ملفات وتقارير

تحولات ما بعد الإسلام السياسي.. ما دلالاتها وتداعياتها؟

(أرشيفية)
استخدم باحثون غربيون في سياق رصدهم لمسار بعض الاتجاهات الإسلامية السياسية، مصطلح "ما بعد الإسلام السياسي"، وجرى توصيف تحول تلك الحركات بمغادرتها لمربع "الإسلام السياسي" إلى فضاءات "الإسلام الديمقراطي"، بحسب أكاديميين غربيين.

تُعد أطروحة "فشل الإسلام السياسي" للكاتب والباحث الفرنسي أوليفيه روا، من الأطروحات الرائجة والمتداولة في بحث ودراسة مسار الحركات الإسلامية السياسية، التي تعززت بقوة بعد فشل (أو إفشال) تجارب تلك الحركات بعد الربيع العربي.

أمام ذلك الفيض من الكتابات والتحليلات التي تسير في الاتجاه ذاته، تُثار جملة من التساؤلات حول مفهوم "الإسلام السياسي"، وما الذي يعنونه بـ"الإسلام الديمقراطي؟ وما هي الفروق الجوهرية بينهما وفقا لتلك التوصيفات؟ وهل ثمة نماذج لتلك التحولات، وما أبرز تجلياتها؟ وما هي دوافع ذلك التحول ومبرراته، وماذا يعني هذا التحول وما هي تداعياته الفكرية والعملية؟

تباين الحركات الإسلامية في فهم الإسلام

استهل الكاتب المصري والباحث في حركات "الإسلام السياسي"، مصطفى زهران، جوابه، بضرورة التمييز بين الإسلام كرسالة دينية سماوية خالدة، وحركات الإسلام السياسي التي تُخضع الإسلام كدين إلى رؤى وأفهام وتصورات متباينة ومتقاطعة، بعضها يتصف بالاعتدال، وينحو بعضها الآخر منحى التشدد. 

وأوضح زهران في حديثه لـ"عربي21" أن مصدري الإسلام الثابتين هما القرآن الكريم والسنة النبوية، وقد اكتمل الدين بعد وفاته عليه الصلاة والسلام، وكل الجهود التفسيرية التي تلت مرحلة النبوة، ما هي إلا تأويلات وتفسيرات واجتهادات تحتمل الخطأ والصواب.

وأضاف زهران "انطلاقا من تلك التصورات: يمكننا القول بأن التمظهرات التي حدثت للإسلام في القرن الماضي، وتبايناتها ما بين إسلام سياسي وراديكالي وصوفي وغير ذلك من الاتجاهات الأخرى، إنما جاءت نتيجة طبيعية لروح التأويل والتفسير والاجتهاد التي قادها رواد العمل الإسلامي ورموزه، عقب ذهاب الخلافة الإسلامية الجامعة.

ووفقا لزهران، فإن بعض الحركات الإسلامية لم تكتف بالممارسة الدينية الطقوسية، واتجهت صوب العمل السياسي، وكانت لها اجتهاداتها واختياراتها الخاصة بها، التي تستند إلى الرؤية الإسلامية الجامعة، التي ترى الإسلام دينا ودولة، وهي ما يطلق عليها باحثون وأكاديميون غربيون حركات "الإسلام السياسي". 

وتابع: "ومع هبوب رياح الربيع العربي تصدرت تلك الحركات المشهد، تحدوها رغبة جامحة في إيجاد وضع مغاير للإسلام في البنى السياسية والمجتمعية القائمة، وتعاطيه مع المجتمع الدولي من حوله يعتمد التنافسية والاحتكاك المباشر والرغبة في التوسع وإثبات الذات".

ولاحظ زهران طروء تغيرات على مضامين تلك الحركات الفكرية، وآلياتها الفاعلة أتاحت لها إعادة النظر في أمور كانت تعدها مسلمات من قبل، ولا يمكن تجاوزها بحال، لكن دور تلك الحركات تقلص بعد ارتدادات الربيع العربي، إما بالإجهاض الكامل عبر الانقلابات العسكرية، أو بقصقصة أجنحتها، ما دفعها إلى محاولة اجتراج نموذج أكثر مرونة داخليا وخارجيا.

أطروحة ما بعد "الإسلام السياسي"

من جانبه، رأى الباحث الأردني المتخصص في الحركات الإسلامية، حسن أبو هنية، أن أطروحة ما بعد "الإسلام السياسي" جاءت لتعبر عن توجهات جديدة لتلك الحركات، بانتقالها من موضوع تطبيق الشريعة وحاكميتها، بنزعتها المتجذرة نحو "عالمية الإسلام" إلى الاندماج في الدولة الوطنية، وتكييف بناها الفكرية وبرامجها العملية بما يتلاءم مع متطلبات المرحلة وشروطها.

وأوضح أبو هنية لـ"عربي21" أن مفهوم "الإسلام السياسي" يعني تلك الحركات التي لم تقتصر فاعليتها وحضورها على الجانب الديني الطقوسي، بل توسعت دائرة اهتماماتها وانشغالاتها لتشمل الشأن السياسي، فكرا وعملا، ونظرا وممارسة، وهي التي اهتمت بموضوع الدولة الإسلامية، وإعادة أمجاد المسلمين الغابرة عبر إرجاع سلطانهم السياسي إلى الحكم والسلطة من جديد.

وبين أبو هنية أن تحول تلك الحركات من دائرة "الإسلام السياسي" بمضامينه السابقة إلى فضاءات "الإسلام الديمقراطي"، إنما يعني اجتهاد تلك الحركات من أجل التكيف مع معطيات جديدة، ومحاولة الاندماج مع متطلبات الدولة الوطنية، بالانشغال التام بهمومها وقضاياها، واجتراح برامج عملية تحقق من خلالها ذاتيتها ووجودها، بعيدا عن صرامة المقولات الأيدلوجية والعقائدية.

وجوابا عن سؤال: ما هي أبرز تلك الحركات المغادرة لمربع "الإسلام السياسي" إلى تبني مقولة "الإسلام الديمقراطي"؟ قال أبو هنية: "يأتي في مقدمة تلك النماذج حزب العدالة والتنمية في تركيا، وفي المغرب، وحركة النهضة في تونس، فتلك الأحزاب تسعى بالكلية للاندماج في الدولة الوطنية بمختلف همومها وقضاياها، مع تبني الديمقراطية تبنيا كاملا بلا قيود تفرضها عليها من الخارج". 

التحولات .. ما هي دلالاتها وتداعياتها؟

لاقت تلك التحولات اعتراضات شديدة من اتجاهات وقوى إسلامية توصف بالمتشددة، تنبع اعتراضاتها من موقفها الرافض للديمقراطية أصلا، باعتبارها دينا يناقض دين الإسلام، بحسب رأي (أبو محمد  المقدسي)، أحد كبار منظري السلفية الجهادية، ومن نظرتها لتلك التحولات باعتبارها انسلاخا من الثوابت والأصول التي لا يجوز بحال تركها أو التحول عنها.

ولكن ثمة من يشكك في تلك التحولات انطلاقا من تناقض بنيوي داخلي بين رؤى تلك الحركات المتحولة إلى "الإسلام الديمقراطي"، وبين طبيعة النظام الديمقراطي بحمولته الفلسفية التي لا تنفك بحال عن آلياته وتدابيره الإجرائية بحسب رؤيتهم.  

في السياق ذاته، أبدى الباحث والناشط التونسي، جلال العوني تحفظاته الشديدة على حقيقة تلك التحولات وجدواها، موضحا أن "الديمقراطية بوصفها نظام حكم هي نتيجة ثورة فكرية حدثت في أوروبا بعد عصري النهضة والأنوار، وأعادت النظر في علاقة الإنسان بالله وبالطبيعة، التي تعني حكم الشعب نفسه بنفسه ولنفسه، ما يعني أن التشريع وسن القوانين يعود للناس، وليس لنصوص الدين أو الكهنة". 

وأضاف العوني: "يَعدّ الفكر الحداثي المُولّد للديمقراطية الإنسان هو المرجع الأخير للمعرفة (فلسفة، علوم طبيعية وإنسانية..) وهو سيد نفسه حر مريد صاحب حقوق ذاتية، مرتبطة بصفته إنسانا، لا تقبل التنازل أو المساومة"، لذلك نجد الديمقراطية تحترم الحريات الشخصية الفردية مثل حرية الفكر والتعبير والمعتقد، وتكتفي بتنظيم الشأن العام حسب قوانين وتشريعات من وضع الإنسان صاحب السيادة العليا".

في المقابل، -وطبقا للعوني- يجد الناظر في المنظومة الفكرية للإسلام السياسي بالرجوع إلى فكر ابن تيمية وسيد قطب والمودودي، كما عند القرضاوي وراشد الغنوشي، التي بُنيت على أسس فكرية مناقضة تماما للنظرة الحداثية الديمقراطية، ما يجعل هذا التحول أمرا غير مستساغ، وغير مفهوم".
 
ويدلل العوني على ذلك بقوله: "أحد أهم المقومات الأساسية للمنظومة الفكرية لحركات الإسلام السياسي هي مبدأ الحاكمية، التي تعني أن السلطة العليا في الدولة تعود للنص الديني وليست للشعب، وأن التشريع وسن القوانين حق لله وحده دون الناس، ومن شرّع بنفسه مع الله يُعد مشركا كافرا".

ويخلص العوني من مقارنته بين رؤى المنظومة الفكرية للإسلام السياسي، والمنظومة الفكرية للنظام الديمقراطي، خاصة فيما يتعلق بثنائية الأمة والفرد، وطبيعة التعامل مع الحاكم وحدود طاعته، وطبيعة الفقه والتشريع، إلى أن تحول تلك الحركات هو من قبيل الجمع بين النقيضين، متسائلا: كيف ستكون ديمقراطية وفي الوقت نفسه تنكر حق الشعب في التشريع وسن القوانين؟

وجوابا عن سؤال "عربي21" فيما إذا كانت حركة النهضة تمثل نموذجا لهذا التحول، قال العوني: "نسمع من بعض قيادات الإسلام السياسي هنا وهناك، وخاصة من قيادات حركة النهضة التونسية بوصفها حليفة في السلطة أنها بصدد التحول من إسلام سياسي إلى إسلام أقرب للديمقراطية".

وتساءل العوني: "هل هذه التصريحات من قبيل التلميع والتطبيع مع القوى الحداثية  الداخلية، ورسائل طمأنة للخارج، أم هي ناتجة عن مراجعات فكرية؟ مستبعدا الخيار الثاني لوجود تناقضات بنيوية عميقة بين منظومتها الفكرية والمنظومة الفكرية للنظام الديمقراطي".

وشدد العوني على أن اعتراضاته ليست نابعة من موقف مخاصم للدين، فهو يرى بكل وضوح "أن الإسلام عموما وبالرجوع إلى نصه المحوري القرآن الكريم لا يتنافى مع قيم الحرية والعقلانية التي تستوجبهما الديمقراطية، لكن قراءة الإسلام السياسي انطلاقا من منظومته الفكرية متناقضة تماما مع قيم الحداثة والديمقراطية"، على حد قوله.

ووفقا لما يراه أبو هنية، فإن تحولات ما بعد "الإسلام السياسي" الذاهبة صوب "الإسلام الديمقراطي" تعبر عن رؤى اجتهادية تسعى للتكيف مع معطيات واقعية جديدة، وتتطلع لارتياد آفاق قد تجد في ظلالها، ما يمنحها المزيد من الحرية المنشودة، ويجنبها الوقوع في براثن القوى المتحكمة في إدارة الدول، ورسم سياساتها، واتخاذ قراراتها المفصلية التاريخية.