة، وفق مصادر استندت إليها لوفيغارو، مقابلات صحافية مع وسائل إعلام دولية كبرى، بينها «سي إن إن» الأمريكية والجزيرة القطرية ومؤسسات إعلامية بريطانية منها صحيفة التلغراف اليمينية. وتضمنت أيضا توزيع الأدوار بين الوزراء المعنيين بقطاعات التجارة والاقتصاد والسياحة، كل واحد يخاطب جمهورا بعينه باللغة المناسبة على أن يكون هدف الرسالة واحدا.

وجاء في الصحيفة نقلا عن «أوساط مقربة من الحكومة» أن رئاسة الحكومة تشرف على هذه الحملة، وأن قصر الإليزيه (الرئاسة) يتابعها عن قرب.

ورد تقرير لوفيغارو في صيغة المستقبل، مثل أن الوزيرة ستقول كذا وكذا، والوزير فلان سيركز على كذا وكذا. من بين ما كان سيقوله الوزراء (يومها) أن الهدوء عاد كليّة والأمن استتب، ولا يوجد ما يدعو للخوف لأن الحكومة نشرت 45 ألف شرطي لتأمين العاصمة باريس، وأن الحركة التجارية عادت إلى طبيعتها.. إلخ.

هذا يعني أن «أجوبة» الوزراء كانت مُعدَّة سلفا، وهدفها تمرير رسائل محددة دون أن تأبه كثيرا لأسئلة الصحافيين وانشغالاتهم. وقد كانت هذه الأسئلة أهم بكثير من الموسم السياحي وتحريك النشاط التجاري، فالأمر يتعلق بجريمة سياسية أكثر منها جنائية ترتبت عنها أزمة خطيرة هزَّت أركان الدولة، ومن الطبيعي أن الأسئلة عن الموسم السياحي في هذا السياق هي آخر ما يهم أيّ صحافي يحترم مهنته.

هذا إذن كل ما يهم الرئاسة والحكومة الفرنسيتين في الوقت الحاضر. لا إصلاح الشرطة ولا التصالح مع سكان الضواحي ولا جبر ضرر المتضررين ولا محاسبة المخطئين ولا تخفيف منسوب الكراهية التي ينفثها اليمين المتطرف وكثير من السياسيين في المجتمع الفرنسي ولا أيّ شيء من هذا القبيل. كل ما يهم أن سائحا أمريكيا أو صينيا أو خليجيا شعر بالخوف وفكَّر في إلغاء حجزه فلا بد من القبض عليه قبل أن يغيّر وجهته إلى دولة أوروبية مجاورة! كل ما يهم الحكومة الفرنسية طمأنه الأثرياء بأن محلات الموضة أعادت فتح أبوابها لهم والكازينوهات بانتظارهم!

إذا كان هذا كل ما يهم السلطات الفرنسية وغبار المعركة ما زال يغمر فرنسا، فالرسالة التي يمكن استخلاصها من هذا التفكير هي أن أزمة فرنسا أعمق مما يعتقد الناس، وأن السلطات الفرنسية لم تتعلم شيئا من الأيام الستة التي أوشكت أن تحرق فرنسا كلها. لكن الأخطر مع وجود مثل هذه الذهنية أن نائلا آخر سيُقتل بسلاح رجال إنفاذ القانون، وشرطيا آخر سيُسجن بتهمة قتل نائل آخر.
بهذا النوع من التفكير لم يبق هناك فرق بين الحكومة الفرنسية وحكومات العالم الثالث المستبدة التي لا تستحي ولا يهمها أن لديها مصائب كثيرة، لكن يزعجها ما سيقوله الآخرون عنها.

تابعتُ العديد من النقاشات السياسية والإعلامية والأكاديمية في فرنسا في ذروة الأحداث التي أعقبت مقتل نائل وبعدها. أهم ما يميّز النقاشات الانقسام الحاد. كل الفرنسيين، وعلى رأسهم النخب وصنّاع الرأي، مدركون بأن بلادهم تعيش أزمة ومتفقون على أنها تتوجب علاجا فوريا. لكن الاتفاق يتوقف هنا، ما دونه كله خلافات تبدو في بعض الأحيان مستعصية على الحل.
مشكلة فرنسا ليست الشرطة. هذه الأخيرة هي الواجهة لانكسار أكبر لحق بمؤسسات الدولة ونخبها وإعلامها وتغلغل إلى المجتمع.

هناك الآن في فرنسا أكثر من معسكر تفرّقها انقسامات أفقية وأخرى عمودية. علاوة على الانقسامات العرقية التي كان أحد محركات انتفاضة الأسبوع قبل الماضي، هناك الانقسامات الطبقية والعقائدية والسياسية والحزبية. في الوقت الحالي يبدو أن لا أحد يريد التنازل للآخر.

هذا الخلل الهيكلي يفرض الحاجة إلى إصلاح عميق يشمل كل الجبهات. فرنسا تمر اليوم بمرحلة حرجة من مسارها تشبه أزمات الستينيات والخمسينيات من القرن الماضي. بعبارة أخرى، فرنسا في حاجة إلى جمهورية جديدة مثلما اضطرت إلى إلغاء الجمهورية الثالثة وإعلان الرابعة في 1946 على خلفية ما تركته الحرب العالمية الثانية من ندوب على الجسد الفرنسي، ومثلما احتاجت في منتصف 1958 إلى الانتقال من الجمهورية الرابعة إلى الخامسة في ذروة التأزم الداخلي بسبب الثورة الجزائرية.

ورغم توفر العوامل التي تجعل الانتقال إلى جمهورية جديدة أكثر من ضروري، هناك الحاجة لما هو أهم.. الزعيم الذي يقود الانتقال: ديغول جديد. وهو ما لا يتوفر حاليا لأن الجمهورية الخامسة وهي تتآكل التهمت في طريقها صناعة الزعماء من طراز ديغول.

القدس العربي
التعليقات (0)