قضايا وآراء

الشيخ/ الأستاذ و"الانتقال الديمقراطي"

عادل بن عبد الله
1300x600
1300x600
ليلة الأحد الماضي، كان للأستاذ راشد الغنوشي حوار خاص على القناة الأولى للتلفزة التونسية. وقد انتظر التونسيون هذا الحوار للحصول على أجوبة رئيس البرلمان وزعيم حركة النهضة عن تساؤلاتهم، في وضع مأزوم صحيا واقتصاديا وسياسيا، أي لمعرفة مواقف رئيس السلطة الأهم دستوريا ورئيس الحزب الأغلبي الذي يحظى حزبه - والعهدة على المكتب الإعلامي لحركة النهضة - بستّين في المائة من التغطية الإعلامية في بلادنا. وبصرف النظر عن مدى دقة هذا الرقم، فإن التتبع العفوي لوسائل الإعلام التونسية منذ الثورة يجعلنا نعتبره رقما غير بعيد عن الواقع الإعلامي "المهووس" بحركة النهضة لأسباب متعددة ليس هذا محل تفصيلها.

وسنحاول في هذا المقال أن نقارب حوار "الأستاذ" راشد الغنوشي مقاربة تحليلية نقدية لأهم المحاور المرتبطة بالقضايا الداخلية والخارجية، وعلاقة ذلك كله بملف الانتقال الديمقراطي ونجاح "الاستثناء التونسي" كما يراهما زعيم حركة النهضة.

التوافق أو أساس "الاستثناء التونسي"

لم تكن مرحلة التوافق التي دافع عنها زعيم حركة النهضة مجرد مرحلة عبّرت عن انتقال الحركة من وعي "البديل" إلى وعي "الشريك" للنخب العلمانية المهيمنة على مفاصل الدولة منذ الاستقلال الصوري عن فرنسا، بل كانت أيضا مرحلة "تكييف" الألقاب أو الصفات العلمية لتكون أقل "استفزازا" لشركاء التوافق وغيرهم من النخب المناهضة للنهضة.

فراشد الغنوشي قد حضر باعتباره "الأستاذ راشد" لا باعتباره "الشيخ راشد"، وكأننا باشتراطات "تَونسة" النهضة وضرورة فصل الديني عن السياسي قد وجدت صداها في نظام التسمية ذاته. وبعد أن صار النهضوي "مسلما ديمقراطيا" لا "إسلاميا"، كان من المنطقي أن تصبح الصفة "المقبولة" سياسيا لراشد الغنوشي هي الأستاذ لا الشيخ.

وبالطبع، فإن سياقات انتقال حركة النهضة من "الاستعلاء الإيماني" إلى "الاستضعاف الديمقراطي"؛ لم تكن تسمح لزعيمها ولا لقياداتها بأخذ مسافة نقدية من مسألة "التَّونسة"، من جهة ما يؤسسها أو من جهة المآلات، حتى أصبحت واقعيا مرادفة للتوافق بشروط المنظومة القديمة ومنطقها. وهو ما قد يفسر جزئيا خيارات حركة النهضة في فترة التوافق ومحصول تلك السياسات سياسيا واقتصاديا، بل وحتى في المستوى القيمي المؤسس للفعل السياسي.

مأزق "المسلم الديمقراطي"

لقد تخلّص زعيم حركة النهضة - راضيا أو مكرها - من صفة الشيخ في مستوى التسويق الإعلامي والسياسي، ولكنّ ما أثاره الظهور الإعلامي لبعض قيادات الصف الأول في النهضة، وحصول خلافات عميقة داخل الحركة عبّرت عنها "رسالة المائة" – أي المائة قيادي نهضوي المعارضين لتنقيح الفصل 31 من القانون الأساسي للحركة بقصد تمكين "الأستاذ" راشد الغنوشي من الترشح لفترة ثالثة لرئاسة النهضة - كل ذلك يجلعنا نطرح السؤال التالي: بصرف النظر عن مآلات الصراع الداخلي في حركة النهضة، هل يعكس خطاب زعيم هذه الحركة سلوكا سياسيا "للمسلم الديمقراطي" الذي لا تسكنه - على الأقل نظريا - أمراض أغلب الأحزاب التونسية "الديمقراطية"، من زعاماتية وانقلابية وعجز عن تجاوز ثنائية الشيخ والمريد (حتى إذا صيغ هذا الوعي بمصطلحات "معلمنة")، أي هل يمكن لمواقف راشد الغنوشي المعلنة أن تعكس انتقاله الحقيقي من وعي "الشيخ" الذي يتأبد في مشيخته، فلا يبقي لمن معه إلا القبول بدور "المريد" - انتظارا لرحيل الشيخ وخلافته - أو الانشقاق عنه وتكوين" زاوية/ حزب" جديد سيحمل معه على الأرجح أمراض "المشيخة" ويعيد إنتاج مفاعيلها اللاوظفية في مستوى بناء الديمقراطية؟

رغم محاولة "الأستاذ" راشد الغنوشي عدم الإجابة الجازمة عن سؤال المذيع في ما يخص ترشحه لرئاسة حركة النهضة أو رئاسة الجمهورية في الاستحقاق الانتخابي القادم سنة 2024، ورغم عدم ربط المذيع بين هاتين "الرئاستين" في مستوى المفاوضات الداخلية داخل النهضة بين زعيم الحركة ومعارضيه، كان من الواضح أن الأستاذ راشد لا يجد حرجا في "الانقلاب" على القانون الأساسي لحركته، وهو انقلاب كان محورا أساسيا من محاور مهاجمة المخلوع بن علي، حيث إن تلاعبه بالدستور ورفضه خلق فضاءٍ سياسي حقيقي؛ يحكمه مبدأ التداول السلمي على السلطة ويقطع مع منطق الزعاماتية والحكم مدى الحياة.

سياسات "التوافق الجديد" داخليا وخارجيا

في مستوى الشأن الوطني، أكّد رئيس مجلس النواب وزعيم حركة النهضة على صوابية سياسة التوافق التي لم تنحصر في التوافق مع حركة نداء تونس، بل كانت هي المبدأ الذي حكم الحياة السياسية منذ الفترة التأسيسية وصياغة الدستور.

ورغم إقرار الأستاذ راشد ببعض الهنات أو الآفات التي خلفها منطق التوافق وحاجة ذلك كله إلى تعديلات (خاصة في مستوى القانون الانتخابي)، فإنه لا يرى بدلا عن التوافق والمصالحة الشاملة إلا استمرار منطق الإقصاء والضغائن والإفلات من العقاب، وما يستتبع ذلك من ضرب لمقوّمات "العيش المشترك" والاستقرار السياسي اللازم للخروج من الأزمة الاقتصادية.

ولا شك في أن أغلب العقلاء سيوافقون الأستاذ راشد في ضرورة التوافق والعيش المشترك وقبول الاختلاف وإدارته تحت سقف الدستور. ولكنّ الإشكال ليس في التوافق ذاته، بل في منطقه ومخرجاته وعلاقة ذلك كله بانتظارات التونسيين الاقتصادية والصحية والأمنية والسياسية وغيرها. فالتوافق قد يكون هو الوصفة السحرية لاستمرار "الاستثناء التونسي" وعدم انتكاسته إلى احتراب أهلي أو انقلاب عسكري - كما حصل في أغلب بلدان الربيع العربي - ولكنه أيضا هو الباب الملكي الذي استعادت به النواة الصلبة للمنظومة القديمة ما كان من المفترض بها أن تخسره بعد الثورة من امتيازات مادية وسلطة سياسية وثقافية.

خلال حواره التلفزي، حاول الأستاذ راشد الغنوشي أن يبتعد عن سياسة المحاور الإقليمية، كما حاول ألا يتصادم مع سلطة الرئيس وولايته على إدارة السياسة الخارجية للدولة. ولكنّ لغته "الدبلوماسية" لم تمنع ظهور بعض نقاط الاختلاف الجوهرية مع الرئيس قيس سعيد.

فبصرف النظر عن رفض الأستاذ راشد لأي تعديل دستوري يمس نطام الحكم، وبصرف النظر أيضا عن نقده لمشروع المصالحة الاقتصادية إذا لم يتنزل ضمن مشروع مصالحة وطنية شاملة (وهو هنا ينتقد مشروعين رئاسيين معروفَين)، فإنه قد انتقد تعاطي الدبلوماسية التونسية مع الملف الليبي، بل انتقد أداء السلك الدبلوماسي كله في مسألة "الدبلوماسية الاقتصادية". ولا شك في أن المستهدف الأول بالنقد هو رئيس الجمهورية الذي فوّت على تونس فرصة لعب دور أهم في المصالحة الليبية، وحرم البلاد - بالطاقم الدبلوماسي الذي يشرف على اختياره - من دبلوماسية اقتصادية نشطة وخاضعة للتقييم الموضوعي بناءً على أدائها في جلب الاستثمارات الخارجية.

المسكوت عنه في الانتقال الديمقراطي

ختاما، لو أردنا تلخيص حوار الأستاذ راشد الغنوشي لقلنا إنه محاولة لبيان شروط نجاح الانتقال الديمقراطي واستمرار "الاستثناء التونسي" بعيدا عن مخاطر الانقلاب والانتكاس: توزيع أراضي الدولة على الشباب ودبلوماسية اقتصادية نشطة (في المستوى الاقتصادي)، مصالحة وطنية شاملة (في المستوى الاجتماعي)، تجاوز منطق الاستئصال والإقصاء (في المستوى السياسي)، وهي مطالب لا يمكن حسب رأيه تحقيقها إلا بمنطق "التوافق" (أي في مستوى التأسيس للعيش المشترك داخل أفق الاختلاف المعترف به من كل الفاعلين الجماعيين).

ولكنّ الأستاذ راشد لم ينتبه إلى أن ما يفسد هذه الأطروحة هو من جهة أولى غياب الحوكمة ومكافحة الفساد البنيوي في هياكل الدولة، وما يرتبط بها من ثقافة و/ أو قوانين زبونية ريعية، ومن جهة ثانية غياب منطق "الانتقال الديمقراطي" في وعي أغلب الزعامات السياسية يمينا ويسارا.

ولا شك عندنا في صدق الأستاذ راشد الغنوشي عندما اعتبر الخلافات داخل حركة النهضة تعكس أنها "منتوج تونسي" لا تختلف عن غيرها من منتوجات الحقل السياسي، ولكننا لا نشكّ أيضا في أن الأستاذ راشد نفسه "منتوج تونسي" لا يختلف عن سائر الزعامات التي حكمت البلاد أو عارضت حكّامها في دورهم "المعرقل" لتجاوز ثنائية الشيخ والمريد، تلك الثنائية التي ما زالت تحكم العقل السياسي العربي رغم مظاهر التحديث والعلمنة، والتي أبدع في تفصيلها في السياق المغربي عالم الأنثروبولوجيا عبد الله حمودي.

twitter.com/adel_arabi21
التعليقات (0)