مقالات مختارة

حول ما جرى فى أفغانستان.. وقضايا مصرية أخرى

عمار علي حسن
1300x600
1300x600


(1)
قتل جنود أمريكيين بمطار كابول لأفغان يحتمون بهم يُذكِّرني بمشهد في فيلم «ليلة سقوط بغداد»، حيث هلّل عميل لقدوم الجيش الأمريكي كي يحتل القاهرة، فخرج فاتحًا ذراعيه لاستقباله، فأطلق الجنود النار عليه وقتلوه. إنه درس بليغ يؤكد ما أؤمن به دومًا من أن «القوة والحماية في الشعب وليست في الخارج».

إن ما جرى في أفغانستان يؤكد القاعدة العبقرية التي استخلصها المصريون وآمن بها الفاهمون منهم، بعيدًا عن العملاء أو المتعاونين والمنبطحين والمُسيَّرين والخَدَم ومَن لا يؤمنون بالشعوب: «اللي متغطي بالأمريكان عريان».

(2)
كل الأسلحة التي أمدت بها الولايات المتحدة الجيش الأفغاني، الذي كان قوامه 300 ألف جندي وتبخر في أيام أمام 75 ألفًا من طالبان، صارت الآن في أيدي قوات الحركة المتشددة. ترسانة من السلاح المتقدم، لم يكن يحلم به الطالبانيون، وسيُكوّنون بها هم جيشًا عرمرمًا.

(3)
لحظة طي مقاتلين من طالبان العَلَم الأفغاني وتنحيته جانبًا تحمل في باطنها الكثير عما تنوي الحركة فعله في قابل الأيام. لن تتخلى طالبان عن أيديولوجيتها، وبراجماتيتها في التفاوض والحرب، قد تستمر في التعامل مع الخارج، لكن في الداخل ستطبق أفكارها المتشددة، وسيدفع الشعب ثمنًا باهظًا.

(4)
كما ألهمت «ثورة إيران» 1979 الكثير من الجماعات والتنظيمات السياسية الإسلامية، فآمنت أن بوسعها حيازة الحكم، فإن ما فعلته طالبان سيجعلها تؤمن بأن طريقها إلى الحكم هو الحرب، وأكثر البلدان المرشحة للتأثر بهذه التجربة هي ليبيا، إن تعثر المسار السياسي، وحرّكتها قوى خارجية في هذا الاتجاه.

(5)
كما دخلت «طالبان» كابول قد تدخل «تيجراي» أديس أبابا. هناك فوارق في الأيديولوجيا والعقيدة، لكنهما قوتان قبليتان أو عرقيتان، تواجهان عدوًا متشابهًا، فأشرف غني يشبه آبي أحمد في كثير من السمات، والوضع الاجتماعي المتعدد في إثيوبيا وأفغانستان فيه تشابه، ورعونة الجيشين النظاميين واحدة.

(6)
تؤمن أمريكا بالسرعة في كل شيء ابتداء من «الوجبات السريعة» حتى «الأفكار السريعة» مثل «نهاية التاريخ» و«الموجة الثالثة للديمقراطية» التي صُنعت في معامل المخابرات وتتهاوى الآن، حتى الحروب والاحتلال تفعله أمريكا بسرعة، دون خبرة الإنجليز، وتنسحب سريعًا، مُخلِّفة كوارث. إنها إمبراطورية الكاوبوى.

(7)
رغم تداعى قوة الغرب فإنه لا يريد مفارقة زمن الاستعمار فارضًا وصايته على العالم، فيعقد مؤتمرات وجلسات رسمية لمناقشة قضايا دول تبعد عنه آلاف الأميال، ولا أحد في هذه الدول يفعل العكس. من حق الغرب الدفاع عن مصالحه لكنه لا يكتفي بهذا إنما يزعم أنه صاحب رسالة، وهي قشرة لنزعة استعمارية!

(8)
قرر اتحاد كرة القدم المصري استثناء اللاعبين الفلسطينيين من الحصة المخصصة لكل فريق من المحترفين الأجانب وهي خمسة لاعبين فقط، حيث اعتبر اللاعب الفلسطيني المحترف لاعبًا مصريًا، وليس أجنبيًا. قرار له ما نتوقف عنده لنستخلص معناه ومغزاه، الذي هو أبعد أو أعمق من كرة القدم ومعجبيها.

(9)
هناك خطة منفردة، لم تحْظَ بأي حوار مجتمعي للقضاء على عشوائيات المباني في سنوات قليلة، فمتى تكون لدينا خطة لإنهاء عشوائيات المعاني؟

لقد ترَدّت الأخلاق، وظمئت الأرواح، وغاب التفكير العلمي، واستشرى العنف الرمزي واللفظي والمادي. أعرف أن إصلاح هذا ليس سهلًا، كهدم بيوت متداعية وبناء أخرى مكانها، وأنه يأخذ وقتًا طويلًا، لكننا نريد أن نرى بداية خطة تكون مدروسة بعناية.

(10)
تم تدمير سمعة جوائز الدولة لمنحها لمَن لا يستحق. قال لي المفكر البارز الراحل د. عبدالوهاب المسيري، رحمه الله، إنه حين فاز بجائزة الدولة التقديرية وضع بروازًا يحوي الشهادة في صدر صالة بيته لينظر إليها كل يوم في فخر، فلما فاز بها في سنوات لاحقة مَن لا يحسنون التفكير ولا الكتابة، امتلأ عجبًا، ثم رفع البرواز، وخبّأه.

(11)
أعجبني ما ورد بمقال نشره د. محمود عمارة بصحيفة «الوطن» منذ سبع سنوات يوجهه إلى رئيس الجمهورية، ويقول فيه إنه حين اشترى مطعمًا بالتقسيط بعد هجرته إلى فرنسا سأله بائع عجوز: ما أغلى شيء في المطعم؟ فقال: الإيجار، فرد الرجل: لا. فقال له: إذن هي التأمينات. لكن الرجل رفض الإجابة الثانية أيضًا، وقال: أغلى شيء هنا هو الكرسي الفارغ. فعلًا للفراغ ثمنه، إنها حكمة بالغة التأثير.

(12)
حين فاز نجيب محفوظ بجائزة نوبل عام ١٩٨٨ قال مازحًا: «أنا المليونير الوحيد في البلد دي اللي معروفة فلوسه جت منين». أيامها كان موسم هروب سارقي البنوك من رجال أموال ونصابين، فسأله أحدهم:

ـ ماذا تريد أن تفعل الآن بعد أن صرت مليونيرًا؟

- أجاب محفوظ، الذي كان خفيف الظل: عاوز أهرب.

(13)
ما إن أنتهي من كتاب حتى أودعه لدى ناشري خوفًا من الموت المفاجئ أو السجن، وهما سببان لضياع كتابات لأدباء ومفكرين وعلماء، لم ينتبه إليها أهلهم وأصدقاؤهم. وأحيانًا أبدأ رواية أو كتابًا جديدًا، ولو بسطر أو فقرة واحدة، وأنا أختتم سابقتها أو سابقه، ثم أدعو الله أن يمدني بأسباب البقاء كي أُتمِّم ما بدأت، وهكذا تؤدي الكتابة عندي وظيفة إضافية وهي التحايل على الحياة.

 

نقلا عن المصري اليوم

0
التعليقات (0)