قضايا وآراء

الدولة "الضخمة".. أُعيذها نظرات منك صادقة!

هشام الحمامي
1300x600
1300x600
مع الاعتذار لسيف الدولة الحمداني (915-967م)، ملك الدولة الحمدانية الشهير المقصود الأصلي بهذا الخطاب من مادحه الأشهر منه، ومن كل ملوك العرب في كل التاريخ العربي (أبو الطيب المتنبي 915-965م) حين قال له:

أعيذها نظرات منك صادقَة   أَن تَحسب الشحم فيمن شحمه ورم

كانت القصيدة عتابا من الشاعر للملك على تجاهله له ولقيمته مذكرا ومنبها له إلى أن ضخامة جسده وامتلاءه ليس من الرفاهية والرخاء وإنما من الأمراض والأورام. والمعنى قريب الشبه من حال الدولة العربية في العصر الحديث، التي لم تزدد قوة وكفاءة، لكنها ازدادت ترهلا وارتخاء، أيضا وللمفارقة..عنفا وضخامة.

أيا ما كانت الحكايات عن "الدولة"، حيث يحكيها من يحكي من ذخائر حكاياته ويرويها من يروي من مخازن رواياته، إلا أن موضوع "الدولة" هو بالأساس موضوع بالغ الأهمية في الفكر والتاريخ والحياة والناس، وسيلفت نظرك تعدد التوصيفات لهذا المصطلح، فهي الدولة الوحش، والدولة المتسلطة، والدولة الحامية، والدولة القومية، والدولة الحديثة، والدولة العميقة، والدولة المركزية، والدولة الفاشلة، والدولة الرخوة، والدولة المترهلة.. الخ.

سيقول لنا دارسو علم التفسير إن تعبير دولة لم يٌذكر في القرآن إلا مرة واحدة، في معرض الحديث عن فكرة توزيع الثروة وعدم تركزها في أياد قليلة، وعلى الجانب الآخر ذكر تعبير "الأمة" 64 مرة.. وهو التعبير الذي يكاد يكون المعادل اللدود لتعبير الدولة، إذ ستتضخم الدولة حين تتضاءل الأمة، والعكس صحيح تماما، وسيكون ذلك العرض الأكثر وجعا والأخطر أثرا على العالم العربي بعد خروج الاحتلال الغربي من أراضيه.

الحاصل هو أنني قرأت ما استطعت عن موضوع "الدولة" وتثبيتها وحمايتها وتخويف الناس من سقوطها (التاريخ لم يكتب عن مرة واحدة أو نصف مرة عن سقوط الدولة المركزية في مصر أو دخولها في حروب أهلية أو فوضى عمومية لا سمح الله). ولفت نظري في ما قرأت قدر التجاهل الذي تم التعامل به مع كتابات مفكر مصري قبطي، د. نزيه نصيف الأيوبي (1944-1995) المحاضر في أكسفورد وكاليفورنيا وإكستر. والرجل صاحب الكتابات الأوفى والأوفر والأهم عن الدراسات السياسية في المنطقة العربية. وكتابه المهم "تضخيم الدولة العربية.. السياسة والمجتمع في الشرق الأوسط" يعد العمل "البروتوتايب" كما يقولون في كل ما كتب عن الدولة العربية الحديثة. أيضا كتب عن التيار السياسى الإسلامي "الإسلام السياسي.. الدين والسياسة في الشرق الأوسط" (رغم تحفظي على أن ننسب شيئا للإسلام بالإطلاق، فالتيار السياسي الإسلامي في النهاية هو اجتهاد البشر في دنيا السياسة بفهمهم للإسلام)، و"مشاكل التعليم والإدارة والمركزية المغلقة وأزمة الإصلاح". ورغم ذلك فشهرته في مصر والعالم العربي لا تتناسب مع ما قدمه للمكتبة العربية في العلوم السياسية والإنسانية عامة.

ويعد كتابه "تضخيم الدولة العربية" أشهر منه! وهذه حالة تحدث، بل وتكررت، مثل كتاب "قرية ظالمة" الأشهر ألف مرة من مؤلفه د. كامل حسين و"دون كيشوت" الذي لا يكاد يعرف أحد اسم مؤلفه سرفانتس. وأنا شخصيا أتمنى لو تكررت هذه الحالة الإنسانية/ المعرفية، فقيمة الإنسان الفاني في ما يتركه من أثر يفيد البشر عبر الأزمان والسنين، لا في تخليد اسمه واسم والده ووالدته، إذ لا خلود في الدنيا لبشر (أفإن مت فهم الخالدون)، وأصلا ما قيمة شعورك بالخلود في الدنيا وأنت معدوم الشعور بما في الدنيا و أنت ميت؟

ما قاله د. نزيه عن الحركات الإسلامية المعاصرة يستحق أن يشار إليه بأصابع الاحترام كقبطي والتقدير كباحث، فيقول: الحركـة الإسـلامية المعاصرة هي رد فعل طبيعي وثقافي على الأيديولوجيات المنقولة من الغـرب كالماركـسية والاشتراكية وغيرها، لأن الإسلام ظل محدداً أساسياً في ثقافة الشعب المصرى.. ويستطرد قائلا في ملمح آخر حول دراسة الظاهرة: إن أية دراسة لحركات الإحياء الإسلامي ستبقى ناقصة ما لم تتم دراسة موضوعية لها في جانبها السياسي والاقتصادي والفكري للخروج بنتيجة أقرب ما تكون إلى الواقع، وتربط بين ازدياد عنف الرد الإسلامي على التحديات الغربية وبين الأثر النفسي الذي تولد عن هزيمة 5 حزيران/ يوينو 1967م، وهو الأثر الذي لم تستطع حتى حرب تشرين الأول/ أكتوبر 1973م محوه على الرغم مما حققته.

كتاب د. نزيه الأيوبي الأكثر شهرة هو "تضخيم الدولة العربية" كما ذكرنا، وهو ينطوي على فرضيتين: الأولى الدولة العربية شهدت توسعا ملحوظا من خلال التوسع الشديد، وهو ما لم يكن توسعا في مستوى الحياة الاجتماعية والرفاه والتصنيع الحكوميين، بل في مجال العاملين في القطاع العام والمؤسسة العامة والإنفاق الحكومي (الموظفون التابعون) وهو ما يستنزف جزءا كبير من الدخل القومي للبلاد فتم "تضخيم الدولة" بشكل مفرط في المجال الاقتصادي الذي تعثر، وحتى في دورها الاجتماعي الذي فشل. الفرضية الثانية التي يحمل بذورها هذا المصطلح هي نظرية أن الدول العربية مفرطة في الانتشار والتمدد، ومع ذلك فهناك مغالاة في تقدير "قوة" هذه الدولة ومدى فعاليتها وأهميتها الحقيقية.

فالدول العربية ليست نموا طبيعيا من رحم تاريخها الاجتماعي والاقتصادي أو تقاليدها الثقافية والفكرية الخاصة بها، كما أنها دولة "قاسية" وليست "قوية"، وكثيرا ما كانت هذه الدولة تلجأ إلى الإكراه في سبيل المحافظة على سلطتها سواء بالهراوة أو بالاستعانة بالحسابات في البنك! وهي ليست دولة قوية لأنها تفتقر وبشكل متفاوت إلى "قوة البنية التحتية" التي تمكنها من النفاذ في المجتمع بشكل فعال من خلال آليات معتبرة (إذ لا يوجد مجتمع مؤسسي)، والأسوأ أنها تفتقر إلى الإطار الفكري الجامع الذي من شأنه أن يجعلها قادرة على تشكيل كتلة اجتماعية تاريخية تتقبل الشرعية الحاكمة.

أروع تعبير قرأته في الحديث عن المقاربة الإصلاحية لموضوع الدولة، كان في ورقة "الخطاب الإسلامي الجديد" للعلامة د. عبد الوهاب المسيري (1938-2008م) حين نصح إسلاميي السبعينيات في العقود الثلاثة الأخيرة بـ"محاصرة الدولة" لا "الاستيلاء عليها"، والحضور القوي والمؤثر في اختياراتها وقراراتها من خلال التربية والدعوة والانطلاق في مجال صياغة الإنسان والمجتمع، لا الحضور القوى في قصورها ودواوينها ومؤسساتها.

سيكون علينا في النهاية أن نتذكر أكبر أكذوبة في التاريخ السلطوي لـ"الدولة"، وهي الأكذوبة التي جاءت في البيان الشيوعي الشهير من أن الدولة ما هي إلا "لجنة تنفيذية لإدارة الشؤون الجمعية للشعب، وهي بهذه الصفة انعكاس مباشر لمصالح هذا الشعب".. وقد رأينا حجم الأكذوبة عند تحطم سور برلين 1989م.

twitter.com/helhamamy
التعليقات (0)