مقالات مختارة

خلفيات دعوة حكومة وحدة وطنية في تونس

1300x600
تمثل دعوة الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي، مساء الخميس 2 يونيو 2016، في حوار على القناة الوطنية الأولى لتشكيل حكومة وحدة وطنية، تضم الاتحاد العام التونسي للشغل ومنظمة الأعراف، وأحزاب الائتلاف وتكون منفتحة على مستقلين، إقرارا صريحا بفشل حكومة الحبيب الصيد، التي كانت مدعومة من الائتلاف الرباعي الحاكم (أحزاب: «نداء تونس»، و«النهضة »الإسلامي، والاتحاد الوطني الحر، وآفاق تونس)، في معالجة معضلات الشعب التونسي وانتظاراته، حول مكافحة الفساد، وترسيخ الديمقراطية في الواقع المعاش، إضافة إلى حل مشاكل التشغيل والبطالة والتهميش وإيلاء أهمية أكبر للشباب والصحة والتعليم.

فقد بدا واضحا أن حكومة حبيب الصيد أظهرت فشلا ذريعا بعد مرور سنة ونصف تقريبا على عملها، من جراء تمسكها بمنوال تنموي وصل إلى مأزقه المحتوم منذ تفجر الثورة، وعدم اهتمامها بإقامة منوال تنموي جديد قادر أن ينقذ الاقتصاد البارك. وهذا ما جعل العجز يسيطر على المالية العمومية وميزان المدفوعات، لأن الإنتاج التونسي أصبح قليلا. إضافة إلى كل ذلك، كانت حكومة الحبيب الصيد، ينقصها جانب التواصل مع الشعب، وتفتقد لإرادة سياسية واضحة في تنفيذ بعض برامجها، وللشجاعة عند تنفيذ القانون وهو ما جعلها تُتهم بالضّعف، وقد تجلّى ذلك بالخصوص عند تعطيل الإنتاج وغلق الطرقات والإضرابات غير القانونية في بعض القطاعات الحساسة.

كل ذلك جعل الحكومة توصف من عديد الأطراف السياسية وغيرها بالفاشلة، ولم تشفع لها صعوبة الوضع العام في تفادي اتهامها من الأطراف السياسية والمجتمع المدني بالتقصير والفشل، قبل أن يؤكد رئيس الجمهورية ذلك في كلمته الأخيرة من خلال الدعوة إلى حكومة وحدة وطنية بدلا عنها.

المشاهد السياسي في تونس، يلمس بوضوح أن دعوة رئيس الجمهورية دعوة جميع الأطراف على المشاركة في حكومة وحدة وطنية، تعني فيما تعنيه تحميل مسؤولية الفشل لأكبر عدد ممكن من الأطراف وذلك سواء قبلت المشاركة في الحكومة القادمة أو رفضت ذلك لأنّ الرفض في حد ذاته سينظر إليه في هذه الحالة على أنه هروب من تحمل المسؤولية... مسؤولية إنقاذ البلاد أو بالأحرى إنقاذ الحكومة الحالية التي اكتشف رئيس الجمهورية فجأة أنها حكومة رباعية الفشل وليست رباعية الدفع وإن لم يفصح عن ذلك مباشرة..

وكان رئيس الجمهورية تعمد تقديم معطيات دقيقة حول الوضع الاقتصادي، لاسيَّما حول تراجع مداخيل الدولة بسبب تدني مداخيل القطاع السياحي في ظلّ الانخفاض الحادّ في مداخيله، تحديدا بعد عمليتي باردو وسوسة الإرهابيتين العام الماضي، ولكن أيضا بسبب نقص موارد الدولة من مداخيل الفوسفات التي تُقدّر بخمسة مليارات دينار (2.5مليار دولار)، إذ تراجعت الكميات المصدرة منه في ظل تعطل الإنتاج في الحوض المنجمي، وأصبح إنتاج الفسفاط اليوم يعادل إنتاج تونس من المادة ذاتها لسنة 1928، كما تراجع إنتاج البترول والغاز، الذي كان يغطي حوالي 93 في المائة من الحاجات الوطنية، وأن اعتصام قرقنة يعطل 12 بالمائة من إنتاج تونس من الغاز في شركة تملك تونس 55 بالمائة من رأسمالها، إذ بلغت الخسائر 1.7 مليار دينار (792 مليون دولار). وكشف السبسي أن كلفة مقاومة الإرهاب تقدّر بثمانية مليارات دينار (4مليارات دولار)، كما أنّ الوضع في ليبيا يكلّف تونس خسائر تقدّر بأربعة مليارات دينار (2مليار دولار).

لهذه الأسباب مجتمعة، طرح الرئيس التونسي تشكيل حكومة وحدة وطنية بعد خيبة الأمل الكبيرة التي يعيشها الشعب التونسي في هذا الطور التاريخي، من أجل إخراج البلاد من الأزمة العميقة التي تعاني منها. وترى أحزاب المعارضة أن أسباب هذه الأزمة، تتمثل في أسلوب الحكم القائم على المحاصصة الحزبية، والذي أدى إلى صراعات داخل الائتلاف وداخل أحزاب الائتلاف نفسها، ما أدى إلى تعطيل مصالح البلاد. وترفض أحزاب المعارضة توزيع الفشل على الجميع، لأنها ترى أن من فشل هو الائتلاف الرباعي الحاكم، وعلى من فشل أن يتحمل المسؤولية، وعلى هذا الأساس تعالج الأزمة.

إن دعوة رئيس الجمهورية إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية، تعتبر خطوة سياسية ذكية، لأنها استهدفت تقاسم أعباء تحمل الأزمة على الجميع، لاسيَّما حين اعتبرت من شروطها الرئيسية انضمام الاتحاد العام التونسي للشغل ومنظمة الأعراف أهم قوتين اجتماعيتين وطنيتين اليوم في البلاد، أسهمتا في إنجاح مسار الانتقال الديمقراطي في تونس، و نالتا سمعة جيدة على الصعيد العالمي من خلال حصولهما على جائزة نوبل للسلام لسنة 2015، لضمان التهدئة أو الهدنة الاجتماعية التي طالبت بها جميع الحكومات المتعاقبة بعد الثورة دون أن تتحقق في ظل إصرار المنظمة الشغيلة على وضع شروط للهدنة الاجتماعية، وفي مقدمتها تقاسم التضحيات بين الجميع.

إن القضية الرئيسية في تونس ليست في إعادة تشكيل حكومة الوحدة الوطنية، أو في تغيير رئيس الحكومة، بل في بلورة منوال جديد للتنمية، يستجيب لطموحات وانتظارات الشعب التونسي.

عن صحيفة الشرق القطرية