سياسة عربية

حملة على المعارضة في مصر تطيح بأسماء بارزة في عالم القضاء

تحظر المادة 73 من قانون القضاء المصري على القضاة الاشتغال بالسياسة - أرشيفية
تجمع عشرات القضاة في مساء 21 تموز/ يوليو عام 2013 بمطعم مركب أرمادا عند ضفة النيل في حي المعادي الراقي بجنوب العاصمة المصرية.

كان بعض الحاضرين يتولون بعضا من أرفع المناصب القضائية في مصر وكانت المناسبة إفطارا رمضانيا، وتداول الرجال فيما بينهم وهم يتناولون الكباب والطحينة في مسألة تولي الجيش مقاليد الأمور وما صاحب ذلك من أحداث قبل ثلاثة أسابيع.

فقد قام الجيش بقيادة عبد الفتاح السيسي الذي كان مديرا للمخابرات الحربية من قبل بعزل الرئيس محمد مرسي وحكومته في انقلاب واضح على الشرعية.

وكان مرسي من قيادات جماعة الإخوان المسلمين وتولى الرئاسة في انتخابات ديمقراطية قبل ذلك بعام. وهو الآن مسجون.

واقترح القاضي محمد ناجي دربالة إصدار بيان يندد بما وُصف بالانقلاب والاستيلاء على السلطة، ودعت مسودة البيان التي صاغها في ذلك المساء إلى العودة إلى "الشرعية الدستورية" متمثلة في الحكومة المنتخبة لكنها تحاشت توجيه انتقادات مباشرة للجيش أو المطالبة بإعادة مرسي.

ووقع أكثر من 30 قاضيا على الوثيقة في تلك الليلة. وأضاف آخرون توقيعاتهم خلال الأيام التالية وكان بعضهم يعيش في الخارج. وفي نهاية المطاف بلغ عدد القضاة الموقعين 75 قاضيا. وقرأ أحد كبار القضاة الوثيقة في مؤتمر صحفي في 24 تموز/ يوليو.

وعلى مدار السنوات الثلاث التي انقضت منذ ذلك الحين تم عزل ما يقرب من نصف القضاة الموقعين من مناصبهم في إطار ما يقولون إنها حملة من جانب السيسي لإخضاع القضاء لرقابة حكومية مشددة.

وتبين سجلات قضائية أن اللجان التأديبية التي شكلها مجلس القضاء الأعلى أحالت 59 قاضيا للتقاعد من بينهم 32 من القضاة الذين وقعوا بيان مطعم أرمادا، وعدل بعض القضاة الموقعين عن موقفهم ولم يعرضوا على لجان تأديبية.

ومن سلطة اللجان التأديبية توجيه اللوم للقضاة أو نقلهم إلى مناصب أخرى أو إحالتهم للتقاعد أو تبرئتهم من الاتهامات المنسوبة لهم. وبعد صدور قرار اللجنة يعتمده السيسي.
واستندت قرارات عزل معظم القضاة التسعة والخمسين إلى بند قانوني يمنع اشتغال القضاة بالعمل السياسي.

وقال 25 من هؤلاء القضاة، إنهم "يعتقدون أن السبب الحقيقي لعزلهم هو إرهاب القضاة الآخرين كي يسيروا على نهج الحكومة. ويصف القضاة عزلهم بأنه اعتداء متعمد على واحدة من آخر المؤسسات التي يمكنها الحيلولة دون جموح سلطات الدولة وحماية الحريات الأساسية للمصريين".

وقال المستشار محمد وفيق زين العابدين المستشار بالمحاكم الابتدائية وأصغر القضاة المعزولين إذ كان يبلغ من العمر 35 عاما في ذلك الحين "مش عاوزين يسمحوا بأي صوت مخالف، كله لازم يبقى على قلب رجل واحد اللي هو الدولة".

وقال المستشار المعزول أحمد الخطيب "أي حد إصلاحي أو له آراء نقدية بيتم تنحيته. اللي بيطالب بإصلاح قضائي أو يدعو لاستقلال القضاء بيتخلصوا منه".

ونفت وزارة العدل وجود أي محاولة لإعادة تشكيل السلطة القضائية المصرية، حيث قال مساعد وزير العدل لشؤون مجلس النواب والإعلام القاضي خالد النشار إن "مسألة الانتقام من قضاة بعينهم أو إعادة تشكيل السلطة القضائية كلام غير صحيح بالمرة، عندنا مبدأ استقلال السلطة القضائية في مصر، كل الدساتير في مصر بتأكد على استقلال السلطة القضائية. احنا عندنا فعلا فصل بين السلطات، السلطة القضائية مستقلة".

وأضاف "لا يوجد تدخل في أعمال السلطة القضائية من السلطة التنفيذية. بصراحة شديدة السلطة التنفيذية لا ولن تملك في يوم من الأيام أنها تعيد تشكيل القضاء المصري باستبعاد أو مش باستبعاد. ما تملكش. رئيس السلطة التنفيذية بنفسه بيقول أنا لا أتدخل في أعمال السلطة القضائية".

وشن رئيس الانقلاب في مصر عبد الفتاح السيسي حملة على الجماعات المعارضة والنشطاء والصحفيين والطلبة المعارضين، ويقول قضاة إن "هذه الحملة شملت القضاء أيضا".

وقال نائب رئيس محكمة النقض المستشار محسن فضلي إن "القضاء في مصر يتم استخدامه من قبل النظام كأداة انتقام".

وأكد قضاة أيضا أن زملاءهم السابقين الذين كان لهم دور في عزلهم فعلوا ذلك على الأرجح لتعزيز وضعهم الوظيفي، وقد تم اختيار ثلاثة من كبار القضاة لشغل منصب وزير العدل منذ عام 2003.

وقدم الثلاثة شكاوى ضد زملاء لهم أو قضوا بأن زملاءهم خالفوا القانون الخاص بإبداء الرأي السياسي أو كانوا أعضاء في لجان تأديبية.

وعين سبعة قضاة آخرين على الأقل من القضاة الذين قدموا شكاوى ضد زملاء لهم في مناصب رفيعة بوزارة العدل.

وكان المستشار أحمد الزند هو القاضي الذي صاغ الشكوى الأولى من الموقعين على بيان مطعم أرمادا، وحتى عام 2015 كان الزند رئيسا لنادي القضاة وكان شديد الانتقاد للرئيس الشرعي محمد مرسي خلال فترة رئاسته كما أيد السيسي علانية بعد أن أمسك الجيش بزمام الأمور.

وعين السيسي الزند وزيرا للعدل في 2015، كما عزله في آذار/ مارس الماضي بعد أن أثار عاصفة من الاحتجاجات بقوله في لقاء تلفزيوني على الهواء إن "من يخالف القانون يستحق السجن حتى ولو كان النبي محمد".

هيئة منقسمة من القضاة

وتحظر المادة 73 من قانون القضاء المصري على القضاة الاشتغال بالسياسة وتمنع أعضاء القضاء الذين ينظرون القضايا من إبداء الآراء السياسية.

لكن كثيرين من القضاة الذين عزلوا من مناصبهم يقولون إن "القانون يسمح للقضاة بالتعبير عن الآراء السياسية بصفتهم مواطنين عاديين بشرط ألا يسعوا لشغل منصب عام أو الانضمام لحزب سياسي".

وبعد الإطاحة بحسني مبارك بدأ بعض القضاة يعلنون آراءهم على الملأ ويتحدثون في وسائل الإعلام ويكتبون المقالات ويلقون الخطب في الاحتجاجات والتجمعات.

وكان آخرون يتقبلون فكرة وجود رئيس من التيار الإسلامي في السلطة ما دام منتخبا في انتخابات ديمقراطية، غير أن آخرين كانوا أقل تأييدا للرئيس الجديد لكنهم ظلوا على انتقادهم لنظام الحكم في عهد مبارك ومؤيديه ممن عارضوا مرسي. وفي الوقت نفسه كان بعض القضاة ومن بينهم الزند ينتقدون الرئيس الجديد علانية.

القضايا

بعد الإنقلاب على محمد مرسي ودعوة مجموعة القضاة الخمسة والسبعين إلى عودة الحكم المدني قدم الزند و15 قاضيا شكوى قانونية من تلك المجموعة.

واتهمت الشكوى القضاة بالانتماء لجماعة الإخوان المسلمين المحظورة الآن، ونشر الأكاذيب وتشويه سمعة القوات المسلحة وسوء استغلال مناصبهم والتحريض على العنف والاشتغال بالسياسة.

وقالت الشكوى إن "القضاة ألقوا بيانا بين المحتجين من جماعة الإخوان المسلمين في اعتصام نظموه واتهموا الجيش المصري بالاستيلاء على الحكم"، ونفى كل القضاة الخمسة والعشرين تلك الاتهامات.

وأحال وزير العدل الخمسة والسبعين قاضيا إلى مجلس تأديبي للنظر في القضية، وعلى الفور طلب المجلس إجراء تحقيق برئاسة القاضي شيرين فهمي.

ويقول المستشار فضلي النائب السابق لأرفع قضاة مصر وأحد من أحيلوا للتقاعد إن "فهمي من حلفاء الزند".

التحقيق

وشدد القضاة المتهمون على أن التحقيق كان صوريا وأنه لم يسمح لمن أحضروهم من زملائهم القضاة لتمثيلهم باعتبار أن ذلك حقا من حقوقهم بأداء واجبهم الدفاعي، ويقولون أيضا إنه لم يتح لهم الإطلاع على وثائق التحقيق ولم تتم مواجهتهم بالأدلة. ويقول البعض إنه لم يتم إخطارهم بمواعيد وأماكن عدة جلسات.

كما يقول القضاة - وتؤكد الوثائق - إن أربعة فقط من بين الخمسة والسبعين قاضيا أتيحت لهم فرصة الدفاع عن أنفسهم أمام اللجنة.

وكانت ثمة مشاكل أخرى، ففي التقرير الذي قدمه لمجلس التأديب والصلاحية خلص القاضي فهمي إلى أن قاضيا واحدا سمح لمرشح إسلامي بالتزوير في الانتخابات البرلمانية عام 2008 في الدائرة الثانية بمدينة القناطر. غير أنه لم تجر انتخابات برلمانية في تلك الدائرة في العام 2008.

"صناعة الخوف"

ومن أصغر القضاة المعزولين سنا أيضا المستشار حسام مكاوي (42 عاما). وفي أول عامين بعد عزله أمضى مكاوي أيامه في فيلته على أطراف القاهرة التي أنشأ في إحدى حجراتها مكتبة وخصص حجرة للتلفزيون وبيتا لكلبه هكتور.

ومنع مكاوي من السفر إلى خارج مصر لكن لم يتم إبلاغه بالسبب.،وهو يشك أن السبب أنه اعتاد حضور مؤتمرات قانونية في أوروبا والولايات المتحدة وله أصدقاء أجانب. وقد بدأ مؤخرا خدمة تحكيم على نطاق ضيق لكي يحقق دخلا.

ويقول مكاوي إن القضاة أمثاله ممن هم في سن صغيرة نسبيا ويتمتعون بالجرأة في التعبير عن آرائهم استهدفوا لأنهم أيدوا ثورة عام 2011 وطالبوا بإصلاحات قضائية.

وقال "حاجة مزرية تهمة الأخونة (الانتماء لجماعة الإخوان) موجودة لأي حد بيطلب الإصلاح". وأضاف "القضاة موجودون لحماية الحريات. أنا ما مضيتش (لم أوقع) البيان دفاعا عن مرسي. أنا كنت هامضيه حتى لو كان شفيق مكانه" مشيرا إلى أحمد شفيق الذي خاض انتخابات الرئاسة أمام مرسي.

وقال مكاوي إن البيان تحاشى استخدام كلمة "انقلاب" حتى لا يكون متحيزا لطرف على حساب طرف آخر. بل دعا ببساطة كل الأطراف للمشاركة في حوار واحترام نتائج الانتخابات.