قضايا وآراء

مصر التي في "صندوق القمامة"

1300x600
لما تعامدت عيناي، على عينيها، أدركها الخجل، فاستدارت، وتوارت، وانصرفتُ مكبلًا بخيبتي، خيبتي المستمدة من وطن مجهد، تتمدد فيه"حوجة البسطاء"، بالتوازي مع ثروات الأغبياء..

(1)

اللهم إن كنت قضيت أمرك، فأسدل على فقراء مصر سترك.

أمر إلى المقهى بعد انتصاف ليل القاهرة، من شارع عن يمينه محلات سلع استهلاكية-"سوبر ماركت"-، وعن يساره صناديق قمامة متراصة على خط طولي واحد، لكل منهم في رواده شأنٌ يغنيه، الطريق ممهور بمشاهد ثابتة، كثبات سحابة اللاأمل التي تظلل هذا البلد، أناس هائمون على وجوههم، سيارات تتداخل بلا ضوابط، قوافل المتسولين المتعاقبة على اللاشيء، روتينية مأساوية حد اللاتأثر، أحمل خيبات اليوم ليلًا إلى صفحة بيضاء، إذ لم يبق لنا نهارًا، أية صفحات بيضاء..

في الطريق على غير العادة، تنبش سيدة خمسينية صندوق القمامة الأول، على حافته أكياس تحوي أطباق وجبات جاهزة، بتركيز شديد تفنّد ما تبقى من الأطعمة، تبحث بدقة، كالباحث عن نجاة من خطر محدق، يبدو أنه لا بديل عن طعام "منتهك"، تمامًا كـ"كرامة الفقراء" في بلد يقيم وزير تموينه في فندق شهير بتكلفة 20 ألف جنيه شهريًا، ثم يسقط خيبة تبريره في أيدينا بقوله :" من مالي الخاص"، خجلت السيدة، وانصرفت، ولم يخجل الوزير بَعد.

سأكرر العبارة: "يبدو أن الذين أخذوا ماشاؤوا من دمنا، لا يريدون أن ينصرفوا"..

(2)

الجائع لايثور - تثور أمعاؤه، ويذهب عقله..

في المقهى ذاته، تعّكر مرارة الشكوى من الضنك اليومي المعاش، صفو الخلوة إلى الذات، صعوبات الحياة قاسم مشترك في حكايات الناس، تدابير العام الدراسي الجديد، شقق السكن، تكاليف الزواج، الالتزامات اليومية الثابتة، تصريحات الوزراء التافهة، حديث رأس النظام عن البسطاء، افتئاته على غضبهم في حواره بـ"صحيفة الأخبار"، البسطاء راضون -هكذا سوّلت له نفسه-، أو زيّن له حواريوه سوء عمله، فرآه حسنا.

في المقهى يلتقي المتسولون السائلون -شيئًا لله-، بالجالسين في انتظار الفرج من الله..

(3)

يتلازم الجوع مع الظلم والاستبداد، يتلازم زوال الحكم مع المكابرة والعناد.

تأبط العمدة الطاغية التافه في فيلم -"الزوجة الثانية"- شيخًا عن يمينه، وضابطًا مرتشيًا عن يساره، ومضى في القرية يسرق فقراءها، كلمّا مر على تاجر فرض إتاوته، استقطع من أراضي الفلاحين، لتوسيع رقعته، يهين البسطاء في أقواتهم، ويستدر رضا ضباطه بـ"إنفاق" ما لا يملك، على من لا يستحق، والشيخ على وضعية الإفتاء متى يشاء، وأينما شاء، تجبر الطاغية حتى سولت له ذاته السلطوية التافهة تفريقًا بين امرأة وزوجها، لإرضاء شهوته الحرام، رفض الزوج، فأفتى الشيخ بـ"وجوب طاعة ولي الأمر"، كرر رفضه، فمارس الضابط تلفيقه بالأمر، رضخ الزوج المغلوب على أمره، وتحكّم المتغلب. 

ملك العمدة الزوجة المقهورة رغمًا عنها، فحيل بينه وبين ما اشتهاه، -كما فعل بأشباهه من قبل- رغمًا عنه، لم يقرب جسدها، وقتله في بضع شهور كيدها، شأن كل الطغاة، يعاقبون بما يشتهون، حيث سنة كونية لا تخطئ المتجبرين، ولا تخذل المنكسرين..

قدر القرى المبشرة بالهلاك أن يجمع الله لها سلطانا مارقا وشيخا منافقا..

(4)

إذا خرج الجياع، لن يسقط النظام وفقط، سيسقط كل شيء، لأنهم لا يبكون على شيء.

مساء الجمعة 28 يناير 2011، تصدر المثقفون من أبناء الطبقة الوسطى المستورة الصفوف الأولى، للعبور إلى ميدان التحرير، معيدون بالجامعات، صحفيون، محاسبون، مهندسون، وأطباء، خلعوا تصنيفاتهم، وانتظموا في موجة هادرة لمواجهة جحافل الأمن المركزي الصمّاء، مع هدوء ما قبل دخول الميدان قبيل العشاء، كان على الجانب الآخر سكان العشوائيات المحرومين، يقتحمون مبنى الحزب الوطني الديمقراطي، الكائن على كورنيش النيل، عبر الشباب الميدان حاملين جثامين زملائهم، وغادر العشوائيون إلى منازلهم محملين بـ"أجهزة الحاسب الآلي"، والكراسي الجلدية، والأبواب، وكل ما وقعت عليه يد داخل المبنى.

تكرر المشهد ذاته بكل مناطق الحراك في اليوم ذاته، العقلاء النابهون لرفع مطالب الشعب، وآخرون للنهب والسلب، ولمّا هدأت الموجة حمّل الفقراء مسؤولية تراجع اقتصادي محدود -وقتئذٍ- للثورة وشبابها، عزز من ذلك إعلام يشبه شيخ القرية –في الفيلم سالف الذكر-، فاختصموا جميعًا من هتف يومًا ما "عيش، حرية"، حتى رُفع العيش، وجفّت الحرية..

يتسوّل الفقراء الآن "العيش" في شكاية مكررة، ويتسول الإعلاميون ذاتهم "الحرية"، في ذلّةٍ منكرة..

(5)

يراهن الفرقاء على ثورة جياع، كحاضنة شعبية، تعيدهم مرة أخرى إلى صدارة المشهد، لا يدرك هؤلاء أن الجائع لا رهان عليه، وأنّ معدته هي قضيته، ولا شيء بعدها..

تتشابه الأنظمة المتعاقبة في فشلها، حيث لا تفرقة واعية بين الفقر، والحاجة، بين الستر، والقهر، بين التأفف، والتعفف، نفس المعطيات التي يريدون معها بمنتهى اللامنطق، نتائج مختلفة، لم يطرح أحدهم تساؤلًا عالقة إجابته منذ عقود: كيف يأتي استقرار مع سياسات الإفقار؟ ومتى نجت حكومات الجباية، من شؤم النهاية؟..

(6)

الجائع يبحث عن حاجته، فإذا لم يجدها نهب، وإذا لم يجد ما ينهبه، قتل، وقد يأكل من يقتله، إذا لم يجد شيئًا يأكله..

الله الخالق منّ على قريش، بإطعامهم من جوع، في بلاغة قرآنية متفردة قدّم إطعام الجائع، على تأمين الخائف، فكيف يأمن على ملكه من يجمع على شعبه، الجوع، والخوف؟..

أخرجوا البسطاء من معادلة صراع السلطة، من يخرج اليوم للبحث عن طعامه في صناديق الوباء، لن يصبر كثيرا على خطابات عاطفية، لم توفر سكنا، ولا دواء..