قضايا وآراء

الإخوان.. تاريخ من النقد المعلن والمراجعات (4)

1300x600
مر بنا في مقالاتنا السابقة موقف الإخوان من النقد المعلن، وذلك في شخص مؤسس الجماعة حسن البنا ومن حوله من الإخوان، وذكرنا نماذج واضحة في قبول الجماعة للنقد المعلن، واليوم نتناول صفحة أخرى من صفحات النقد المعلن في الجماعة، وعلى يد مسؤول التربية في جماعة الإخوان في أربعينيات القرن الماضي، إنه الدكتور عبد العزيز كامل، المفكر الكبير المعروف، الذي كان يسمى (ابن الدعوة البكر)، الذي رشحه الكثيرون ليكون خليفة لحسن البنا بعد وفاته.

لاحظ عبد العزيز كامل قصورا كبيرا في نظام التربية في الإخوان، فلم يكتف بأن يرسل له المسؤولون تقارير تطمئنه على سير العمل، بل نزل بنفسه وطاف محافظات مصر، ووقف على مواطن الضعف، فكتب سلسلة من المقالات يتناول فيها هذه الأخطاء، ويضع لها العلاج، تحت عنوان: (من حديث الإخوان العاملين)، ما يقرب من أربعين مقالا، وإلى جانبها سلسلة رسائل موجزة وقصيرة، في مربع صغير بعنوان: (إلى الإخوان العاملين)، شخّص فيها أخطاء إدارية يقع فيها الأفراد والقيادات، ووضعها على هيئة نصائح يسهل الأخذ بها.

ومن ذلك أن كتب عن سلبية بعض الأفراد، ما يؤدي إلى مركزية العمل في المركز العام للإخوان، فقال: (من غير المعقول أن يشرف المركز العام على كل صغيرة وكبيرة من أعمال الدعوة. ففضلا عن أن هذا متعذر فعلا، فإنه لا يلائم روح العمل، ويقضي على الابتكار، والإبداع في القائمين بأمر المناطق والمكاتب الإدارية، ويعطيهم نوعا من الاستسلام والاستكانة وإلقاء الحمل على المركز العام ومحاسبته بعد هذا على كل صغيرة وكبيرة: مناهج من المركز العام.. دعاة من المركز العام.. نشرات.. لوائح.. قوانين.. مشرفون.. مصلحون.. مراقبون إلخ.. فما هي مهمة المكاتب الإدارية والمناطق بعد هذا؟ شيئا من الجهد أيها العاملون، واذكروا أن موسى اختار من بني قومه اثنا عشر نقيبا).

وقد لاحظ عبد العزيز كامل نوعا من المركزية في العمل في الجماعة، فكتب توجيها مهما للصف الإخواني قال فيه: (إن نجاح الأعمال يتطلب مركزية في التوجيه ولا مركزية في التطبيق، وبين يدينا من لوائح المركز العام ما لو عملنا به لهدانا سبيلنا. فالأنطمة معروفة، والتقصير في التطبيق، فاعتمدوا على الله، واحملواء أعباء التنفيذ، والشعور بالنقص أول مراتب الكمال).

ثم بعد ذلك، كتب عبد العزيز كامل سلسلة مقالات أخرى بعنوان: بين الهدم والبناء، وقد لاحظ أن الخط العلمي في الإخوان قد ضعف نوعا ما، فبدأ يضع مناهج جديدة للإخوان تغذي فيها هذه الروح، ورأى روح الحوار مفقودة، وتقبل الخلاف والرأي الآخر، فقرر على الإخوان دراسة رسالة: (رفع الملام عن الأئمة الأعلام) لابن تيمية، وقرر بعض كتب ابن القيم، لأول مرة في جماعة دينية في مصر، ولاحظ ضعفا في علم الحديث في الجماعة، وقد كتب رسالة بعنوان: (آداب الكتيبة) وأرسل للشيخ محمد ناصر الدين الألباني يخرج أحاديثها، وقد وضع تعليقات الألباني في هامش الرسالة.

وانتقد كذلك بوضوح بعض ممارسات التنظيم الخاص للإخوان المسلمين، وقد أسر إليه حسن البنا قبل وفاته بيومين ببعض الأخطاء التي وقع فيها، وما ينوي فعله في المستقبل لتجنب هذه الأخطاء، وكان عبد العزيز آخر فرد قابل حسن البنا من الإخوان المسلمين. 

أما أخطر وأشد أنواع النقد الذاتي والمراجعات في الإخوان، فهو مراجعات حسن البنا في أداء الإخوان السياسي، ودخولهم معترك السياسة، وما نتج عن ذلك من أخطاء جراء ولوج هذا الميدان دون إعداد، وذلك في حوار مهم بين حسن البنا والعلامة محب الدين الخطيب، نذكره بتفاصيله في مقالنا المقبل إن شاء الله.