قضايا وآراء

انتحار جماعي

1300x600
قبل ايام أقنعت السلطات الأردنية خمسة شباب بالعدول عن الانتحار بشكل جماعي، من فوق بناية قيد الإنشاء في أشهر ميادين العاصمة "ميدان جمال عبد الناصر"، او ما يعرف شعبيا بدوار الداخلية، وهو المكان ذاته الذي انطلق منه اعتصام مفتوح في عام 2011 للمطالبة بـ"الحرية والعدالة الاجتماعية".
 
دوافع الانتحار كما كشفت التحقيقات؛ تأتي بسبب تعطل هؤلاء الشباب عن العمل في بلد ارتفعت فيه البطالة حسب الأرقام الرسمية إلى 14.6 في المئة، وأكثر من 32 في المئة حسب أرقام خبراء اقتصاد مستقلين.
 
لم تكن حادثة الشباب الخمسة سابقة في نوعها، فالإحباط واليأس وغياب العدالة الاجتماعية شعور بات يدفع أردنيين لاعتلاء أماكن مرتفعة والتهديد بإنهاء حياتهم. وسبقت حادثة الانتحار الجماعي محاولة أخرى لانتحار ثلاثة شباب في يوم واحد وبشكل منفصل، في مدينة الرمثا شمال المملكة.
 
تشير أرقام جهات أمنية أردنية إلى أن معدل حالات الانتحار في الأردن وصلت إلى 100 حالة سنويا، جلها لأسباب اقتصادية، بعد عجز الاقتصاد الأردني عن توليد فرص عمل للشباب في القطاعين الخاص والعام، وتفاقم الدين العام إلى 33 مليار دولار، مع تغلغل الفساد وتوزيع الوظائف والمكتسبات على متنفذين ومسؤولين، كان آخرها فضيحة توظيف أعضاء في البرلمان الأردني لأبنائهم وأقاربهم في مناصب داخل مجلس النواب.
 
تدير الحكومات الأردنية ظهرها للإصلاح السياسي الذي يقود في المحصلة لإصلاح اقتصادي، وتسمح لمتنفذين ومسؤولين بالسيطرة على الوظائف العليا وتوريثها لأبنائهم، ونهب ثروات البلد من خلال شركات خفية "أوف شور"؛ سيطرت على عطاءات الدولة وهربت أموالها إلى خارج البلاد، بالتعاون مع مسؤولين بارزين، كما كشفت "وثائق بنما المسربة".
 
يكشف تحقيق جديد لوحدة الصحافة الاستقصائية في راديو البلد المحلي؛ أن 750 شخصية أردنية تملك شركات "أوف شور" مسجلة في ملاذات ضريبية آمنة، أغلبها يملكها رؤساء وزراء ووزراء سابقون ورجال أعمال؛ دخل البعض منهم في عطاءات شابها تضارب مصالح وفساد.
 
أمام هذا المشهد وتفشي الفساد وعدم العدالة الاجتماعية، بات المواطن الأردني يشعر أن ثروات البلد تتركز في يد 1 في المئة من الشعب الأردني، وهي الطبقة نفسها التي مارست سياسة الجباية من جيب الشعب، وقادت البلاد نحو نهج اقتصادي زاد جيوب الفقر، وأغرق البلاد بالديون والفقر والبطالة والعنف المجتمعي.
 
ربما على الحكومة في الأردن التخلي عن فكرة الاقتصاد الريعي المعتمد بشكل أساسي على المساعدات والمنح، والتوجه لدعم المشاريع الصغيرة التي أثبتت نجاحا في الحد من مشكلة الفقر والبطالة في دول كتركيا، والتوسع في القطاعين الزراعي والصناعي على حساب قطاع الخدمات الذي بات يخلق نموا وهميا، ولا يساهم بشكل مؤثر في الناتج المحلي، إلى جانب إنجاز قوانين إصلاحية حقيقية، كقانون الانتخاب الذي سيفرز بالمحصلة مجلسا قويا قادرا على محاسبة الحكومة والفاسدين، ولا يكون شريكا في تبرئتهم.