قضايا وآراء

جولة في دولة usaid

1300x600
لا اعرف حتى الآن لماذا كانت البداية في: "غزة أريحا أولا"، 23 عاما على أوسلو كافية على ما يبدو لتفهم أن ليس مثل اللحظة التاريخية الحالية لفهم المقصود.

شمعون بيرس في غرفة العلاج المكثف في "موت سريري"، عراب أوسلو وأوهام السلام و"الشرق الأوسط الجديد"، غزة تحت الحصار وليس مثل أريحا بؤسا، يستقبلك بها اوزيس، فندق ومكان القمار، هذا هو فخر صناعة "السلام" والشراكة، إذا لم تقدر على جمع الأعداء على طاولة مفاوضات فمن الممكن أن تجمعهم على طاولة قمار، السياسة في النهاية هي مقامرة أيضا، أريحا هي الإثبات أن المغامرة في السياسة قد تواصلك إلى حضيض في أكثر نقطة منخفضة تحت سطح الأرض.

باهتة أريحا، شبه مدينة أشباح، تبدو وكأنها مدينة سياحة وسباحة لكنها تسبح في مياه مالحة، قريب من البحر الميت يصبح لكل الأشياء معان، للسباحة وللموت، أريحا أقرب إلى الغرق إلى الموت أقرب منها إلى الحياة.

حيث المياه المالحة تطل عليك الدول المانحة يقول البعض أنها "دول كالحة"، تطل يافطاتها وأسماؤها الواضحة أو الملحمة من كل مكان، وهذا هو مختصر "غزة أريحا أولا".

عندما تبحث عن حل "الدولة الواحدة" بعد أن فشل "حل الدولتين"، تعرف أن الأمر لا علاقة له بالواقعية التي باسمها دمر الفلسطينيون حين شرحوا لهم عن فوائدها عشية أوسلو، كلما أبدى الفلسطينيون على امتداد 23 عاما بالتمام والكمال قدرا من الواقعية خسروا مقابله شيئا، بالتقسيط خطوة بعد خطوة، تحول مشروع "التحرير المرحلي" إلى "حملة تصفية مرحلية"، الثورة ثم حق العودة ثم القدس ثم الاستيطان ثم السيادة ، حتى أصبحت فلسطين ليست أكثر من قضية تفاهمات على الحواجز وعلى سعر الكهرباء ورحلات الترفيه أيام العيد.

بحسب أحد الإسرائيليين في محاولة لتوصيف الحالة بعد دخول شمعون بيرس إلى غرفة العلاج المكثف، غاب وعيه من جهة ومن جهة أخرى :تبدو أحلامنا ومشروعنا في غرفة العلاج المكثف"، هل انتهت أحلامه؟، واقع الحال يؤكد أن أحلامهم ما زلت هنا، حمل اليوم هو واقع الغد، لا غزة أولا ولا أريحا ، بلاد محاصرة استيطان يتمدد وأحلام غرقت في البحر الميت.

لا يمكن أن تتركك حالة شمعون بيرس بدون أن تقول شيئا، في 13 أيلول 1993 تم توقيع اتفاق أوسلو، في 13 أيلول 2016 تلقى عراب أوسلو شمعون بيرس جلطة دماغية، هل هي الرمزية فقط؟ سؤال غير مهم لمن أغرقه أوسلو في بحر من التبعية وبقي حلمه طائشا على سطح البحر الميت، كل يوم يموت الفلسطينيون في المكان الذي يحاول البعض أن يمنعهم عنوة و بالقوة أنهم يملكون دولة، أو أنهم في الطريق إلى هناك.

الأحلام الطويلة لا بد أن توقد أصحابها في لحظة ما، لا يمكن أن تحلم كثيرا، لأن الواقع سيوقظك من سباتك لا محالة، كم من الممكن أن يقولوا لك أن الدولة "قاب قوسين أو ادنى"، لتكتشف أن الطرق إلى اتفاقية للمستوطنين وزحف الاستيطان والجدار الفاصل ومناطق النفوذ والمدن التي يقتحمها الاحتلال في اللحظة التي يريد، ويغلقها في اليوم الذي يقرر ويحاصرها بحسب مزاج 7 مستوطنون ، كل هذه تشير أن الاحتلال لم يرحل بعد ، وأنه لا أفق لرحيله وأنه لن يرحل في الغد، هذا هو مختصر أوسلو .

الوطن ليس أرضا تولد وتكبر به وتموت فحسب، الوطن هو المكان الذي يمنحك آمنا وحبا، فتبادله أنت العشق.

كان الاستعمار يعرف بالفطرة أن احتلال الشعوب لا يكفي للسيطرة عليها، للهيمنة عليها، الدبابات والطائرات وحتى الصواريخ الذكية لا تكفي، أجساد الشعوب قد تتأذى ، بيوتهم ممتلكاتهم ، لكن روحهم تبقى يقظة، همتهم عالية، ومعنوياتهم كذلك، عندما تريد أن تحتل شعبا فعليك بإغراقهم وإشغالهم بلقمة العيش، أن تبقي أحلامهم صغيرة، أن تعيد إنتاج نمط حياتهم ، في موت الوطن في داخلهم.

في دولة الـ usaid تختفي أسماء البلاد من اليافطات، من القدس إلى بيت لحم تظهر بيت لحم في اليافطات بالعبرية كل الوقت، اللغة التي ترافقك تعني أكثر من مجرد يافطة واسم، المدخل إلى بيت لحم من الجهة الشمالية مثل الدخول إلى بوابة سجن، ضغط وقابلة طويلة من السيارات، وأناس فقدوا شيئا من بهجتهم، زوامير ووجوه تتأفف، مدينة تحت مزاج الاحتلال، وجدران تحكم الحصار على مدينة المهد، سجن كبير وفصل يتيح لكل طرف التحرك بحسب لغة الأم، من غير المهم أن يظهر اسم بيت لحم بالعبرية، هذه فقط حتى لا يتوه الطريق أصحاب اللغة العبرية، سكان "دولة يهودا"، لهم شوارع ولغيرهم طرقات، الفرق بين الشوارع والطرقات هو واحد من الفوارق بين "دولة يهودا" و"دولة usaid"، مثل الفرق بين الاستيطان وتجميده، على هذه الأرض ما فقد كل معنى للحياة، مع أن حلم الفلسطينيين كان "على هذه الأرض ما يستحق الحياة". 

الحياة هنا في الكنتونات المحاصرة والحواجز التي تسلب من الموقوفين عليها كل معاني الإنسانية، هي آخر أحلام من يبحث عن "دولة"، مذهل كيف من الممكن الحديث بعد كل تصريح عن "دولة" فيما لا يمكن الانتقال من القدس إلى الخليل عبر بيت لحم والاستيطان يقطع تواصل الجغرافيا والديموغرافيا ويحول المدن إلى سجون كبيرة، مذهل.
كان فرانس فانون يعرف أن أسوأ شيء بالنسبة للشعب المستعمر والمحتل هو "إعجابه بالمحتل"، ولا يتم هذا إلا عبر إشغال الشعوب المحتلة بحياة زائفة.

في الخليل كما في الخليل، الفرق واضح، المدينة الأكثر حصارا، المدينة الأكثر بهجة، في الأمر غرابة، في الطريق إلى الخليل وفي داخل المدينة تشعر أن الاحتلال والحصار في أقصى درجاته، العسكر على المفارق، على أهبة الاستعداد، وفي الطرقات وفي البلدة القديمة وعلى بوابات الحرم الإبراهيمي، قهر مخلوط بالعجز، جندي وجندية يتحكمان الداخلين من خلف بوابة حديدية تستدير.

الحياة الزائفة هي المدخل لامتلاك الوعي، حكاية صابر الرباعي وبلال كايد هي بالضبط الحالة التي تشرح حالة الوعي المزيف، 17 ألف يرقصون مع صابر الرباعي و17 بالكاد في خيمة بلال أكيد، سجين سياسي يواجه الموت في إضراب عن الطعام، "نحن شعب نعرف كيف نفرح وكيف نحزن" ، كما سيقول المدافعون عن صابر الرباعي، المشكلة أننا شعب يرقص حاليا، كل رقصة تتحول إلى حالة مقاومة، وتحدي للاحتلال.

يعرف الناس بالفطرة أن الاحتلال هو الاحتلال، لا يحتاج إلى شروحات مطولة ولا إلى فلسفة خاصة لشرح مآلاته، المشكلة حين تعجب بحالة الاحتلال.

في الحرم الإبراهيمي وبعد أن يتم التدقيق في بطاقتك الشخصية يلاقيك العسكر ويدهم على الزناد، المدينة القديمة في الخليل مكان رائع، بيوت متلاصقة، وممرات ضيقة لكنها تتسع لأهلها، فيها اشتياق للماضي، قبل أن تصل شبكات التواصل لتفكك الناس، مثل هذا المكان يكشف كم هي زائفة تكنولوجيا التواصل، كم هي وهمية، كم هي مصطنعة، مثل السوق الشعبي والحسبة، فيه شيء من الآدمية التي سرقتها مجمعات تجارية مليئة بالزيف والوهم.

الاحتلال بعكس ما تعتقد الأغلبية ليس عسكر وحصار فحسب، الاحتلال نمط حياة يحتل وعيك قبل أرضك، وفي طريقه إلى التوسع، يوسع دائرة اهتماماتك الوهمية، تنشغل بها وتغرق هناك حتى يستطيع هو التوسع بهدوء، رفض الأمر الواقع، ونزع شرعية أهل البلد الأصليين.

لا يحتاج الاحتلال أكثر من حصار لقمة عيشك وبنك و usaid وأوهام تابع عبر يافطات للحصول على قرض وشراء سيارة والاشتراك في مسابقات وسحب يانصيب حتى تبدو الحياة "ذات معنى" ويصبح على أرضها ما يستحق الحياة " والموت معا.

يافطات usaid والدول المانحة الأخرى، واليافطات التي تدعوك للحصول على قرض وشراء سيارة بالتقسيط، ويافطات شركات الهاتف الخلوي التي "تنط" أمامك من كل مكان، في الشارع ومن على العمارات، ترافقك أين تتجه، تريحك من عناء البحث والتفكير، هنا تقع "دولة unsaid"، أرضها مصادرة، ومدتها محاصرة وقراها مختفية خلف يافطات الاستيطان وشعبها مرهون للبنوك ويعيش على جوائز الأرضية التي توزعها الدول المانحة وكوكاكولا ومكدولاندز.