قضايا وآراء

هل حصل هيكل على طائرة خاصة من المجلس العسكري؟!

1300x600
لا يضاهي الأستاذ محمد حسنين هيكل في الموهبة وطرائق الكتابة الصحفية؛ إلا أستاذه محمد التابعي ورفيق دربه أحمد بهاء الدين.

من لديه شغف القراءة يعرف أسلوب هيكل جيدا من بين عشرات المؤلفين في مصر، إذ تعتمد كتاباته دائما على القصة الصحفية بالأسلوب الروائي، مطرزة بالأدب.. هيكل ومحمود السعدني أفلتا من باب الأدب ودخلا من باب صاحبة الجلالة. بالطبع يختلف محمود السعدني في أنه بدأ قاصا، فكانت مجموعته السماء السوداء منافسة لابن جيله يوسف ادريس في فن القصة القصيرة.

في كتابات هيكل تشابك في الموضوعات وانتقال سلس من أقصوصة إلى حكاية سياسية إلى حدوتة على العشاء مع إمبراطور أو رئيس أو ملك.

منذ ولعي بالأدب والصحافة - ربما في الصف الخامس الابتدائي- وأنا أبحث عن الكتب والكتَّاب، تعثرت بهيكل ذات كتاب وكان "بين الصحافة والسياسة"، وأصبح التعثر اعتيادا حتى صدرت مجلة "وجهات نظر" التي أعادته مرة أخرى إلى الكتابة، ثم  مقاله الأخير "انصراف عن الكتابة " والذي أعلن فيه اعتزال الكتابة، ليعود عبر فضائية الجزيرة في سلسلة حلقات مبهرة، رغم ما فيها من حكي متشابك غير مترابط ينتقل بك من قصة إلى أخرى، ثم الثلاثة كتب التي صدرت له بعد ثورة يناير 2011.

ثم اقتربت من الأستاذ هيكل منذ عام 2007 من خلال " مؤسسة هيكل"، حيث كنت من الشباب الذين وقع الاختيار عليهم للالتحاق بدورات تدريبية لتعلم الصحافة الغربية، يُدرس فيها أساطين الصحافة، ومنهم سيمور هيرش صاحب الخبطات الصحفية المتميزة، مثل مذبحة ماي لاي في فيتنام وسجن أبو غريب في العراق.

ظهر فن جديد في الصحافة وهو الصحافة الاستقصائية، وكان هيرش أحد رواده، لذا سعدت كثيرا حين كنت أول صحفي مصري يحاور سيمور هيرش (نشر الحوار في صحيفة المصري اليوم 2007)، ويكتشف وقائع مذهلة في كيفية تنفيذ التحقيق الاستقصائي، وكيف نفذ تحقيقه في "ماي لاي"، وكيف بدأ موضوع سجن أبو غريب معه، ليكشف للعالم جرائم الأمريكان في العراق، ويومها انقلبت الدنيا رأسا على عقب.

أجريت الاختبارات لحوالي 500 صحفي للالتحاق بمؤسسة هيكل، استقروا على 25 ثم استقروا على عشرة زملاء للسفر في بعثة إلى لندن للاطلاع على عالم الصحافة هناك.

كنت فخورا وأنا أقف بين الصحفيين الأجانب في المؤسسات البريطانية؛ وهم يتحدثون عن الصحفي المصري محمد هيكل وكتاباته.

كان هيكل يكتب مؤلفه بالإنجليزية ثم يترجمه بنفسه إلى العربية، وحين تدخل من باب مكتبه تجد على الناحيتين عشرات الصور له بالأبيض والأسود مع كتاب وساسة ورؤساء أجانب وعرب.

ودعني أعترف بحقيقة؛ لولا وجود رجل يتمتع بذاكرة حديدة، وعمر مديد منحه الله له لما بقيت حكايا وقرارات جمال عبد الناصر في ذاكرة كل من يعشق الكتب والكتابة حتى الآن.

لم يخل كتاب لهيكل من ذكر جمال عبد الناصر، حتى حين شن السادات معركة طويلة على عبد الناصر، تصدُق عليها النكتة القائلة "السادات مشي على خطى عبد الناصر بالأستيكة"، أصدر هيكل كتابه "لمصر لا لعبد الناصر"، وأعيب على هيكل في هذه الكتب أنه برر الاستبداد لعبد الناصر. كان يمكن أن يذكر محاسنه وسيئاته، لكن هيكل اكتفى بالمحاسن فقط، أعرف الإخلاص الدائم من هيكل لعبد الناصر، لكنه التاريخ يا أستاذ هيكل...

من الجمل الأثيرة رفض هيكل لقاء أي مسؤول اسرائيلي، رغم المحاولات المطولة من الأمريكان والبريطانيين وغيرهم، كان هيكل يرد: اذا مت وقابلت عبد الناصر ماذا أقول له..؟!

في كتابه خريف الغضب الذي قرأته عدة مرات وجدت هيكل يقتل السادات ألف مرة، لقد كانت كلمات خريف الغضب أكثر ذبحا للسادات من طلقات عبود الزمر وعطا طايل!

وفي الكتاب رؤية استقصائية مذهلة للعلاقة بين السلطة والأزهر.. بين السلطة والكنيسة.. بين السلطة والجماعة الإسلامية.. بين السلطة والإخوان، واستعراض تاريخي ضارب في العمق.

يقول لي هيكل: تعلم أن تكون مباشرا في قصتك الصحفية.. والمباشرة لا تعني أبدا أن تقتل الأسلوب أو تقتص المفردات، ولكن لا تجعل القارئ يهرب منك بمقدمة طويلة.

هو صاحب المقدمات الطويلة، واتجاهه في مقالاته الأخيرة إلى المقال المستطرد ومواكبته لتطور الصحافة البريطانية، وهو أيضا صاحب الحوارات الفضائية المتلفزة التي يأخذك فيها إلى تفريعات أخرى ليست في متن موضوعه.

ولأني لست من الدراويش، قرأت أيضا الكتابات النقدية عن هيكل مثل كتاب "تفكيك هيكل" للمفكر العراقي سيار الجميل، وقرأت كتاب "خريف هيكل " للكاتب إبراهيم الويشي، وكذلك كتابات الدكتور محمد الرميحي "في مواجهة هيكل" ردا على كتابه "حرب الخليج"، لكن بقي هيكل قطعة من التاريخ الصحفي والموهبة المتفردة، لذا كنت فرحا بموقفه الرائع من ثورة يناير ووقوفه مع الثورة وتأييده لها منذ أيامها الأول، وتابعت بشغف حواراته الصحفية في جريدة الشروق وقتذاك.

لذا كان من المذهل والمحير بالنسبة لي أنا الذي سافر عبر كتابات هيكل منذ "إيران فوق بركان"، وحتى آخر حرف نشره.. الرجل الذي التقى أباطرة وحكام وملوك العالم، وكان أقرب لجمال عبد الناصر من أولاده، أن يؤيد عبد الفتاح السيسي، وهو يدرك أنه رجل جاهل سياسيا وفكريا وأدبيا، ولا يصلح لقيادة كتيبة وليس وطنا بحجم مصر.

كنت أتوقع على أقل تقدير أن يصمت هيكل تماما، أن يهاجر وبلاد الدنيا تتسع له، فقد منحه الله بسطة في العلم والمال وصداقة الساسة والملوك والأمراء، لكنه أسهب وتكلم بغزارة، وأيد السيسي وهو يعرف أنه بلا عمق ولا فكر ولا هم سوى ركوب الكرسي، وركوب الموجة في أحايين كثيرة، بل وأنه رجل اسرائيل بامتياز، بل هو العميل الإسرائيلي الأول في المنطقة.. ورآه رئيس الضرورة.

هل كان لأولاد هيكل تأثير عليه، هل كان للبيزنس الخاص بهم دور في الأمر..؟!

(..) عزيزي الأستاذ هيكل: قال ياسر رزق ذات يوم أمامي إن المشير طنطاوي حكى له أنه طلب منك أن تكون معهم في موقف المجلس العسكري من ثورة يناير فطلبت منهم أن يمنحوك طائرة خاصة..

رددت على ياسر رزق، ونحن نجلس على مقهى مجاور من ميدان التحرير، وذلك وقت خريف الجيش مع ثورة يناير بأن الأستاذ هيكل ليس بحاجة إلى طائرة خاصة، وقد بلغ به العمر عتيا، فأجابني: ربما يحتاجها لأجل أبنائه والبيزنس الخاص بهم.

 ما القصة وماذا (كنت) ستفعل بطائرة خاصة في هذا العمر؟!!

(ملحوظة: كتبت هذا المقال لأرسله إلى الأستاذ هيكل رحمه الله، لكن المرض والرحيل حصلا على الأسبقية)