اقتصاد عربي

الاستثمارات العربية في مصر.. أزمات وخسائر وتحكيم دولي

مشكلة ارتفاع سعر الدولار من أبرز المشاكل التي واجهت الاقتصاد المصري عام 2016
بدأ العام الجديد، وسط ترقب جموع المستثمرين بمصر، وتمنياتهم بألا يكون هذا العام كنظيره المنصرم، خاصة أنه على مدار عام 2016 استمرت معاناتهم من حزمة تحديات تعرقل وصولهم، أو جني أرباح تعوض خسائرهم الفادحة التي ضربت القطاع الصناعي بأكمله، بسبب الأزمات التي تعرضوا لها، رغم تحركات الحكومة المصرية للتعامل وإنهاء تلك الكوارث.

وأبرز تلك الأزمات هي عجز الحكومة المصرية عن التوصل لحلول جذرية بشأن تخصيص الأراضي الصناعية المُرفَقة للمشروعات الكبرى أو الصغيرة والمتوسطة بأسعار تتناسب وتكلفة تشغيلها، والبيروقراطية في إصدار التراخيص، ونقص إمدادات الطاقة ببعض القطاعات، وأزمة نقص الدولار، وضعف التشريعات المحفِّزة للاستثمار.

ناهيك عن المشاكل التي شابت آخِر تعديل تمّ على قانون الاستثمار، في ظل غياب السياسات الحكومية والتعديلات التشريعية المطلوبة للحد من معاناة المجتمع الصناعي، فضلا عن أن تلك الأزمات كانت تطارد القطاعات الغذائية والنسيجية ومواد البناء والكيماويات على مدار العام 2016.

قطاع الأغذية

على سبيل المثال، فإن قطاع الأغذية عانى غياب تشريعات مهمة، منها تأخر تفعيل قانون الاستثمار، وأخرى لم تطور خاصة بقوانين الاستصلاح الزراعي، وعدم وضع تشريعات تحدد الجهة المنوط بها تخصيص الأرض الصناعية المُرفَقة، وسرعة إصدار التراخيص، بما يجنِّب المستثمرين البيروقراطية في تنقيذ مشروعاتهم، علاوة على أزمة الدولار.

وعلى صعيد صناعة النسيج، فإنها عانت أيضا من تأخر صرف متأخرات المساندة التصديرية، وعدم النظر في ضريبة القيمة المضافة على القطاع، وإعادة هيكلة الأجور، وتقليص فوائد تمويل مشروعات القطاع، وعدم حل مشكلة شح العملة، وتوافر الخامات ومُعِدّات الصناعة، وغياب طروحات الأراضي الصناعية المُرفَقة بمساحات كبيرة تتلاءم مع طبيعة المشروعات.

نقص الطاقة

أيضا تأثرت الكيماويات ومواد البناء ببعض الأزمات في مصر على مدار 2016، تمثلت في نقص الطاقة لمصانع الكيماويات القائمة، واستمرار تجميد الحكومة إصدار تراخيص لمشروعات جديدة بالقطاع، باعتبارها من القطاعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، وعدم خفض أسعار الغاز المورَّد للمصانع لم يتم تطبيقه، في الوقت الذي تعاني فيه الشركات من عدم قدرتها على تدبير الدولار لاستيراد الخامات.

أما الصناعات المعدنية، فكانت الكارثة الكبرى أمامها كيفية تدبير التمويل الخاص بمشروعاتهم لاستيراد الخامات، بالإضافة إلى أن المستثمر كان يتعاقد على الخامات، وعند تسديد قيمتها يتغير السعر، ما يزيد من تحمل المستثمرين لخسائر نتيجة فرق سعر العملة المتغير، كما أنه يرفع من تكلفة الإنتاج التي يتحملها المستثمر، ويحاول أيضا خفض الأسعار من أجل بيع المنتجات أولا بأول.

أزمات مختلفة


لكن، اختلفت الأزمات في جميع القطاعات أمام المستثمرين، واتفقوا على كارثة واحدة، وهي شح وتذبذب الدولار من السوق المصرية، حيث إن ارتفاعه الجنوني بين لحظة وأخرى كان الراعي الرسمي لهروب المستثمرين من مصر إلى الخارج وسحب استثماراتهم منها، بل وكان المسيطر على استفسارات الأجانب الراغبين بالاستثمار في مصر.

وكان من الطبيعي أن تتفاقم الأزمات أمام وفود الاستثمارات للسوق المصرية، مادام هناك سعرين لصرف العملة المحلية، رغم قيام البنك المركزي باتخاذ خطوات لتقليل الفجوة بين السعر الرسمي والموازي للجنيه المصري، إلى جانب بعض القيود على حركة رؤوس الأموال وخروجها ودخولها للسوق.

وكما كان للدولار دور بارز في هروب المستثمرين، كان أيضا عدم إجراء تعديلات على القوانين المنظمة للعملية الاستثمارية في مصر، وقوانين الضرائب المتعددة؛ بهدف إنهاء الأوراق والتراخيص الخاصة بعشرات المشروعات المتراكمة في أدارج المؤسسات الحكومية المختلفة دورا مهما في هروب المستثمرين؛ نتيجة تأخر البت في طلباتهم.

تراجع الاستثمارات

أيضا، كان من الأسباب الرئيسية في انخفاض الاستثمار من 13 مليار دولار في عام 2010 إلى 5 مليارات دولار عام 2016 عدم توافر مناخ استثماري بمصر، حيث اعتمدت الدولة على الاستثمار غير المباشر، وله عيوب كثيرة، أهمها أنه يعتمد على بيع الشركات المصرية، ونقل ملكيتها إلى الشريك الأجنبي، فضلا عن الوضع الأمني الذي تحسن لحد ما، لكن كان هناك بعض الأعمال الإرهابية التي تحدث بين حين وآخر.

ناهيك عن انعدام الاستقرار في الأسعار، وعدم الكفاءة في إدارة الاستثمارات، وعدم حسم مشاكل المستثمرين، فضلا عن وجود مشاكل في البنية الأساسية، مثل الطرق والكهرباء، وكثرة الفساد وانتشاره، وهو من أهم عوامل الطرد للاستثمار، خاصة أن هناك منافسين لمصر في المنطقة، مثل الإمارات وتركيا وإسرائيل وقبرص والسعودية، وضعف معدل الادخار المحلي، الذي وصل إلى 6% فقط، بينما يصل في بعض الدول الأخرى إلى 40%.

تعقيدات إدارية


إلى ذلك، شهد 2016 المزيد من التعقيدات الإدارية في إنشاء المشروعات التجارية، واستخراج التراخيص والتصاريح اللازمة، وإلغاء المناطق الاستثمارية الحرة في قانون الاستثمار الجديد، وتأخر صدور اللائحة التنفيذية للقانون في صورتها النهائية، إلى جانب وجود 3 أسعار للعملات الأجنبية "البنك المركزي - السوق السوداء - التجاري (الصفقات التجارية)".

كما كان هناك تباطؤ في حركة التجارة الدولية في مجرى قناة السويس، واستمرار تراجع نمو السياحة؛ بسبب الظروف السياسية الدولية، وبدء إقرار قانون القيمة المضافة مع بداية العام المالي 2016/2017، ما زاد الضرائب على المستثمرين، وعدم إصدار قانون لتنظيم عمليات الإفلاس، وتصفية الشركات، ليكون ضمانة للمستثمرين عند الرغبة في الخروج من السوق بدلا من التعثر لسنوات طويلة.

هروب الشركات


وكان على رأس الشركات، التي لم تستطيع التكييف والسوق المصرية، وهربت إلى الخارج، شركات صينية، كورية، هندية، فرنسية، نرويجية، وإيطالية؛ بسبب أزمة الدولار، مشيرا إلى أن هذه الشركات كانت تتأهل لإنشاء 80 مشروعا لتوليد الكهرباء، من خلال مزارع الرياح والشمس، بتكلفة 6.4 مليار دولار، إلى جانب إغلاق أكثر من 8 آلاف مصنع وشركة، وهناك مصانع أخرى متعثرة في طريقها للإغلاق.

والدليل أيضا هو ارتفاع معدل شراء المصريين للعقارات في دبي خلال الـ6 أشهر الأولى من 2016، حيث احتل المصريون المرتبة الثانية بين المواطنين العرب الأكثر شراء للعقارات والأراضي بدبي، بقيمة 1.4 مليار درهم "3.38 مليار جنيه" بواسطة 710 مصريا.

تحركات متأخرة


ومع زيادة المشاكل والأزمات التي تواجه المستثمرين العرب والأجانب، أعلنت مصر عن تشكيل المجلس الأعلى للاستثمار، الذي يشرف على السياسات الاستثماريّة للدولة في كلّ القطاعات والمحافظات، ويخضع لإشرافه المباشر، ويعمل بشكل أو بآخر على تقليص عملية هروب الشركات العربية والأجنبية من السوق المصري.

أيضا، إعلان الحكومة حل جزء كبير من مشكلات المستثمرين السعوديين في مصر، فضلا عن تفعيل دور هيئة الرقابة الإدارية، حيث تم أنشاء إدارة متخصصة لدعم الاستثمار، والتعهد بتذليل جميع العقبات أمام المستثمرين من خلال الاهتمام والدعم الشخصي لرئيس الجمهورية لهذا الملف المهم.

إلى جانب عزم الحكومة المصرية إجراء تعديلات بقانون الاستثمار الجديد، وفقا للملاحظات التي كان يبديها المستثمرون، خاصة أنه يتضمن حوافز وتسهيلات لهم، علاوة على تفعيل الشباك الواحد، وإزالة العوائق البيروقراطية أمام المستثمرين، وتوحيد الجهات التي يتعامل معها المستثمر، وتسوية المنازعات مع المستثمرين دون اللجوء للتحكيم.

ناهيك عن تكثيف الجهود المصرية لتقليل المخاطر الأمنية، التي كانت تهز السياحة، من خلال تجهيز المدن السياحية في العلمين وشرق بورسعيد بكل الخدمات بحيث لا يكون هناك تعرض لسائح أو حركته بشكل أو بآخر، فضلا عن دراسة المطالب التي كانت تنادي بمراجعة الفائدة على القروض.

استمرار الأزمات


رغم جميع التحركات التي اتخذتها الحكومة بشأن تشجيع الاستثمار العربي والأجنبي بمصر، إلا أنها لم تأت ثمارها بنسبة 100%، حيث إن تفعيل الشباك الواحد لم يفِ بوعوده، حيث تأخر الشباك الواحد للمستثمرين لتسهيل إجراءات مشروعاتهم، بما يخدم المشروعات الصناعية القائمة الراغبة في التوسع، أو تلك التي تدرس الدخول للسوق المصرية لأول مرة.

أيضا، تأخر الحل الجذري من الحكومة المصرية بشأن مشاكل نقص الدولار، التي تتسبب في توقفات جزئية وكلية لبعض القطاعات لنقص الخامات أو صعوبة استيراد خطوط الإنتاج، حتى تحرير سعر صرف الجنيه أمام الدولار، بهدف ضرب السوق السوداء في مقتل وتوفير الدولار في جميع البنوك أمام المستثمرين.

كما أن الحكومة لم تنجح في وضع خطة تمكِّن السوق المصرية من المنافسة عالميا في منتجات أو أصناف بعينها تتخصص فيها السوق المصرية، فرغم امتلاك مصر بعض الخامات التي تشتهر بها كالقطن المصري، إلا أن الآلات "المجنزرة" تخرج منتجا رديئا لا يمكن أن ينافس سعره منتجا عالميا مصنوعا من خامات أقلّ جودة.

انتقادات حادة

إلى ذلك، رغم طرح هيئة التنمية الصناعية العديد من الأراضي على مدار العام 2016 بمناطق صناعية في مدن بدر، وقويسنا، والعاشر من رمضان، وجنوب الرسوة ببورسعيد، وذلك ضِمن خطة تستهدف طرح نحو 40 مليون متر مربع للمستثمرين بعدد من المحافظات؛ لتوسيع الأنشطة الصناعية وتشجيع المستثمرين، كان هناك انتقادات حادة، خاصة أنهم رأوا أن الطروحات كانت تتم لمساحات صغيرة تناسب وطبيعة المشروعات الصغيرة والمتوسطة فقط، ولا تلائم الكبيرة منها.

أيضا حرصت الدولة على حل مشكلات الأراضي من خلال إمكانية تخصيص الأراضي للمستثمرين بالمناطق النائية مثل الصعيد وسيناء، بأسعار رمزية، إلا أن أغلب المستثمرين عزفوا عن الاستثمار بمناطق الصعيد، بعد طرح 14 رخصة جديدة بقطاع الأسمنت، وكذلك رخص توسعية في صناعة الحديد لإضافة نحو 2.5 مليون طن.