قضايا وآراء

الإخوان.. تاريخ من النقد المعلن والمراجعات (3)

1300x600
كانت جماعة الإخوان في عهد حسن البنا واسعة الصدر في تقبل النقد، بل كانت تطلب ممن لديه أي نقد عليها أن يتوجه به، كما ذكرت في مقالي السابق من تثبت باب في مجلة الإخوان باسم باب النقد، غير أن حسن البنا لجأ إلى أسلوب جديد في النقد، فدعا قراء مجلاته إلى نقده، وإلى نقد المواد التي تقدم في المجلة، فعندما تولى رئاسة تحرير مجلة (المنار) خلفا للعلامة الشيخ محمد رشيد رضا، كتب تحت عنوان (الدعوة إلى انتقاد المنار) يقول: 

إننا ندعو جميع من يطلع على المنار من أهل العلم والرأي: أن يكتبوا إلينا بما يرون فيه من الخطأ في المسائل العلمية أو ما ينافي مصلحة الأمة، ونَعِد المنتقدين بنشر كل ما يرسل إلينا من نقد مع بيان رأينا فيه، بشرط: أن يكون النقد مختصرًا، مؤيدًا بالدليل، نزيه العبارة.                                                                  
ونرجو عامة القراء: أن يطالبوا كل من يسمعون منه انتقادًا للمنار بكتابته وإرساله إلينا لنشره، وإلا أضاع الفائدة على نفسه وعلى الناس، وكان نقده عقيما لا نتيجة له، وهو ما لا يرضاه لنفسه محبٌّ للمصلحة العامة، ونسأل الله أن يوفقنا جميعًا لخير ما يحب ويرضى).

وقد لاحظت عند تتبعي لكَمِّ الكتابات النقدية التي وجهت للإخوان والبنا في حياته، وجدتها تنقسم إلى ثلاثة أقسام: نقد علمي رقيق، ونقد لاذع حاد، ونقد ساخر متهكم، وكان موقف البنا والجماعة حيال هذه الألوان الثلاثة واحدا، القبول به، والنقاش الهادئ حوله، سواء صدر من داخل الجماعة أم من خارجها.

من النقد المشتمل على الحدة والطعن في البنا ومنهجه: نقد جماعة (شباب محمد)، وقد كانوا من الإخوان ثم انشقوا عليها، يحكي الأستاذ عمر التلمساني عن رد فعل البنا تجاه هذا النقد الحاد، بل الانشقاق العنيف، فيقول: ويوم أن انشق بعض الإخوان، وخرجوا من الجماعة، وسموا أنفسهم شباب محمد، لم يثر عليهم، ولم يقاطعهم، ولم يوزع عليهم الشبهات، ولم يؤلب أحدا عليهم، ولكن تصرف معهم التصرف الذي لا يتصرفه سواه في مثل هذا الموقف. 

اتخذ شباب محمد له مقرا، وأعد دفاتر للاشتراك في صفوفه. فكان الإيصال الأول (نمرة 1) باسم حسن البنا، ليؤكد لهم أن موقفهم هذا لم يزعجه، وأنه يتمنى لكل عامل في حقل الدعوة الإسلامية أن يوفقه الله لكل ما يحب ويرضى. وما دام هو واثق من نفسه، فلماذا لا يتصرف وهو على بينة من نتائج هذا التصرف؟؟ إنه التصرف المناسب، تعالى على الصغائر والمهاترات. واكتسب احترام الذين انشقوا عليه، لأنه لم يبدأهم بهجوم ولا ملام).

أما النموذج المهم هنا، فهو نموذج وكيل جماعة الإخوان صالح عشماوي، والمسؤول عن الصحافة فيها، في نقد متبادل بينه وحسن البنا، في ثلاث مقالات تجعلنا نترحم على هذه المساحة المفقودة في الجماعة للأسف، فقد نشرت إحدى المجلات، وقد كان صاحب امتيازها الأستاذ مكرم عبيد الرمز السياسي المسيحي المعروف، وقد كتب أحد الكتاب مقالا في جريدته يغمز فيه الإسلام، فما كان من الأستاذ صالح عشماوي رئيس تحرير مجلة (النذير) الإخوانية إلا أن أمسك بقلمه، وكتب مقالا ناريا، بعنوان: (الإسلام بين خصومه وأنصاره) وصب جام غضبه على صاحب المجلة الأستاذ مكرم عبيد، وعلى كاتب المقال، ولكنه ركز في هجومه على مكرم عبيد، وكان نقده لاذعا، وقد وصل عدد المجلة إلى البنا وكان في معسكر بالدخيلة مع عدد من شباب الإخوان المسلمين، وقرأ المقال، فلم يَرُق له الأسلوب الذي كتب به صالح عشماوي المقال، ولا لغة المقال، فكتب البنا يعتب على عشماوي أسلوبه وهجومه اللاذع الذي لا يخدم القضية التي يدافع عنها.  

ولم يقتنع عشماوي برد البنا عليه، أو ينظر إليه نظرة تقديس، فيصمت مكرها، تحت أي دعوى، فكتب مقالا يخالف فيه البنا فيما ذهب إليه، وكتب عشماوي يستغرب من موقف البنا من حزب (الوفد)، ومن مكرم عبيد ومجلته، ولماذا يُهادنهم ويُعاملهم بالحسنى رغم ما يصدر من الحزب والمجلة، ولماذا لا يعاديهم، وهم ـ كما يرى عشماوي ـ يعادونه، وإن أخفوا عداوتهم؟!

فكتب البنا ردا آخر عليه، يقول فيه لصالح عشماوي: (يا أخي صالح ليس من أخلاقنا أن نفتش عما في قلوب الناس، ولنا أعمالهم الظاهرة، ثم إن كاتب المقال شخص أنت رددت عليه، فلم النيل من مكرم عبيد، وما ذنب مكرم وجريدته، وما هي إلا ناشرة لمقال الرجل، ثم تعاتبني على عدم إظهار عدائي لهم وهم يكنون العداوة لي كما تقول، إنني أريدك أن تكون حكيما حتى مع أعدائك وخصومك الذين يخفون عداوتهم لك، فليس من الحكمة أن تبدي عداوتك لشخص ستر عداوته عنك!).

Essamt74@hotmail.com