قضايا وآراء

ماذا نتعلم من (داعش)؟

1300x600
أحدثت سيطرة تنظيم الدولة على مدينة الموصل في ربيع عام 2014 هزة كبيرة في المنطقة، وانطلقت التحليلات المتناقضة في تفسير كيفية ظهور هذا التنظيم وعوامل قوته، ولم تخل كثير من هذه التحليلات من التفسير التآمري الذي يقفز فوق عوامل التفسير الموضوعي لهذه الظاهرة الاجتماعية والسياسية.

فتنظيم الدولة لم يخرج فجأة من فراغ، بل هو امتداد طبيعي لجماعة التوحيد والجهاد التي أسسها أبو مصعب الزرقاوي والتي تحولت إلى تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين ثم إمارة العراق الإسلامية ثم الدولة الإسلامية في العراق والشام ثم الخلافة الإسلامية.

عوامل كثيرة أسهمت في ظهور هذا التنظيم أهمها الاحتلال الأمريكي للعراق، وتهميش أهل السنة والجماعة في عراق ما بعد الاحتلال لصالح الطائفة الشيعية وخصوصا في فترة المالكي، وحل الجيش العراقي العريق، وانخراط أعداد كبيرة من كتائب فدائيي صدام في المقاومة.

لم يفهم الأمريكان عندما احتلوا العراق الجانب التنظيمي في حزب البعث الذي يسيطر على مقاليد الدولة العراقية عدة عقود، فحزب بهذا العمق له امتداداته التنظيمية والأمنية والعسكرية والديمغرافية لا يمكن أن ينهار فجأة، ونحن هنا لا نتطرق إلى الجانب الأيديولوجي في الحزب الذي شهد توجها للتدين حتى في زمن الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، لكن يعنينا بالدرجة الأولى الجانب التنظيمي الذي تمثله المخابرات الحزبية، والتي كان لها دورها في دعم حركات المقاومة، والتي أعادت انتاج نفسها من خلال تبني الفكر الإسلامي المتطرف.

إن هذه الخلطة المكونة من تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين الذي تطور إلى إمارة العراق الإسلامية، وجماعات الجهاد العالمي التي وفدت إلى العراق وسوريا بخبراتها القتالية والأمنية، بالإضافة إلى التحولات التي طرأت على فدائيي صدام بعد الحملة الإيمانية التي فعلها صدام، وضباط الجيش العراقي الذي تشير تقارير إعلامية إلى انضمام 1500 – 2000 ضابط أركان حرب منه إلى تنظيم الدولة، هذه الخلطة هي التي شكلت (الدولة الإسلامية).

وبالرجوع إلى الوراء قليلا، إلى كتاب إدارة التوحش الذي صدر بعد أحداث سبتمبر وألفه أبو بكر ناجي ومن المرجح أنه اسم مستعار لأحد قادة تنظيم القاعدة، ذكر المؤلف –بعد أن قدم نقدا للجماعات الإسلامية القائمة- بأنه يجب على القاعدة أن تستعد لمرحلة التوحش ويقصد بها: تلك الحالة من الفوضى التي ستدب في أوصال دولة ما أو منطقة بعينها إذا ما زالت عنها قبضة السلطات الحاكمة، ويعتقد المؤلف أن هذه الحالة من الفوضى ستكون "متوحشة" وسيعاني منها السكان المحليون، لذلك وجب على القاعدة -التي ستحل محل السلطات الحاكمة تمهيدا لإقامة الدولة الإسلامية- أن تحسن "إدارة التوحش" إلى أن تستقر الأمور. 

لا يسعنا في مقال مختصر أن نستزيد في شرح أسباب وملابسات ظهور تنظيم الدولة والذي لم يعد تنظيما في حقيقة الأمر بل هو دولة ينطبق عليها تعريف الدولة من حيث وجود الأرض والشعب والسلطة، لكننا في هذا المقام لا نجد بأسا في أن نطرح سؤال جريئا: ماذا نتعلم من تنظيم الدولة؟

 أولا: استطاع هذا التنظيم أن يقرأ المشهد الإقليمي جيدا ويستشرف مرحلة (التوحش) وهي مرحلة الفوضى الناتجة عن غياب الدولة، لذلك استعد لملأ هذا الفراغ عبر امتلاك الأدوات التي تناسب المرحلة الجديدة، بينما استمرت تنظيمات عريقة في عملها الذي اعتادت عليه من عمل نقابي ومؤسسي ومشاركة في الحكومة هنا أو هناك دون استشراف للمستقبل فضلا عن امتلاكها للأدوات التي تتناسب معه، لذلك وجدت نفسها خارج المعادلة. علما بأن مرحلة الفوضى هذه تجعل للتنظيمات الشعبية أهمية تفوق أهمية الحكومات، كما هو الحال مع تنظيم الدولة أو حزب الله أو الحوثيين، فكل طرف من هؤلاء تفوق أهميته ووزنه السياسي أهمية حكومته.

ثانيا: امتلاك المشروع والرؤية والخطاب الواضح الذي يتناسب مع الرؤية ولا يتناقض معها، وبالرغم من اختلافنا مع أطروحات تنظيم الدولة التي تعود للقرون الوسطى إلا أن مشروعه واضح وخطابه جاذب فهو يتكلم عن حلم إحياء الخلافة وهو حلم متجذر في أفئدة المسلمين يتغنون صباح مساء بأمجادها ويحلمون بالعودة لها، وأن إحياء الخلافة لا يكون بدون جهاد وقوة، وقد عبر أبو بكر البغدادي في خطبته في الموصل عن هذا بقوله: قوام هذا الدين أمران كتاب يهدي وسيف ينصر.

والتنظيم لا يشغل نفسه بالتنظير المعقد بل يقدم نموذجا واقعيا –بحسب تصوره- يتطابق مع أيديولوجيته التي تستند إلى تراث يمتد إلى 300 سنة من الفكر السلفي الوهابي، ورؤية سياسية واضحة وخطابا منسجما مع رؤيته السياسية ويكاد يكون الجهة الوحيدة في الإقليم التي تمتلك خطابا واضحا تسعى لتحقيقه.

ثالثا: الاحترافية في العمل، فالتنظيم لديه كوادر مهنية ومحترفة على جميع المستويات، فعملياته العسكرية يديرها ضباط أركان حرب مخضرمون تلقوا تعليمهم العسكري في أرقى جامعات العالم في الشرق أو الغرب، وفي الجانب الأمني نفَّذ التنظيم عمليات تتطلب مستوى عاليًا من الاحتراف والمعلومات الاستخبارية الدقيقة مثل الاغتيالات التي طالت قيادات في الأطراف المتصارعة معه أو تأمين حماية قياداته العليا، وفي الجانب الاقتصادي يمتلك التنظيم موارد مالية هائلة تتجاوز التنظيمات الإسلامية الأخرى قاطبة ما يشير إلى أن هنالك جهازًا محترفًا هو الذي يدير هذا القطاع المهم والأساسي في نجاح أي عمل تنظيمي، وفي المجال الإعلامي ظهرت القدرة على توظيف شبكة الإنترنت للتجنيد والدعاية والتعبئة، وأنتج أفلاما على مستوى عال من الجودة التقنية باللغتين العربية والإنجليزية، بينما نرى جهات أخرى تنفق الملايين على قنوات فضائية لا تأثير لها.

إن دراسة أسباب وكيفية بروز تنظيم الدولة بشكل مجرد تشير إلى أننا أمام ظاهرة "إبداعية" تمكنت من تحقيق الصعب في زمن التناقضات وتبقى مشكلة هذا التنظيم الأساسية مشكلة فكرية لأنه تيار استئصالي لا يعترف بالمخالف بل ويستخدم الأساليب الوحشية في التعامل حتى مع من يشاركونه الفكر والتوجه ولكن يختلفون معه في شرعية خلافته، مما يظهر أنه مشروع غير قابل للبقاء يعيش في الماضي ولا يمثل مشروعا لنهضة الأمة، ورغم أن هذا التنظيم قد ظهر في وقت والأمة بتياراتها التغييرية المختلفة بحاجة فيه إلى ظهر تستند إليه إلا أنه قد فشل في أخذ هذا الدور وملء هذا الفراغ، بل تحول إلى شوكة في ظهرها، ولا يمكن مواجهة هذا المشروع إلا بمشروع استيعابي آخر يعيد تعريف الأمة ويجمعها، فلا يمكن مثلا بعد أن استطاع التنظيم أن يحطم الحدود المصطنعة بين سوريا والعراق والتي لم يتمكن حزب البعث بجناحيه من إزالتهما رغم حكم 40 سنة، أن يكون المشروع المضاد هو العودة لحدود سايكس – بيكو من جديد!

لكن رغم ذلك كله لا بأس من أن نتعلم منه.